منظمة مراسلون بلا حدود: صحافيو السودان في المنفى… تغطية النزاع تحت التهديد

حذّرت منظمة مراسلون بلا حدود من تصاعد الضغوط التي تواجه الصحافيين السودانيين في المنفى، في ظل استمرار الحرب في السودان منذ 15 إبريل/نيسان 2023، والتي دفعت المئات منهم إلى الفرار خارج البلاد، بينما لا تزال الأزمة الإنسانية غائبة إلى حد كبير عن التغطية الدولية.

ووفقاً للمنظمة، فرّ ما لا يقل عن 431 صحافياً سودانياً إلى دول الجوار، بينهم نحو 300 إلى مصر، و71 إلى أوغندا، و23 إلى كينيا، و22 إلى ليبيا، و15 إلى تشاد. وفي موازاة ذلك، نشأت ما لا يقل عن عشرة منابر إعلامية سودانية في المنفى، معظمها منصات رقمية، تواصل تغطية ما يجري داخل البلاد، لتشكّل مع الوقت شبكة إعلامية متكاملة تعمل خارج السودان.

وتنتشر هذه المنابر عبر عدة عواصم، حيث تحتضن القاهرة أكبر تجمع للصحافيين السودانيين المنفيين، وتعمل فيها طواقم لقناتي سودانية 24 وسودان بُكرة، إلى جانب مراسلين لمنصات مثل السوداني والساقية بريس والغد السوداني وأفق جديد، رغم أن كثيراً منهم يعملون من دون مكاتب.

في العاصمة الأوغندية كمبالا، تبث منصات سلام ميديا ودارفور 24 والتغيير، بينما تغطي منصتا عين وأتار الاستقصائيتان الشأن السوداني من العاصمة الكينية نيروبي، وتتخذ منصة بيم ريبورتس (Beam Reports) من العاصمة الرواندية كيغالي مقراً لها، في حين تعمل منصات أخرى من خارج المنطقة، مثل مشاوير وسودان تريبيون من باريس، إضافة إلى راديو دبنقا الذي يبث من هولندا منذ عام 2008.

وفي ظل هذا التشتت الجغرافي، تحوّلت أدوات بسيطة مثل مجموعات “واتساب” إلى غرف تحرير بديلة تُدار عبرها النقاشات التحريرية والتنسيق بين الصحافيين، في وقت تؤدي فيه هذه الوسائل الإعلامية دوراً محورياً في نقل ما يجري على الأرض، بما في ذلك توثيق الانتهاكات بحق المدنيين، في ظل تراجع التغطية الدولية للأزمة.

لكن هذا الدور يُمارَس في ظروف شديدة الهشاشة، إذ يعيش معظم الصحافيين أوضاعاً معيشية صعبة ويواجهون أوضاعاً قانونية غير مستقرة وضغوطاً في البلدان المضيفة. وفي هذا السياق، قال مدير مكتب الأزمات في “مراسلون بلا حدود”، مارتن رو، إن الصحافيين السودانيين “يدفعون ثمناً باهظاً لمواصلة عملهم”، ودعا الدول المضيفة إلى تسوية أوضاعهم القانونية وعدم إعادتهم إلى السودان، وتوفير بيئة مستقرة لعملهم، مشيراً إلى أن المنظمة قدّمت منح دعم لأكثر من 50 صحافياً سودانياً في المنفى.

وتبرز قصص فردية تعكس حجم هذه المعاناة، من بينها حالة الصحافية حواء داود التي كانت تعمل مراسلة لموقع دارفور 24 في الفاشر، قبل أن تضطر إلى الفرار إلى كمبالا في يونيو/حزيران 2024، بعد مقتل جيرانها وانقطاع المياه عن منزلها. وخلال رحلة نزوح تجاوزت ألفي كيلومتر، تعرّضت للسرقة على يد عناصر من قوات الدعم السريع التي استولت على هاتفها وحاسوبها ومعدّاتها الصحافية، لتجد نفسها لاحقاً في مواجهة ظروف فقر قاسية.

ولم يسلم الصحافيون من ويلات الحرب، إذ قُتل سبعة عاملين في المجال الإعلامي على الأقل، واحتُجز ما لا يقل عن 17 آخرين بسبب عملهم، في سياق حرب أدت إلى مقتل عشرات الآلاف من المدنيين ونزوح أكثر من 12 مليون شخص داخل السودان وخارجه.
وعلى الرغم من أن مصر تستضيف أكبر عدد من الصحافيين السودانيين، تُعد أيضاً من أكثر البيئات تقييداً للعمل الإعلامي، في ظل تقاطع سياسي وأمني مع الجيش السوداني بقيادة عبد الفتاح البرهان، وفقاً لـ”مراسلون بلا حدود”.

ووثقت المنظمة تعرّض صحافيين سودانيين في مصر لأساليب ترهيب متعددة، شملت التهديد بالقتل وحملات التشهير، إضافة إلى ضغوط لإصدار بيانات داعمة للجيش، كما دَهَمت أجهزة الأمن المصرية مكتب قناة سودان بُكرة في سبتمبر/أيلول 2023 واحتجزت طاقمها قبل الإفراج عنهم، مع إبلاغهم لاحقاً بقرار ترحيلهم. كذلك، أُجبرت قناة سودانية 24 على وقف بثها من القاهرة في مايو/أيار 2023 قبل أن تستأنف نشاطها لاحقاً، فيما عُلّق برنامجها السياسي “دائرة الحدث” دائماً في ديسمبر/كانون الأول 2024.

التضليل جبهة موازية للحرب في السودان

وفي ضوء ذلك، دعت “مراسلون بلا حدود” الدول المضيفة إلى عدم إعادة الصحافيين إلى السودان، وتسوية أوضاعهم القانونية، كما طالبت مفوضية الأمم المتحدة السامية لشؤون اللاجئين بمنحهم أولوية في برامج إعادة التوطين وتعزيز حمايتهم من الترحيل، إلى جانب حث الجهات المانحة على زيادة دعمها لوسائل الإعلام السودانية في المنفى، باعتبارها ركيزة أساسية للمعلومات الحرة والمستقلة في ظل الحرب.

ويأتي هذا الواقع في سياق تدهور أوسع لحرية الصحافة في السودان، إذ حلّ البلد في المرتبة 156 من أصل 180 دولة على مؤشر حرية الصحافة لعام 2025 الذي تعدّه “مراسلون بلا حدود”.

يعكس هذا التصنيف بيئة إعلامية تتسم بتزايد الرقابة والاستقطاب الحاد، إلى جانب استخدام القوانين لتقييد العمل الصحافي، واستمرار الانتهاكات من أطراف النزاع، بما يشمل الاعتداءات والاعتقالات والتضييق على الوصول إلى المعلومات. كما يشير إلى تأثير الحرب في تفكيك البنية الإعلامية داخل البلاد، وإجبار عدد كبير من الصحافيين على العمل من الخارج، في ظل تراجع استقلالية وسائل الإعلام وتصاعد استخدام المنصات الرسمية أدواتٍ دعائيةً.

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الأمين العام للأمم المتحدة: ثلاث سنوات من الحرب في السودان: محطة مأساوية في صراع حطم البلاد، وكابوس يجب أن ينتهي

قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش إن مرور ثلاث سنوات على اندلاع الحرب في …