لعل أبناء جيلنا يتذكرون مأساة محاسب مدرسة وادي سيدنا الذي حكم عليه القاضي الإسلاموي المكاشفي طه الكباشي بقطع اليد اليمنى حدا في ثمانينات القرن الماضي، مستندًا إلى رأي فقهي منسوب إلى أنس بن مالك، مع إضافة تهمتي “سوء القصد” و”التهرب من العدالة”، وذلك في قضية اختلاس مبلغ قدره 47 ألف جنيه.
وقد تجاوز القاضي حينها غالبية المذاهب الفقهية التي لا تجيز إقامة حد السرقة على المال العام، لكن يبدو أن قضاة الجبهة القومية الإسلامية كانوا أكثر حرصًا على إرهاب المجتمع عبر الأحكام القاسية، فكان ذلك المحاسب أحد ضحايا هذا التوظيف السياسي للفقه.
تكشف هذه الحادثة كيف يمكن للاختلافات الفقهية أن تتحول إلى أدوات سياسية، خلافًا للفكرة الشائعة التي تعتبر اختلاف الفقهاء “رحمة” بصورة مطلقة. فالكثير من الروايات والاجتهادات الفقهية جرى تدوينها بعد أكثر من قرنين من ظهور الإسلام، مما جعلها عرضة لتأثيرات السياسة والصراعات المذهبية والشعوبية.
وقد عانت المسيحية بدورها من إشكالات مشابهة، وإن بدرجة أقل، لأن الحضارات الإغريقية والعبرية والآرامية كانت تمتلك تقاليد راسخة في الكتابة والتدوين، بخلاف الثقافة العربية التي غلب عليها النقل الشفاهي في مراحلها الأولى.
ومع ذلك، فإن التدوين المسيحي، رغم تأخره لعقود، أتاح لاحقًا إمكانية دراسة النصوص والأحداث تاريخيًا ونقديًا. فعلى سبيل المثال، يثير بعض الباحثين مسألة ترجمة كلمة “العذراء” في سفر أشعياء، حيث تُرجمت الكلمة العبرية “الماه” إلى “بارثينوس” باليونانية، وهي كلمة تحمل معنى العذرية، بينما يرى آخرون أن المعنى الأقرب في العبرية هو “الفتاة الشابة”. مثل هذه النقاشات لم تكن ممكنة لولا وجود نصوص مدونة وقابلة للمراجعة النقدية.
ومن الظواهر التي أعاقت تطور الدول الإسلامية أيضًا ترسّخ العلاقة بين الحاكم والمؤسسة الدينية منذ وقت مبكر. فقد احتاج الحكام إلى الشرعية التي يمنحها رجال الدين، بينما تُركت للمؤسسة الدينية مساحة واسعة للتأثير في المجتمع والتشريع والتعليم.
وفي المقابل، شهد الغرب المسيحي صراعًا طويلًا بين الكنيسة والسلطة السياسية، انتهى تدريجيًا إلى تقليص هيمنة الكنيسة على الحكم، خاصة بعد صعود طبقة التجار، ثم مجيء عصر النهضة والتنوير.
وجاء اختراع الطباعة الحديثة على يد Johannes Gutenberg في منتصف القرن الخامس عشر ليشكل نقطة تحول كبرى في أوروبا، إذ ساهم في ترجمة الأناجيل إلى اللغات المحلية، ونشر المعرفة، ورفع معدلات التعليم ومحو الأمية بين الشعوب الأوروبية.
في المقابل، أدى تحفّظ المؤسسة الدينية في الدولة العثمانية تجاه الطباعة إلى تأخر الاستفادة منها لقرون، الأمر الذي وسّع الفجوة الحضارية بين العالم الإسلامي والغرب.
كذلك أسهم الجمود الفقهي في مسألة الربا في إعاقة تراكم رأس المال وتطور الأنشطة الاقتصادية الحديثة. فبينما كان تحريم الربا في جوهره يهدف إلى منع استغلال الإنسان لأخيه الإنسان، فإن التفسير الجامد لهذا التحريم أعاق تطور أدوات التمويل والاستثمار الصناعي والزراعي في العالم الإسلامي.
وفي الوقت الذي كانت فيه الشركات الأوروبية الكبرى، مثل East India Company، تبني رؤوس أموال هائلة وتموّل التوسع التجاري والصناعي، كانت المجتمعات الإسلامية تعاني من ضعف التمويل وتراجع التعليم، بينما ارتفعت معدلات محو الأمية في بعض الدول الأوروبية، خصوصًا الإسكندنافية، إلى مستويات متقدمة مقارنة بالعالم الإسلامي آنذاك.
طلعت محمد الطيب
talaat1706@gmail.com
