مفاتيح نهضة الامم
قراءة مقارنة بين كتابين من المراجع الاقتصاديه العالمية
منبر نور البحثي
مقالات من بطون كتب ونبض الواقع
لماذا تنتصر بعض الدول… بينما تتعثر أخرى؟
قراءة مقارنة في كتابين
«لماذا تفشل الأمم؟»
و«الميزة التنافسية للأمم»
“
ليس من الحكمة أن نسأل: أي الكتابين أصح؟
بل الأجدر أن نسأل: ماذا يضيف كل كتاب إلى فهمنا لسر نهضة الأمم؟”
مدخل
في كل مرة تحقق فيها دولة فقيرة قفزة اقتصادية مذهلة،
يعود السؤال القديم بثوب جديد: ما السر؟
ولماذا استطاعت دول مثل كوريا الجنوبية وسنغافورة أن تنتقل خلال عقود قليلة من الهامش إلى قلب الاقتصاد العالمي،
بينما بقيت دول أخرى، وهي أغنى منها موارد، عاجزة عن تحقيق نهضة مستدامة؟
هذا السؤال لم يشغل الساسة وحدهم،
بل كان محورًا لعشرات الدراسات والكتب.
ومن بين أكثرها تأثيرًا كتاب «لماذا تفشل الأمم؟» لدارون أسيموغلو وجيمس روبنسون،
وكتاب «الميزة التنافسية للأمم» لمايكل بورتر.
وقد يبدو للقارئ أن الكتابين يتناولان القضية نفسها،
غير أن التعمق فيهما يكشف أن كل واحد منهما يضيء جانبًا مختلفًا من صورة واحدة،
وأن الجمع بينهما يمنح رؤية أشمل من قراءة أي منهما منفردًا.
أولًا:
ماذا يقول كتاب «لماذا تفشل الأمم؟»
صدر هذا الكتاب عام 2012 بعد سنوات طويلة من البحث في التاريخ الاقتصادي والسياسي.
وقد انطلق مؤلفاه من سؤال جوهري:
لماذا ازدهرت أمم، بينما بقيت أمم أخرى في دائرة الفقر رغم امتلاكها الموارد الطبيعية؟
يرفض الكتاب التفسيرات التقليدية التي تُرجع النجاح إلى المناخ أو الجغرافيا أو العِرق أو الثقافة وحدها،
ويرى أن العامل الحاسم هو
نوعية المؤسسات.
ويفرق المؤلفان بين المؤسسات الشاملة التي تتيح المشاركة، وتحمي الملكية، وتكافئ الاجتهاد، وتفسح المجال للمنافسة والابتكار،
وبين المؤسسات الاستخراجية التي تتركز فيها السلطة والثروة في أيدي قلة، فتقيد المبادرة وتضعف الاستثمار وتُفقد المجتمع الثقة في المستقبل.
ويستشهد الكتاب بأمثلة من أوروبا والأمريكتين وآسيا وإفريقيا ليؤكد أن الموارد الطبيعية وحدها لا تصنع الازدهار،
وأن الدولة التي لا تبني مؤسسات قوية قد تتحول ثرواتها إلى مصدر للصراع
بدلاً من أن تكون وسيلة للتنمية.
ومن هنا يخلص المؤلفان إلى أن التنمية الاقتصادية
تبدأ من
إصلاح مؤسسات الدولة،
وسيادة القانون، وترسيخ الحكم الرشيد.
ثانيًا:
ماذا يقدم كتاب «الميزة التنافسية للأمم»؟
إذا كان أسيموغلو وروبنسون ينظران إلى الدولة من زاوية المؤسسات
، فإن مايكل بورتر ينظر إليها من زاوية الاقتصاد المنتج.
ففي كتابه الصادر عام 1990 يطرح سؤالًا مختلفًا:
لماذا تتفوق بعض الدول في صناعات معينة، بينما تعجز دول أخرى عن المنافسة فيها؟
ويرى بورتر أن الثروة لا تُورث، بل تُبنى.
وأن الموارد الطبيعية، مهما عظمت، ليست الضامن الحقيقي للنجاح،
وإنما القدرة على الابتكار،
ورفع الإنتاجية، وتطوير المهارات،
وربط الجامعات بالصناعة،
وخلق بيئة تنافسية تدفع الشركات إلى التحسن المستمر.
ويقدم بورتر نموذجه الشهير المعروف بـ”ماسة التنافسية”،
الذي يوضح أن تفوق الأمم يقوم على تفاعل عدة عناصر، منها
جودة عوامل الإنتاج، وقوة الطلب المحلي، ووجود الصناعات المساندة،
وشدة المنافسة بين الشركات الوطنية.
وبذلك ينقل النقاش من سؤال:
“كيف تُدار الدولة؟” إلى سؤال آخر لا يقل أهمية: “كيف يُنتج الاقتصاد قيمة حقيقية؟”
أين يلتقي الكتابان؟
على الرغم من اختلاف نقطة البداية، فإن الكتابين يتفقان على قضايا أساسية.
أولهما أن الثروات الطبيعية وحدها لا تكفي لبناء اقتصاد قوي.
وثانيهما أن الإنسان هو أصل التنمية، سواء من خلال حريته في ظل مؤسسات عادلة، أو من خلال تعليمه وقدرته على الابتكار والإنتاج.
وثالثهما أن الازدهار عملية طويلة تحتاج إلى استقرار في السياسات، واستثمار متواصل في المعرفة، ولا تتحقق بقرارات آنية أو حلول سريعة.
وأين يفترقان؟
يبرز الاختلاف في ترتيب الأولويات.
فكتاب «لماذا تفشل الأمم؟»
يجعل المؤسسات نقطة البداية؛
إذ يرى أن الاقتصاد لا يمكن أن يزدهر إذا كانت البيئة السياسية والقانونية طاردة للمبادرة والاستثمار.
أما بورتر فيرى أن الإصلاح المؤسسي
، على أهميته، لن يحقق نهضة ما لم يتحول إلى إنتاجية عالية، وصناعات تنافس عالميًا، وشركات قادرة على الابتكار.
وبعبارة أخرى
، فإن الأول يبدأ من الدولة،
بينما يبدأ الثاني من الاقتصاد.
ماذا تقول تجارب الأمم؟
عند النظر إلى التجارب الناجحة، يتبين أن أياً من الرأيين لا يكفي وحده.
فكوريا الجنوبية لم تحقق نهضتها بالمؤسسات فقط، ولا بالصناعة وحدها، بل جمعت بين إصلاح الدولة، والاستثمار الكثيف في التعليم، وتشجيع الشركات الوطنية على المنافسة العالمية.
وسنغافورة لم تعتمد على موقعها الجغرافي فحسب، وإنما بنت إدارة عامة كفؤة، وبيئة أعمال جاذبة، وموانئ عالمية، ونظامًا تعليميًا يرتبط بحاجات الاقتصاد.
أما الدول التي اكتفت بالاعتماد على النفط أو المعادن دون بناء مؤسسات قوية أو اقتصاد متنوع، فقد ظلت أكثر عرضة للتقلبات والأزمات.
اين دول العالم الثالث
تكشف هذه القراءة أن كثيرًا من برامج الإصلاح في دول العالم الثالث ركزت على جانب وأهملت الجانب الآخر.
فبعضها أصلح القوانين دون أن يرفع كفاءة الاقتصاد، وبعضها اهتم بالمشروعات دون أن يعالج ضعف المؤسسات.
والدرس الأهم الذي يقدمه الكتابان معًا هو أن التنمية ليست مشروع وزارة واحدة، ولا نتيجة قرار سياسي منفرد، بل هي منظومة تتكامل فيها المؤسسة، والتعليم، والإدارة، والإنتاج، والابتكار، والثقافة الاقتصادية.
خلاصة منبر نور
بعد قراءة الكتابين، لا يبدو أن أحدهما ينقض الآخر، بل إن كلاً منهما يكمل ما أغفله الآخر.
لقد أقنعنا أسيموغلو وروبنسون بأن الدولة التي لا تقوم على مؤسسات عادلة لن تهيئ بيئة صالحة للتنمية،
وأقنعنا بورتر بأن المؤسسات، مهما بلغت جودتها، لن تصنع الثروة ما لم تتحول إلى اقتصاد منتج قادر على المنافسة والابتكار.
ومن هنا فإن سر نهضة الأمم لا يكمن في اختيار طريق واحد،
وإنما في الجمع بين قوة المؤسسات وحيوية الاقتصاد، وبين سيادة القانون وإطلاق طاقات الإنسان.
ولعل هذا هو الدرس الذي تحتاج إليه الدول الساعية إلى النهضة في عالم سريع التغير؛ فالمستقبل لن يكون للأغنى موارد، بل للأقدر على بناء الإنسان، وصناعة المعرفة، وتحويلها إلى قيمة مضافة.
أهم المراجع
دارون أسيموغلو، جيمس أ. روبنسون، لماذا تفشل الأمم: أصول القوة والازدهار والفقر، 2012.
مايكل إي. بورتر، الميزة التنافسية للأمم، 1990.
دوغلاس نورث، المؤسسات والتغير المؤسسي والأداء الاقتصادي، 1990.
أنغوس ديتون، الهروب العظيم: الصحة والثروة وأصول اللامساواة، 2013.
عبد العظيم الريح مدثر
متقاعد من
المصرف العربي للتنميه الاقتصاديه في افريقيا
مؤسس منبر نور البحثي
sanhooryazeem@hotmail.com
