علاء خيراوي
khirawi@hotmail.com
في لحظةٍ تتقاطع فيها خيوط الحرب بالسياسة، وتتعثر فيها الحقيقة بين ضجيج البنادق وبيانات الدبلوماسية، يعود السؤال الأكبر ليفرض نفسه على المشهد السوداني؛ هل فشلت الرباعية؟ أم أن خصومها، الإسلاميون وحلفاؤهم الجدد من قادة الحرب والمال، يظنون خطأً أنهم تمكنوا من هزيمتها؟
من واشنطن إلى القاهرة، ومن الرياض إلى أبوظبي، تتنقّل الملفات بين المكاتب المكيّفة والخرائط المضرجة بالدم، فيما السودان يواصل نزيفه، ويقف شعبه على حافة اليأس، يتساءل دون روح؛ من يملك مفاتيح النهاية، ومن يصرّ على إدارة المأساة؟ في هذه اللحظة، لم تعُد القضية صراعًا بين جيشٍ ومليشيا فحسب، بل صراعًا بين مشروعين متناقضين؛ مشروعٍ يريد إعادة الدولة إلى أهلها، ومشروعٍ يريد إعادة التاريخ إلى لحظة التمكين الأولى. فالرباعية، التي دخلت المشهد بوعود السلام والعدالة، تواجه اليوم اختبارًا وجوديًا؛ إما أن تثبت أن كلمتها تملك وزن الفعل، أو تُسجَّل في ذاكرة السودان بكل تعقيداته كجسرٍ عبر فوق جثث أبنائه دون أن يوقف نزيفهم.
تبدو الرباعية اليوم أمام لحظة اختبار كبرى في علاقتها بالملف السوداني. فبينما أقرت منذ بيانها في ١٢ سبتمبر ٢٠٢٥ بخارطة طريق واضحة؛ هدنة إنسانية لثلاثة أشهر، ثم عملية سياسية تمتد لتسعة أشهر تقود إلى سلطة مدنية، لم يتحقق على الأرض سوى القليل. الميدان ما زال متقدًا بعد سقوط الفاشر، والدماء لم تجف، والمجازر والانتهاكات تتوالى بينما يتبادل الجيش والدعم السريع لغة الشروط لا لغة التنازلات.
في واشنطن، تواصل الإدارة الأميركية الدفع بمقترحات خارطة الطريق التي رأى فيها السودانيون املاً فوق العادة لإنتاج سلاماً يؤسس لسودان عادل يتسامى فوق جراحات الماضي، وفي ذات الوقت تلوّح بعقوبات على معرقلي الهدنة، فيما تحافظ الرياض على موقعها كميسّر دبلوماسي حذر، حريصة على استقرار البحر الأحمر وحدودها الجنوبية. أما القاهرة فترى أن أي حلّ لا يضمن بقاء الجيش موحدًا هو تهديد مباشر لأمنها القومي، وتتحرك كجسر لالتقاط رؤية الحكومة حول شروط الهدنة. بينما تكتفي أبوظبي بخطابٍ عام عن السلام، في ظل غياب إجراءات عملية واضحة، ما يجعل مصداقيتها على المحكّ.
أما الجيش السوداني، فموقفه من الرباعية محكومٌ بمعادلته الأزلية بين “السيادة” و”الوصاية”. فهو لا يقاتل دفاعًا عن الدولة كما تزعم سرديته الرسمية وأبواق دعاة الحرب، بل دفاعًا عن منظومةٍ عقائديةٍ واقتصاديةٍ شكّلها الإسلاميون داخل جسد الدولة منذ ثلاثة عقود، ويرى في أي تدخلٍ دولي، ولو كان دبلوماسيًا أو إنسانيًا تهديدًا لميراثه في الحكم. لذلك ينظر إلى خطة الرباعية بعين الشكّ، لا لأنها منحازة لطرفٍ آخر، بل لأنها تنتزع منه حقّ احتكار تعريف “الوطنية”. ومن هنا جاءت شروطه المستحيلة؛ انسحاب الدعم السريع وتسليم السلاح قبل أي هدنة، ورفضه للرقابة الدولية على الممرات الإنسانية، واتهامه غير المباشر للرباعية بالتدخل في شؤونٍ سيادية.
أما الحكومة في بورتسودان، فقد جعلت من خطاب “رفض الإملاءات الخارجية” درعًا سياسيًا تحتمي به، لكنها عمليًا تتحرك داخل الفضاء ذاته الذي رسمته الحركة الإسلامية؛ تُعارض الرباعية في العلن، وتستفيد من تردّدها في الخفاء. إنها حكومة تمثل استمرار النظام القديم لا نقيضه، وتتعامل مع الرباعية لا كشريكٍ في الحل، بل كخصمٍ يهدد التمكين الذي أعادته الحرب إلى الحياة. وهكذا تحوّل الصراع مع الرباعية إلى مرآة تكشف جوهر هذا التحالف بين العسكر والكيزان؛ وحدة المصلحة في بقاء السلطة، واختلاف الخطاب فقط في تبريرها.
وفي المقابل، يقف الدعم السريع على حافة مأزقه الوجودي؛ فبين رغبته في تثبيت نفسه كقوة أمرٍ واقع، وخوفه من الملاحقة الدولية، يتحرك في مساحة رمادية بين التبرير والمراوغة. يحاول أن يعيد تقديم نفسه للعالم كقوة سياسية قابلة للدمج، بينما تتساقط حوله أدلة المجازر الموثقة في دارفور والفاشر وغيرها. إنه كيانٌ غارق في الدم، يبحث عن شرعيةٍ بأي ثمن، ويظن أن التوقيع على خطة الرباعية قد يمنحه غطاءً مؤقتًا من العدالة. لكنه لا يدرك أن الشرعية لا تُستعان بها من الخارج، بل تُستعاد من الداخل بالمساءلة. فكل هدنةٍ لا تُرفق بمحاسبةٍ ستتحول إلى مهلةٍ لإعادة التموضع، وكل قبولٍ شكليٍ من الدعم السريع لخارطة الرباعية هو في جوهره محاولةٌ للهروب من العدالة لا السير نحوها. ومع مرور الوقت، سيكتشف قادته أن النجاة بالجرائم ليست خيارًا سياسيًا بل انتحارًا مؤجلًا، وأن سيف العدالة وإن تأخر، لن يُغمد قبل أن يمرّ عبر أعناقهم.
أما تحالف “السودان التأسيسي”، فقد كان أوضح المكوّنات المدنية في الترحيب الكامل والمعلن بخطة الرباعية، إدراكًا منه طما ذكر في بيانه، أنها ليست تدخّلًا أجنبيًا بل استجابة سياسية متأخرة لمطالب ثورة ديسمبر التي نادت بالعدالة والمحاسبة وإبعاد الإسلاميين وقيام سلطة مدنية خاضعة للمساءلة. واعتبر “تأسيس” بيان ١٢ سبتمبر نقطة تحول في الموقف الدولي من السودان، ودعا القوى المدنية كافة إلى دعمه والبناء عليه باعتباره الإطار الوحيد القادر على كبح مشروع التمكين وفتح الطريق أمام التحول الديمقراطي الحقيقي. وفي بياناته وخطابه العام، أكد أن الرباعية لم تأت لتصادر إرادة السودانيين بل لتمنحها غطاءً دوليًا يحميها من سطوة العسكر والمليشيات. غير أن هذا الموقف المبدئي ما يزال بحاجة إلى أن يُترجم إلى فعلٍ سياسي منظم، يربط الشارع بمؤسسات القرار الدولي ويحوّل الدعم الأخلاقي إلى نفوذٍ عملي. فإذا اكتفى التحالف بالتأييد اللفظي دون أن يقود مبادرة ضغطٍ مدنيةٍ موحدة تساند خطة الرباعية، فسيفقد دوره التاريخي كصوتٍ للثورة، ويترك الساحة لمن يساومون على دمها.
أما القوى المدنية في الجانب الآخر، والتي خرجت من رحم ديسمبر، فإن موقفها من الرباعية ما يزال غائمًا، يعكس أزمتها الداخلية أكثر مما يعكس حساباتها السياسية. فبين من يخشى أن يُتّهم بالارتهان للخارج، ومن يتحسس من أي مبادرةٍ لا تصدر عنه، ضاعت فرصة تشكيل جبهةٍ مدنيةٍ موحّدة تدعم خارطة الطريق التي حملت أهم مطالب الثورة. لقد تبنّت الرباعية ما نادت به ديسمبر حرفيًا؛ العدالة، وإبعاد الإسلاميين، والانتقال المدني، غير أن القوى المدنية لم تتعامل مع البيان باعتباره مساحة ضغط دولية يمكن البناء عليها، بل تركته يتيمًا بلا سند شعبي ولا متابعة ميدانية. لم تُصدر بيانات دعمٍ واضحة، ولم تنشئ آلية تواصلٍ مع العواصم الأربع لتثبيت التزاماتها، ولم تنجح في استثمار الزخم الدولي لتحويله إلى مكسبٍ سياسي داخلي. وبينما تخوض الرباعية صراعًا معقدًا مع منظومة التمكين الكيزانية، فضّلت هذه القوى المراقبة الصامتة كأنها لا تدرك أن الصمت في لحظة الصراع هو شكلٌ آخر من الهزيمة. إن موقف القوى المدنية اليوم من الرباعية لا يُقاس ببلاغتها الثورية بل بقدرتها على الفعل، والفعل غائب، ما لم تُدرك أن دعم الرباعية في هذه المرحلة ليس تبعية، بل تحالف أخلاقي مع مطالبها الأصلية التي خاض السودانيون من أجلها ثورتهم الأولى.
وفي هذا الفراغ السياسي، برز موقع الحركات المسلحة بقيادة جبريل إبراهيم ومناوي كأحد أعقد عناصر المشهد. فبعد أن كانا جزءًا من حكومة السلام في جوبا، وجزءًا من التحالف العسكري مع الجيش، خسر كلاهما وجوده الميداني بعد سقوط الفاشر وتراجع نفوذه في دارفور.
صحيح؛ فالسلوك السياسي الراهن لحركتي جبريل ومناوي ، من مهاجمة خارطة الرباعية واتهامها بالإقصاء، والتشدد في خطاب “السيادة” ورفض الرقابة الدولية على الممرات والانسحابات، والاصطفاف الإعلامي مع سردية بورتسودان حول “الحسم قبل الهدنة”، يشي بانتقالٍ متدرّج من تحالفٍ ميداني مع الجيش إلى تموضعٍ سياسي أقرب إلى معسكر الإسلاميين في مواجهة الرباعية. بعد سقوط الفاشر وخسارة النفوذ في الغرب، لم تعُد ورقتهما هي الأرض بقدر ما صارت “بوابة الشرعية” عبر الدولة القديمة؛ لذا يراهنان على الدخول من نافذة الجيش التي تمسك بها شبكات الحركة الإسلامية، ويضغطان على الرباعية بخطابٍ يعتبر أي اشتراطات دولية لممراتٍ إنسانية أو محاسبةٍ قضائية “وصايةً أجنبية”. هذا التموضع ليس إعلانًا رسمياً بقدر ما هو حساب مصلحة؛ تقليل كلفة المحاسبة، استعادة موقعٍ تفاوضي داخل الخرطوم عبر تبنّي مفردات التمكين القديمة، ونيل نصيبٍ من إدارة الموارد بعد الحرب. لكن هذا الخيار يحمل كلفة عالية؛ فكلما شددت الرباعية أدواتها على شبكات الذهب والتمويل، وكلما صار مسار العدالة جزءًا ملزمًا من أي هدنة، ستضيق مساحة “التحالف الرمادي” وتُدفَع هذه الحركات إلى مفترق حاد؛ إما قبول الدمج المشروط ونزع السلاح تحت رقابةٍ مدنية، أو الارتماء الكامل في مشروع الإسلاميين مع ما يستتبعه من عزلةٍ سياسية واقتصادية. وفي كلا الحالتين، لن يُتاح لها استعادة نفوذها القديم بالأساليب السابقة؛ فالملعب تغيّر، ومن لا يعيد تعريف نفسه خارج مظلة التمكين سيكتشف أن التحالف مع الماضي ليس طريقًا إلى المستقبل بل جسرًا قصيرًا نحو العزلة.
لقد دفع بيان الرباعية، برفعه سقفَ الاستبعاد السياسي للإسلاميين، شرارة غضبٍ منظّمٍ انطلقت من مراكز النفوذ القديمة؛ أحزاب، وقيادات، وفضائيات موالية، وأجسامٍ شبه ميليشياوية تُنادي باسم الدين والسيادة. لم يكن هجومُهم على الرباعية مجرد ردّ فعلٍ بل كان حربًا وقائيةً على أي محاولةٍ لوضع حدٍّ للتمكين. تصاعدت لهجةُ الخطاب لدى رموزٍ إسلاميةٍ قديمة لتصف الرباعية بـ”التدخل” و”المؤامرة”، وتحوّل الهجوم إلى حملةٍ سياسيةٍ وإعلاميةٍ منظّمة ضد مسعد بولس، الذي قالها صريحة؛ “عودة الحركة الإسلامية إلى الحكم في السودان خط أحمر”
هذه المواجهة اليوم تتجاوز حدود التصريحات إلى صراعٍ فعليٍ على أدوات الدولة؛ الإعلام، الاقتصاد، والشرعية السياسية. والرباعية تدرك أن نجاحها أو فشلها سيتحدد بقدرتها على تفكيك هذه المنظومة، وعلى إلزام القاهرة والرياض وأبوظبي بتحمّل مسؤولياتها تجاه منع عودة المشروع الإسلاموي بوجهٍ جديد.
في ضوء هذا المشهد الملتبس، باتت الرباعية أمام امتحانها الأوضح؛ هل تمتلك الارادة الكافية لمواجهة مثلث السلطة في بورتسودان، الجيش والحركة الإسلامية وشبكات المال القديمة، أم تكتفي بإدارة الأزمة من بعيد؟ فبيانها في ١٢ سبتمبر لم يكن وعدًا إنسانيًا فحسب، بل تحديًا مباشرًا لبنية الحكم التي أعادت الحرب إحياءها. بورتسودان اليوم هي العاصمة السياسية لمشروع مضاد للثورة، تتحدث باسم الدولة بينما تحرس بقاء النظام القديم. الجيش في جوهره لا يفاوض الرباعية كدولةٍ تبحث عن السلام، بل كسلطةٍ تخشى المحاسبة؛ يرفض الرقابة الدولية على الممرات، ويرفض وقف إطلاق النار قبل سحق خصومه، لأنه يعلم أن أي هدنةٍ حقيقية ستفتح أبواب المساءلة وتضعف قبضته. والحركة الإسلامية التي عادت تتسلل إلى مفاصل القرار ترى في نجاح خطة الرباعية نهاية مشروعها التاريخي، لذلك تحشد خطاب “السيادة” و”رفض الوصاية” كدرعٍ واقٍ لاستمرار التمكين.
الرباعية تدرك هذه اللعبة، وتعرف أن مناورات بورتسودان لا تعني السيادة بل استبقاء النفوذ، وأن من يرفع شعار “رفض التدخل الأجنبي” هو نفسه من يرتهن موارد البلاد لتحالفاتٍ خفية. فإذا استطاعت العواصم الأربع أن تتعامل مع بورتسودان بوصفها مركز مقاومةٍ لا شريكًا في الحل، ووجّهت ضغطها السياسي والاقتصادي مباشرةً نحو بنية القرار العسكري والكيزاني، فإن ميزان القوى سيتبدل في غضون أسابيع. أمّا إذا اختارت الرباعية الحذر على المواجهة، فستتحول بياناتها إلى صدى بعيد في بلدٍ تحكمه البنادق والشبكات، ويعود السودان رسميًا إلى حاضنته القديمة؛ دولة الحركة الإسلامية تحت لافتة الجيش، ودولة الحرب تحت لافتة الوطن.
وفي هذه اللحظة بالذات، يصبح موقف القوى المدنية هو المؤشّر الحاسم؛ فإن هي توحّدت خلف رؤيةٍ صريحةٍ ترفض “مقايضة السلم بالإفلات من العقاب” وأمسكت بخطابٍ موحدٍ يوازي ضغط الشارع مع دعم الرباعية، يمكن أن تُفتح نافذةُ انتقالٍ حقيقي. أما إذا استمرّ التردّد، فإن الفراغ سيملؤه منطق السلاح لا منطق الدولة. المعركة المقبلة ليست في البنادق بل في وضوح الإرادة؛ هل نريد سلاماً يحمي الثورة، أم هدنةً تهيئ لدفنها؟
اذاً ليست المعركة هنا مجرد صفّين يتقابِلان على الأرض؛ بل إنها مسرح أدواتٍ وثقافةٍ وإرادات. ومن يظنّ أن الرباعية ستسقط أمام إمبراطورية الكيزان المتمددة، يلتقط رغبةً في الهروب إلى اليأس أكثر مما يقرأ الوقائع. الرباعية ليست كلمةٍ واحدةٍ على ورق؛ هي مجموعة دولٍ تمتلك أذرع قوةٍ اقتصادية ودبلوماسية وقانونية يمكن أن تُطبق، إن رغبت، بفعاليةٍ مدمّرة على شبكات التمكين. وبيان ١٢ سبتمبر لم يكن مجرد بيان إنساني؛ كان خريطةَ نواياٍ واختبارًا لمدى استعداد العالم أن يجعل من خطّ “لا عودة للإسلاميين” حقيقةً قابلة للتنفيذ. مسعد بولس جعل العتبة واضحة عندما سمّى عودة الحركة الإسلامية “خطًا أحمر”؛ هذه العبارة ليست نَفَخًا دبلوماسيًا فحسب، بل إعلانٌ عن مجموعةٍ من الأدوات التي يملكها التحالف؛ تجميد أصول، قطع مسارات تمويل، عزل دبلوماسي، قوائم عقوبات، وآليات محاسبة دولية تُحوِّل كل من يعاند خطها وخططها من فاعلٍ سياسي إلى عبءٍ قانوني.
إلى جانب ذلك، ثمة قدرة على تشغيل أجهزة المراقبة التقنية (أقمار صناعية وتقارير ميدانية) لكشف الخروق وكشف طرق تهريب الذهب والمال، وهو ما يضرب قلب الماكينة التمويلية لأطراف الحرب. هل يملك الكيزان جوابًا عمليًا على كلِّ ذلك؟ نعم، يملكون بندقيّتهم وشبكات محلية وإقليمية قد تطيل أمد الصراع. لكن السِمة الحاسمة هي أن امتلاك البندقية لا يكفي إذا قطعت عنهما شبكاتُ العمر المالي والشرعي والدبلوماسي. من يملك القدرة على تحويل التهديدات الكلامية إلى تكلفةٍ مادية وسياسية حقيقية هو من سيجبر الآخر على الخضوع، وليس من يملك فقط احتياطيات من الكلام والغضب.
فإذا أرادت الرباعية أن تمارس سلطتها فعلا وكما ينبغي بعد ان توافق معها أغلبية الشعب السوداني، فالمطلوب حزمة إجراءات متزامنة وواضحة؛ إغلاق مباشر لمسارات الذهب والتهريب، عقوبات فورية على الأسماء المحورية وشبكات التمويل، تجميد أصول مصرفية وملاحقة القنوات البنكية الوسيطة، دعم ممرّات إنسانية محمية تحت إشراف دولي، وإدخال بعثات مراقبة علنية تضمن أن الانسحابات العسكرية تُنفَّذ فعلاً لا تُسجَّل بالبيانات فقط. إلى جانب ذلك لا بد من ضغطٍ دبلوماسي يشمل تهديداً واضحاً بتكثيف العزلة الاقتصادية والسياسية على أي طرف يحاول الالتفاف أو إعادة تعبئة قنوات التمويل عبر دول مجاورة.
حين تُطبَّق هذه الحزمة مجتمعة تُفقد منظومة التمكين قدرتها على التجدد؛ لا بندقيةٌ وحدها تصنع الدولة إذا قُطعت عنها الموارد والشرعية والملاذات الخارجية. أما الثوار والشعب المثقلان بالحرب فخيارهما واضح؛ لا تيأسوا، لكن لا تكفي الأمنيات؛ الدعم الدولي الذي حملته خارطة الطريق يجب أن يُقابَل بصوتٍ مدنيٍ موحّد، بآليات رقابة شعبية ومنصات توثيق يومية، وبمطالبة علنية بتقارير أسبوعية عن الخروق وقوائم أسماء معاقبة وخرائط انسحاب معلنة.
الخلاصة العملية؛ اليد العسكرية للكيزان قد تبقى قوية محليًا، لكن اليد التي تقطع التمويل وتفرض العزلة الدولية وتُحيل القيادات إلى ساحةٍ قضائية دولية هي الأقدر على فرض الهزيمة السياسية. فإذا أرادت الرباعية الفعل فستجبر الكيزان على خيار الخضوع أو ستجعل من بقائهم نقمةً بلا أفق سياسي؛ وإذا تردّدت، فستنتهي كلماتها إلى غطاءٍ لصفقةٍ تقتلع حلم ديسمبر. لذلك لنتبنَّ معايير واضحة؛ لا تسوية تشرعن العنف، ولا مشاركة لمن ثبت تورطه في الجرائم، وصوتٌ مدنيٌ موحّد يطالب بتحويل البيان إلى أفعالٍ قابلةٍ للقياس هو الضمان الوحيد لنجاح طريق السلام.
في نهاية المطاف، ليست المسألة من يخضع للآخر، بل من يملك الشجاعة لانتزاع الحقيقة من فم الخراب. الرباعية تملك أدوات القوة، لكن قوتها الحقيقية لا تُقاس بالعقوبات بل بقدرتها على كسر دائرة الإفلات من العقاب التي غذّت الإسلاميين ثلاثين عامًا. والكيزان يملكون المال والسلاح، لكنهم لا يملكون الشرعية، ولا يمكن لمن غرق في دماء شعبه أن يعيد تعريف نفسه كحارسٍ للوطن. السودان اليوم يقف في لحظةٍ فاصلة بين الذاكرة والمستقبل، بين من يريد إحياء دولة التمكين ومن يريد إنقاذ دولة الإنسان. وإن كانت الحرب قد أطفأت الأنوار في المدن، فإن الوعي الذي صنع ثورة ديسمبر ما زال يشتعل تحت الرماد. سيكتشف الكيزان متأخرين أن القوة بلا مشروعية مجرد موتٍ مؤجل، وأن الرباعية، مهما تباطأت لن تغفر لمن يحاول إعادة التاريخ إلى الوراء. أما الشعب، فهو الحكم الأخير، والضمير الذي لا يُشترى ولا يُخضع، ومنه ستبدأ الحقيقة من جديد.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم