ا.د عادل علي وداعه عثمان
بعد غياب امتد لعامين عن حضور الأعياد في الجزيرة بسبب الحرب قضيت هناك عطلة عيد الأضحى المبارك وعلى قصرها التقيت فيهابالعديد من أهلي ومعارفي وأصدقائي في صراصر وأم عضام وفطيس وطابت. وجدت الناس يعانون من شظف العيش والفقر والقهر ولكنهم يعالجون معاناتهم وحرمانهم بالكرم والوعي والأخلاق النبيلة ورغم الاهوال والمصائب فان تكاتف الناس وتضامنهم خفف كثيرا من ويلات الحرب فبرزت بينهم قيم التكافل والتكاتف والتي أدت إلى خلق صلات واسعة بالجماهير والاستجابة لاحتياجاتها الإنسانية والمعيشية ففي داخل هذه الحرب تنوعت اشكال المقاومة وأساليبها حسب الامكانات والظروف المتاحة ويتهيا المناخ للمزيد من وحدة الارادة وبناء أدوات العمل المشترك لمحاصرة الحرب واثارها الكارثية واعلاء شأن الداعين إلى المحبة والسلام.
في أم عضام حكى لي الحاج حسن معاناة أهلها بعد اجتياح الدعم السريع للقرية في مارس ٢٠٢٤ وأنهم في نهار رمضان قبروا أكثر من ثلاثة وعشرين شهيدا في يوم واحد وهم محاصرين من كل الاتجاهات. وفي طابت حكى الصحفي النبيه الأستاذ كمال مهدي قائلا:( في زمن كثرت فيه الهموم وضاقت فيه الأحوال يبقى فعل الخير من أعظم القيم التي تحفظ للانسان انسانيته فالخير لا يحتاج إلى ثراء فاحش أو نفوذ كبير بل يكفي قلب صادق ونية خالصة تمتد بالعون والمواساة والكلمة الطيبة لكل من يحتاج إليها ).
لقد انهكت الحرب الجزيرة واضعفتها فلم تعد معاناة أهلها حصرا على الموت والخوف وفقدان المأوى بل امتدت لتطال ابسط مقومات الحياة الإنسانية الكريمة الغذاء والماء والدواء والكهرباء،وفي ظل هذا الواقع الأليم يواصل المواطنون صراعهم اليومي دفاعا عن الحياة والبقاء مستندين إلى قيم التضامن الاهلي والعمل الجماعي وروح المقاومة المدنية لتوفير الحد الأدنى من مقومات الصمود الاجتماعي وحماية ما تبقى من النسيج المجتمعي انحيازا للحرية والعدالة والسلام.
عظمة الجزيرة تكمن في مشروعها والذي بلغ من العمر مائة عام ولكن واقع اليوم يشير إلى أنه اصبح كما مهملا فهو ليس مجرد مشروع زراعي بل هو رمز للسيادة الوطنية وقاعدة حيوية لبناء اقتصاد مستقل وأي تهاون في الدفاع عنه يعد تواطؤ مع الذين يخططون إلى تفكيكه وتجريده من مقدراته وقوته ولمواجهة هذا الأمر المطلوب منا وحدة الصف الوطني والالتزام بحماية المشروع والدفاع عنه لاعادة وجه الحياة للريف المنتج وأن تحل قضايا العمال الزراعيين لبناء مجتمع متجانس يسع الجميع وقضية العمال الزراعيين هي جزء من قضايا المشروع فالعمال الزراعيين وطيلة المائة عام الماضية صاروا جزء أصيلا من نسيجه الاجتماعي والاقتصادي والسياسي فلا ينبغي النظر إلى قضيتهم ككتلة تصويتية أو وقود للاحتجاجات بل لا بد من أخذها في ابعادها التنموية والخدمية وادخالها في صلب الحراك السياسي والاجتماعي.
إن مدن الجزيرة ترتبط ارتباطا وثيقا بمشروعها فحياتها ونهضتها من حياة ونهضة المشروع فعندما احتضر مشروع الجزيرة احتضرت أسواق تلك المدن ولكن حتما سيعود إليها القها ونهضتها.
adilali62@gmail.com
