بقلم د. عاصم بابو نمر
لقد شاهدت فى الايام الماضية لقاءً تلفزيونياً على إحدى قنوات اليوتيوب فى برنامج” الروايه الأخرى” الذي يقدمه الاستاذ احمد ود اشتياق جمع بين الأستاذة رشا عوض والأستاذ عثمان ميرغني، وكان موضوع النقاش فيما يبدو يدور حول علاقه الجيش السوداني والدولة وحول رأى الاستاذ عثمان ميرغني فيما ينبغي أن يكون عليه موقف المواطن السوداني من الجيش في المرحلة الراهنة. وبغض النظر عن رأيي الشخصى فيما يدعو له الاستاذ -اذ لا اتفق معه فيما يدعو اليه دون الخوض فى التفاصيل – فقد دفعني ذلك النقاش إلى عدد من الأفكار والملاحظات التي أرى أنها تستحق الوقوف عندها ومناقشتها بهدوء وموضوعية.
أولى هذه الملاحظات تتعلق بما ذكره الأستاذ عثمان ميرغني من أن انقلاب الفريق إبراهيم عبود كان أول انقلاب في تاريخ السودان: اعتقد أن هذا الوصف -رغم انه صحيح من الناحيه العملية- إلا أنه يحتاج إلى إضافه معلومة ارى انها مهمة طالما الأمر يتعلق بولوغ الجيش السودانى فى السياسة وذلك على ضوء ما ورد فى بعض المصادر التاريخية، ومن بينها كتاب الدكتور محمود قلندر «السودان ونظام الفريق عبود»، الذي يشير إلى أن أول محاولة انقلابية شهدها السودان كانت إبان حكومه عبدالله بك خليل في عام 1957 بقيادة الصاغ عبد الرحمن كبيدة، أي بعد عام واحد فقط من نيل السودان استقلاله. وإذا استعرنا عبارة الأستاذ عثمان ميرغني حين قال إن الانقلابيين «لم يدعوا الأزهري يهنأ بالحكم – تحريا للدقة فإن رئيس الوزراء آنذاك كان عبد الله خليل»، فإن تلك المحاولة لو كُتب لها النجاح، فإنها كانت لن تترك للمدنيين المجال لكي يهنأوا بحكم السودان.
أما هذه المحاولة، فإن دلالتها لا تقتصر على بعدها الزمني، بل تكمن في أنها تكشف عن بدايات مبكرة لتداخل المؤسسة العسكرية مع المجال السياسي في السودان، وهو ما يجعل حصر البداية في انقلاب 1958 مسألة تحتاج إلى تدقيق تاريخي أعمق.
وبما ان الشىء بالشىء يذكر، فإنني انتهز هذه السانحة لأسلط الضوء على نقطة مهمة أرى انها لم تنل حظها من أن تذكر فى تاريخ السودان فى تلك الحقبة وهي ما يتصل بدور الأستاذ أحمد خير المحامي خلال فترة حكم الفريق عبود. فمن المعلوم أن الاتفاق الذي تم بين السيد عبد الله خليل والفريق إبراهيم عبود كان يقضي بأن يتولى الجيش السلطة لفترة انتقالية محددة لا تتجاوز ستة أشهر، على أن تُعاد بعدها السلطة إلى المدنيين. غير أن مسار الأحداث لم يسر وفق ذلك التصور.
فبحسب بعض الروايات والشهادات التاريخية، فإن قادة المجلس الأعلى للقوات المسلحة فى نظام الفريق عبود استشاروا الأستاذ أحمد خير المحامى فيما اتفقوا عليه مع البيه السيد عبدالله خليل ، فقد كان الأستاذ أحمد خير حينها يشغل منصب المستشار القانوني للمجلس الأعلى للقوات المسلحة- ثم اصبح بعد ذلك وزيرا لخارجية حكومه الانقلاب – فقد أشار عليهم الأستاذ أحمد خير بالاستمرار في الحكم وبعدم إعادة السلطة للمدنيين !وتذهب بعض التفسيرات إلى أن هذا الموقف لم يكن منفصلاً عن حالة التوتر والخلافات السياسية التي كانت قائمة في حزب الأشقاء بين إسماعيل الازهرى ومجموعه كانت تضم احمد خير ومحمد نور الدين وآخرين حين فصلهم الازهرى من حزب الأشقاء وذلك في عام ١٩٥١.
وقد وردت إشارة إلى هذا المعنى في مقابله صحفية أُجريت مع الدكتور منصور خالد قبل أعوام مضت ونُشرت في صحيفة «الخرطوم»، ولسوء الحظ لم أتمكن من العثور على تلك النسخه من الجريدة، ولذلك فإنني أدعو المهتمين والباحثين إلى الرجوع إلى أرشيف الصحيفة إن توفر. فى ذلك التحقيق الصحفي ، وعند سؤاله عن تفسير موقف أحمد خير، أشار منصور خالد إلى أن هذا الموقف قد يكون مرتبطاً بقدر من الضغينة أو عدم الرضا الذي كان يضمره تجاه إسماعيل الأزهري ورفاقه في حركة الأشقاء.
ومن هذا المنطلق، فإن دور أحمد خير في تلك المرحلة لا يمكن النظر إليه بوصفه تفصيلاً هامشياً، بل باعتباره عنصراً مؤثراً في توجيه القرار السياسي الذي أدى إلى ترسيخ الحكم العسكري بدلاً من العودة إلى المسار المدني الذي كان متوقعاً في تلك اللحظة الحساسة من تاريخ السودان.
والجدير بالذكر أيضاً، فان البروفيسور فيصل عبد الرحمن علي طه في كتابه الموسوم الظروف والأحداث التي سبقت انقلاب ١٧ نوفمبر ١٩٥٨ قد أشار إلى أن أحمد خير المحامي ذكر في سياق إفاداته أمام لجنة التحقيق في ذلك الانقلاب أنه ومن داخل مبنى قيادة القوات المسلحة قام بصياغة الأمر الدستوري الأول والثالث على الأقل، كما ان الدكتور محمود قلندر ذكر فى كتابه المذكور أعلاه فى سياق الحديث عن الدور الذي لعبه احمد خير المحامى فى توطيد اركان نظام عبود’ انه قضى يومين فى مبانى القيادة العامة يقدّم المشورة ويكتب القوانين والأوامر المتعلقة بالنظام الجديد قبل ان يصبح وزيرا للخارجيّة’ ، وهي الأوامر التي أدت إلى حل البرلمان وحل الأحزاب السياسية وفرض قيود على العمل السياسي والإعلامي ،وهى وقائع تستدعى الدراسة والتحليل عند تقييم تلك المرحله من تاريخ السودان،كما تستدعى النظر فى تقييم موقف الاستاذ احمد خير المحامى الذى كثيرا ما يوصف بالوطنية وهو قد يكون محل تقدير عند كثيرين غير ان هذه المواقف تتناقض تماما مع الوطنية ومما يزيد الطين بله انها بنيت على مواقف شخصية بحتة وخلافات مع السيد إسماعيل الازهرى ! ومن اللافت للنظر ان د. منصور خالد نفسه لم يذكر هذه المعلومة فى كتاب مذكراته الموسوم
“شذرات من وهوامش على سيره ذاتيه “بل اطنب فى المدح على احمد خير فى تقديم كتابه هذا!!
وتبرز هنا مسألة أخرى لا تقل أهمية، وهي أن الجيش السوداني لم يكن مؤسسة معزولة عن السياسة منذ نشأته. فقد لعب أدواراً سياسية منذ وقت مبكر، ويستشهد البعض بمشاركته في أحداث 1924 وما ارتبط بها من تأثيرات إقليمية. وربما كانت الفترة الأقرب إلى الطابع المهني التقليدي بالنسبة للجيش السوداني هي تلك الممتدة من تأسيس قوات دفاع السودان وحتى السنوات التي سبقت الاستقلال.
غير أن التحول الكبير حدث في خمسينات القرن الماضي، وذلك عندما قام الصاغ صلاح سالم، في إطار النفوذ والتأثير المصري في تلك المرحلة، بالمساهمة في تشكيل تنظيم “الضباط الأحرار” داخل الجيش السوداني على غرار التنظيم المصرى ، ويُرجَّح أن ذلك كان في عام 1952 بعد ان استلم تنظيم الضباط الأحرار السلطة فى مصر. ومنذ ذلك الحين بدأت تظهر داخل المؤسسة العسكرية تنظيمات وخلايا متأثرة بالنموذج المصري لحركة الضباط الأحرار، الأمر الذي فتح الباب أمام تسييس أوسع للمؤسسة العسكرية السودانية. بل ان الدكتور قلندر فى كتابه المذكور أعلاه قد ألمح إلى انه حتى انقلابات محى الدين احمد عبد الله وعبد الرحيم شنان إبان فتره حكم الفريق عبود هى الأخرى كانت ذات صلة ما بتنظيم الضباط الأحرار على نفس النهج الذى اتصفت به محاولات كبيدة وعلي حامد!!
كما تذكر بعض المصادر ان عددا من التيارات السياسية بما فى ذلك الاخوان المسلمين سعت منذ منتصف القرن الماضى إلى بناء وجود داخل الموسسة العسكرية عبر خلايا وتنظيمات محتلفة، ويشار فى هذا الصدد إلى ان ضابطين- كانا برتبة فريق فى عهد جعفر النميرى ،حين تبوءا أعلى المناصب فى ذلك العهد – هما أول من قام بتأسيس خلية فى الجيش السوداني تابعه للإخوان المسلمين وذلك كان حوالي منتصف الخمسينات من القرن الماضى : أستميح القراء عذرا عن عدم ذكر اسميهما وذلك لعدم حصولى على مصدر يؤكد هذه المعلومة رغم ترددها كثيرا بين الناس عند الحديث عما نحن فيه الآن من مصيبة و طامة كبرى !
ومع تطور الأحداث، أخذت تتشكل داخل الجيش خلايا وتنظيمات ذات ارتباطات سياسية متنوعة، شملت مختلف التيارات والأحزاب السودانية، في سياق تنافس سياسي امتد تأثيره إلى داخل المؤسسة العسكرية نفسها. وقد استمر هذا المسار مرورا بانقلاب عام 1969 الذي قاده العقيد انذاك جعفر نميري تحت شعار “القوميين العرب”، والذي مثّل نقطة تحول كبرى في تاريخ الجيش والدولة في السودان من حيث ارتباطه الوثيق بجهات اجنبية!
ومن ثم فإن قول البعض بأن الجيش السودانى ظل بعيداً عن السياسة حتى فترات متأخرة لا ينسجم مع هذا التسلسل التاريخي، إذ إن التداخل بين المؤسسة العسكرية والسياسة كان متدرجاً وممتداً منذ الخمسينات -بل ومنذ اندلاع حركه ١٩٢٤ – وتفاقم مع مرور الزمن حتى أصبحت السياسة هى الصفه الأساسية لهذا الجيش من بين عدد قليل من دول العالم . فالجيش السوداني اذن جيش مسيس حتى النخاع !!
أشار الاستاذ عثمان ميرغني وبحماسة ملحوظة انه كان بوسع القوى المدنية من أحزاب ونقابات ان تسن من التشريعات والقوانين ما تستطيع به ان تحظر الجيش السوداني من التدخل فى السياسة!! إلا اننى أود أن ألفت نظره أو أن أنعش ذاكرته الى أن الأحزاب السياسية وبقية القوى المدنية كانت قد وقعت على ميثاق الدفاع عن الديموقراطية إبان فتره الديموقراطية الثالثة فى ١٧ نوفمبر ١٩٨٥،ما عدا الجبهة القومية الإسلامية التى امتنعت عن التوقيع! مما أثار جدلا واسعا انذاك حول نواياها وحول موقفها من التجربه الديموقراطية!!
وتكمن دلالة هذا الموقف في كونه جاء في سياق سياسي كان يعاني من هشاشة واضحة، انتهت لاحقاً إلى انقلاب 1989 الذى قامت به الجبهة القومية الإسلامية وما ترتب عليه من تحولات عميقة في بنية الدولة السودانية ما زالت تعانى منها هذه الأمة السودانية المكلومة حتى الآن !
أما ما ذكره الأستاذ عثمان ميرغني من أن الضباط الذين يقودون الحرب الحالية هم سياسيون وليسوا عسكريين فى محاولة منه بان يصف الجيش السوداني الحالى بانه ليس سياسياً بل قادته فقط هم السياسيون حسب وصفه لهم، فقد وجدت أن رد الأستاذة رشا عوض كان منطقيا ويعكس الحقيقة والواقع تماما وهو أكثر اتساقاً مع طبيعة المؤسسات العسكرية. فالجيش-وانا هنا أعيد قول الاستاذه رشا -مؤسسة هرمية ذات نمط تراتبى ، والقيادة العليا هي التي تحدد التوجهات وتصدر الأوامر، وبالتالي فإن هذه التراتبية العسكرية وقواعد الضبط والربط فى الجيوش تجعل قرارات القيادة سواء كانت مهنية او سياسية تنسحب على كيان المؤسسه العسكرية باكمله ، فان كان القاده مشغولين بالسياسه عن واجبهم المهنى العسكرى فان الجيش كله بالضروره جيش سياسي بامتياز ولذلك فان محاولة الفصل التام بين “السياسي” و“العسكري” داخل المؤسسة العسكرية السودانية الحاليه لا يعكس حقيقة الواقع الذى يعانى منه السودان الان !
وفيما يتعلق بمسألة اختيار رئيس للجمهورية الذي ذكره الاستاذ عثمان ميرغنى -والذى يفهم من سياق حديثه انه كان يفترض ان يتم ضربة لازب -فإن رد الأستاذة رشا عوض كان دقيقاً حين ربطت ذلك بطبيعة النظام الدستوري الذي كان قائماً بعد الاستقلال، حيث تبنى السودان انذاك نظاماً شبيها إلى حد ما بنموذج وستمنستر البريطاني ، فقد كان نظام الحكم فى السودان في الحقب التى كان يحاول فيها ممارسة الديموقراطية يقوم على برلمان ورئيس وزراء ومجلس سيادة -وهو الذى كان يقوم مقام رئيس الجمهورية،أي أنه تولى لحد ما المهام التى كان يقوم بها الحاكم العام إبان الحكم الثنائي- باستثناء فترة حكم الفريق عبود وفتره حكم جعفر نميري وهو كما نعلم فصل له دستور رئاسي حسب هواه -ومن ثم فإن غياب انتخاب رئيس جمهورية فى بعض المراحل التي سبقت سنوات حكم نميري لا يمكن اعتباره خللاً في التجربة الديمقراطية بقدر ما هو انعكاس للبنية الدستورية ذاتها.
في الختام، أرى أن قراءة تاريخ الجيش والسياسة في السودان تحتاج إلى قدر كبير من التوازن والعودة إلى المصادر، بعيداً عن التبسيط أو الانتقاء. فالكثير من أزمات الحاضر لا يمكن فهمها إلا في ضوء هذا التاريخ الطويل والمعقد للعلاقة بين المؤسسة العسكرية والحياة السياسيه.
المصادر:
١ .الدكتور محمود قلندر: السودان ونظام الفريق عبود ١٧ نوفمبر- ٢١ اكتوبر ١٩٦٤ ، مراجعه صحفية لملابسات التدشين الاول للموسسه العسكريه فى دهليز السياسه السودانيه،دار عزه للتوزيع والنشر
٢. بروفيسور فيصل عبدالرحمن على طه: الظروف والأحداث التى سبقت انقلاب ١٧ نوفمبر ١٩٥٨
٣.د. منصور خالد: شذرات من وهوامش على سيره ذاتية، الجزء الاول الناشر: رؤية للنشر والتوزيع
٤. الحركه السياسيه السودانيه والصراع المصرى البريطاني بشأن السودان ١٩٣٦- ١٩٥٣ بروفيسور فيصل عبدالرحمن على طه
asnimir@gmail.com
