ملاحظات على الميثاق الثوري لسلطة الشعب 

 


 

 

1
   في خطوة أخري متقدمة  صدر الميثاق الثوري لسلطة الشعب – السودان 2022 من لجان المقاومة بالولايات  للتداول الجماهيري ، يتكون الميثاق من المرتكزات الآتية: 1- الإعلان السياسي ، 2- سلطة الشعب ، 3- ميثاق الشرف السياسي والأحكام العامة ، 4- برناج الفترة الانتقالية، 5- الدستور الانتقالي ، مع الاشارة الي أن المرتكزين الرابع والخامس سوف ينشرا لاحقا.
  رغم أن الميثاق لم يُنشر مكتملا ، الا أن هذا لا يمنع من ابداء الملاحظات علي المرتكزات المنشورة ، فالميثاق في حد ذاته خطوة مهمة  هدفه كما أشار الميثاق في ص (1) " بلورة رؤية سياسية وطنية موحدة حول طبيعة الدولة و الحكم والاقتصاد وتداول السلطة" والتي تشكلها " قواعد الشعب عبر المناقشات العامة والمفتوحة التي تنظمها لجان المقاومة والنقابات المنتخبة والقوي الثورية المؤمنة بالتغيير الجذري وفقا للرؤوية العامة للميثاق الثوري".
   الميثاق في مجمله عبر من مواقع النضال اليومي الملئ بالتضحيات عن أهداف الثورة، وحاول أن يؤسس في مرتكزاته  للتغيير الجذري والسيادة الوطنية ، وتاسيس حكم مدني ديمقراطي مستقر، والسلام الشامل والعادل، والحرية والعدالة الانتقالية،  وتحسين الأوضاع المعيشية والاقتصادية، ووضع حد للانقلابات العسكرية التي دمرت البلاد ، وحدد مهام الفترة الانتقالية ، حتي نهايتها بقيام المؤتمر الدستوري ، وقيام انتخابات حرة نزيهة في نهاية الفترة الانتقالية.
  لكن الميثاق كما هو مطروح للتداول يحتاج للمزيد من المناقشة والتجويد بما يحقق المزيد من الوضوح السياسي والفكري، استنادا الي تجربة فشل "الوثيقة الدستورية" التي كرّست هيمنة حكم العسكر، ومهدت للانقلاب الكامل عليها في 25 أكتوبر، اضافة لحصيلة منجزات ثورة ديسمبر التي انقلب عليها رئيس الوزراء حمدوك مثل: توصيات المؤتمر الاقتصادي ، وتوجه شطر توصيات الصندوق والبنك الدولي في تحرير الأسعار ورفع الدعم عن الوقود والكهرباء والخبز والتخقيض الكبير للجنية السوداني ، مما أدي للمزيد من افقار جماهير شعبنا، التي زادها فقرا وضنكا انقلاب 25 أكتوبر، واهم دروس تلك التجربة الاسراع منذ اللحظات الأولي لانتصار الثورة  عبر الشرعية الثورية في تفكيك التمكين واستعادة أموال الشعب المنهوبة ، والترتيبات الأمنية لحل الدعم السريع ومليشيات الكيزان وجيوش الحركات ، وقيام الجيش القومي المهني الموحد، وضم شركات الجيش والأمن والشرطة لولاية وزارة المالية، والمحاسبة فالعدالة الانتقالية لا تعني عدم محاكمة الذين ارتكبوا جرائم الابادة الجماعية في دارفور وتسليم البشير ومن معه للمحكمة الجنائية الدولية، والمجرمين في مجزرة فض الاعتصام ، ومجازر ما بعد انقلاب 25 أكتوبر، والسيطرة علي الإعلام، والسيادة الوطنية بالخروج من كل المحاور العسكرية الخارجية، وقيام علاقات خارجية متوازنة مع كل دول العالم. .
2
 سوف اركز علي المقدمة ص (2- 3) التي جاء فيها " لا يمكن فهم الصراع السياسي السوداني بمعزل عن تشريح السياق التاريخي لتشكل الدولة السودانية في الحقب الاستعمارية ( التركي – المصري – الانجليزي المصري) الذي كان دافعه النهب والسيطرة علي علي الموارد المحلية . الخ".
 لأهمية هذه المقدمة ودورها في الوضوح السياسي والفكري حول تاريخ النهب الاستعماري الذي مازال مستمرا حتى اليوم ، وتراكم المقاومة الجماهيرية الذي أدي للاطاحة بالاستعمار التركي في الثورة المهدية 1885، وثورة الاستقلال 1956 ، وثورة أكتوبر 1964 ، وانتفاضة أبريل 1985 ، وثورة ديسمبر 2019 التي مازالت جذوتها مستمرة حتى اليوم، وأن النضال الذي يقوده الجيل الحالي هو امتداد لنضال ومقاومة الأجيال السابقة من أجل الديمقراطية والتنمية والسلام والسيادة الوطنية، في مواجهة قوي الاستعمار القديم والحديث وحلفائه من الطبقات الرأسمالية التقليدية والرأسمالية الطفيلية المايوية و الأسلاموية والجديدة، التي اجهضت تلك الثورات، مع ضرورة الاستفادة من دروس فشل تلك الثورات ، لترسيخ الديمقراطية والتنمية المستقلة والمتوازنة والسلام الشامل والعادل والسيادة الوطنية ، ووضع حد للانقلابات العسكرية التي دمرت البلاد ، كما عبر الميثاق.
  بالتالي من المهم تجويد المقدمة  ودعمها بأمثلة ، والتدقيق في بعض المفاهيم والمصطلحات، مثلا جاء في ص(2) " طبيعة السلطة الاحتكارية وطبيعة الاقتصاد الرأسمالي الريعي وعلاقات الإنتاج غير المتكافئة، فضلا عن تدوير أنظمة النخب الاحتكارية وتداولها للسلطة المستمرة. الخ".
  الفقرة تثير الالتباس ، فما معتي " علاقات الإنتاج غير المتكافئة" ، علما بأن الدقيق بعد ارتباط السودان بالسوق الرأسمالي العالمي منذ فترة الاحنلال التركي المصري ، واتساع ذلك بعد الاحتلال الانجليزي المصري، نشأت "علاقات تبادل غير متكافئة "، تقوم علي تصدير السودان للمواد الخام والمحاصيل النقدية " قطن، صمغ، سمسم. الخ" واستيراد السلع الرأسمالية، مما أدي للجذور التاريخية للتخلف باجهاض الصناعة الوطنية ، وزراعة المحاصيل النقدية بديلا للمحاصيل الغذائية " فمن لا يوفرغذائه لا يضمن سيادته" ونهب موارد البلاد والمزيد من التبعية واغراق البلاد في الديون، وحبس السودان من الانطلاق لبناء المجتمع الزراعي الصناعي المتطور.
   كما يثير الميثاق الالتباس بالحديث عن "أنظمة النخب"  بديلا عن الطبقات والصراع الطبقي الذي تعبر عنه تلك النخب ( علي سبيل المثال  أغلب نخب قيادات مؤتمر الخريجين انضمت لحزبي الأمة والاتحاديين الذين قاعدتهما طائفتي الختمية والانصار لتعبر عن المصالح الطبقية لتجار وملاك  حزبي الأمة والاتحاديين الذين حققوا ارباحا كبيرة من زراعة القطن والزراعة الآلية قبل بعد الاستقلال. الخ) ، فالاستعمار خلق طبقات رأسمالية أو شبه اقطاع " طائفني الختمية والانصار، قيادات ادارات أهلية. الخ" مكن لها في الارض، باقطاعها الاراضي والتسهيلات  لتخدم مصالحه ولتقف ترياقا ضد  ثورة التحرر الوطني.
   كما يجافي الميثاق الدقة في حديثه عن غياب المشروع الوطني منذ الاستقلال ، علما بأن الحزب الشيوعي طرح شعار " لا تحرير بلا تعمير" في مواجهة شعار "تحرير لا تعمير" الذي طرحته احزاب الراسمالية وشبه الاقطاع التي حكمت بعد الاستقلال، وطرح في برنامجه للمؤتمر الثالث فبراير 1956 برنامج الثورة الوطنية الديمقراطية الذي يهدف لاكمال الاستقلال السياسي بالاستقلال الاقتصادي والثقافي والاصلاح الزراعي، وضد المعونات الخارجية التي تسلب البلاد سيادتها الوطنية ، والتنمية المتوازنة والحكم الذاتي لجنوب السودان بعد الاعتراق بالفوارق الثقافية وحق كل قومية في تطوير لغاتها وثقافاتها، والسيادة الوطنية، وعدم ربط البلاد بالاحلاف العسكرية.
3
  اضافة الي أن المقدمة اتسمت بالعموميات ، وحديث عن "الصراع الاثني  والثقافي والأسلمة والهوّية. الخ" التي هي تعبير عن الصراع الطبقي  بهدف نهب الموارد كما في الابادة الجماعية في دارفور وجبال النوبا . الخ  من  الطفيلية الإسلاموية والدعم السريع للأراضي الخصبة والذهب وبقية المعادن، وهذا الطرح قد يؤدي لتغبيش الوعي الطبقي  للجماهير الكادحة، اضافة لغياب الأمثلة، ولو عابرة تشير الي مصادر النهب والتراكم الرأسمالي ، وكيف تمّ تهريب ثروات السودان للخارج، واستمرارية ذلك حتى اليوم في انقلاب 25 أكتوبر القائم علي النهب والقمع، علي سبيل المثال :
  -  نهب الاراضي في السودان بعد دخول نمط الإنتاج الرأسمالي منذ العهد التركي- المصري والتوسع في الارتباط بالسوق الرأسمالي العالمي في عهد الاحتلال الانجليزي – المصري، والتوسع في الملكية الخاصة للاراضي، بعد اصدارقوانين ملكية الأراضي الجديدة والتوسع في زراعة القطن  والمحاصيل النقدية الأخري للتصدير وفق التبادل غير المتكافئ السودان مصدرا للمواد الخام ومستوردا للسلع الرأسمالية، وقامت مشاريع القطن  في الجزيرة والنيلين الأبيض والأزرق والقاش وطوكر وجبال النوبا ، والزراعة الآلية، وتم تحقيق ارباح هائلة،  ولم يتم إعادة استثمار جزء منها في الداخل ،بل تم تهريبها للخارج، في حين عاني شعبنا من الجوع والحرمان والبؤس عشية الاستقلال،
   - بعد الاستقلال تمّ التوسع في المشاريع المروية والزراعية الآلية المطرية وحققت الشركات الأجنبية والراسمالية السودانية ارباحا ضخمة منها، تم تهريبها للخارج ، مع تدمير البيئة ، وتهجير السكان المحليين وبدلا من أن يكون السودان سلة غذاء العالم اجتاحته مجاعة 83 / 1984 ، بعد تدمير البيئة باقتلاع الالاف من الاشجار ، وضاقت مساحات الرعي والزراعة المعيشية للقبائل مما أدي للنزوح والصدام القبلي بين الرعاة والمزارعين، وانضمام شباب الجنوب وجبال النوبا للكفاح السياسي و المسلح دفاعا عن اراضيها ، وهروب الثروة الحيوانية للدول المجاورة ، ونقصان العائد من محصول الصمغ بعد قطع الاف الأفدنه من اشجار الهشاب، وحدث النزوح الكبير من غرب السودان للخرطوم وغيرها.
     -  تمت أكبر عملية لنهب الأراضي في عهد الانقاذ ، وخاصة بعد انفصال الجنوب ، وإعادة تمليك الأجانب للاراضي ، والايجارات التي تصل مدة عقدها الي 99 عاما، اضافة لفقدان اراضي السودان مثل: اغراق مدينة حلفا التاريخية في عهد ديكتاتورية عبود، وفي عهد البشير تم فصل الجنوب واحتلال المصريين لحلايب وشلاتين وابورماد، ونتؤ حلفا .الخ، واحتلال اثيوبيا للفشقة، وغير ذلك من ممارسات الأنظمة الديكتاتورية العسكرية التي دمرت البلاد والعباد ،  وتم تهريب  عائدات النفط وغيرها للخارج علي سبيل المثال : اظهر تقرير منظمة النزاهة المالية الدولية اختفاء 31 مليار دولار في عهد البشير من الصادرات السودانية ما بين عامي 2012- 2018، اضافة لتهريب عائدات النفط التي تُقدر بأكثر من 75  مليار دولار ، تم تهريبها لماليزيا وغيرها.
 اضافة لنهب الذهب الذي اصبح يشكل حوالي 40% من الصادرات،  وتهريبه واشتداد حمى البحث عنه في عهد حكم الانقاذ بعد تدمير وخصخصة المشاريع الزراعية والصناعية والخدمية " السكك الحديدية ، النقل النهري، الخطوط البحرية، الخطوط الجوية،. الخ"، والمخطط لبيع الميناء أو خصخصتها، وانفصال الجنوب ، وفقدان 75% من عائدات البترول، وعدم استفادة المجتمعات المحلية بنسبة معينة لتنميتها من عائدها ، وحقوق الأجيال القادمة، بالاستفادة من عائده في الاستثمار في الثروات المتجددة الزراعية والحيوانية والغابية  والمائية ، باعتبار الذهب احتياطي يقوي موقف البلاد النقدي، إعادة النظر في الاتفاقيات التي تمت بعقود تصل مدتها الي 25 عاما ، ونسبة 70% لصالح الشركات، فضلا عن التهرب من الضرائب وتهريب الذهب، حتى لا تتكرر تجربة إنتاج النفط وماحدث من تدمير للبيئة وتهريب عائده بمليارات الدولارات للخارج ،وضاعت فرصة الاستفادة من جزء من عائداته في دعم الزراعة والثروة الحيوانية المتجددة لأن البترول ثروة ناضبة، اضافة للصناعة والتعليم والصحة والبنيات الأساسية والكهرباء والمياه، حتى انفصال الجنوب وفقدان 75% من عائدات النفط.
  والآن تستمر الممارسات نفسها في نهب ثروة الذهب في السودان ، وتهريب أكثر من 70% من عائداته للخارج، علي سبيل المثال : متوسط إنتاج الذهب بين 100- 250 طن ( الشرق الأوسط :11 يناير 2020)، وتُقدر العائدات بحوالي 8 مليار دولار، في حين التقديرات  الرسمية للحكومة بين 82- 93 طن ( موقع الجزيرة 5/1/ 2017)، بعائدات تُقدر بمتوسط 850 مليون دولار، مما يعكس حجم النهب والتهريب الكيير لعائدات الذهب في السودان، وفقدان الدولة لثروة كبيرة، مما يتطلب اوسع حملة لوضع الدولة يدها علي ثروة الذهب.
 وأخيرا، مهم التحديد والأمثلة في الميثاق ، ولو في لمحات تساعد في الوضوح السياسي والفكري، وتعمق الوعي الذي وصلته قوى ثورة ديسمبر في كشف نهب وتهريب شركات الأسلامويين والدعم السريع  والجيش والشرطة والأمن وقوات الحركات المسلحة الحاكمة، لموارد البلاد " ذهب وبقية المعادن ،ماشية، قطن، سمسم ، صمغ.الخ"، كما كشف ترس الشمال، وأن هذا النهب هو امتداد للنهب الاستعماري منذ الاحتلال التركي – المصري الذي اشار له الميثاق.
 alsirbabo@yahoo.co.uk

 

آراء