د. عبد المنعم مختار
moniem.mukhtar@googlemail.com
الملخص
ولد محمد جمال الدين حامد ونشأ في السودان، وتلقى تعليمه في جامعة الخرطوم متخصصاً في علم الاجتماع، ثم استقر في لاهاي بهولندا، حيث جمع بين الجنسيتين السودانية والهولندية. هذا التكوين المزدوج بين المحلي والأوروبي منحه منظوراً فريداً لفهم السودان من الداخل ونقد مفاهيمه من الخارج.
في عام 1999، شارك في تأسيس منظمة “نصون” في لاهاي، وأصبح منسقها العام، ونظمت المنظمة مؤتمرات حول جذور الصراع في دارفور ودور الدياسبورا في السلام، وقافلة سلام من أمستردام إلى الخرطوم، بالإضافة إلى مشاريع تنموية في السودان.
يمثل إسهامه النظري الأبرز محاولته لإعادة تعريف مفهوم المجتمع المدني في السياق السوداني. في مقالته المحورية عام 2010، قدم نقداً للتصورات السائدة، محدداً أربعة أسباب للارتباك المفاهيمي: ربط المجتمع المدني بالقيم النبيلة فقط مع تجاهل آثاره الشريرة، وإساءة استخدامه أيديولوجياً، وكونه مفهوماً غربياً يحتاج إلى إعادة تعريف في السياق السوداني، وإقصاء القبائل والعشائر والحركات الصوفية من تعريفه. خلص إلى أن فكرة “مجتمع مدني واحد” هي وهم، مؤكداً تعدد التجليات المدنية باختلاف الأزمنة والأماكن.
امتدت اهتماماته البحثية إلى التراث الثقافي السوداني، وخصوصاً “حقيبة الفن”، حيث بحث فيها لأربع سنوات وتوصل إلى ملاحظات مهمة حول شعرائها، وقدم قراءة نقدية اعتبر فيها أن الحقيبة كانت مفروضة عبر الاستعمار وأن شعراءها جاروا فن الزجل، مما أثار جدلاً واسعاً.
يمتد نشاطه الإنساني والثقافي ليشمل مشاريع متعددة، منها “مشروع السودان200″ لتوثيق السودان في 200 سنة، و”المشروع الثقافي السوداني” الذي يضم أكثر من 21 مشروعاً جزئياً في اللغة والتراث والفنون، ويعتمد على الجهد الذاتي دون دعم خارجي.
انتقل إلى تأسيس وإدارة منظمة سدرة الإنسانية العالمية في هولندا، وهي منظمة مستقلة غير سياسية تعمل على تحسين حياة النازحين واللاجئين. أصدرت سدرة بيانات وتقارير حول الأزمة الإنسانية، ودعت إلى عقد مؤتمر إنساني دولي وتشكيل آلية تنسيق لإيصال المساعدات.
في ديسمبر 2025، أطلق مبادرة المسار الثالث، وهي خطة استراتيجية تعرف نفسها كمسار لا سياسي ولا عسكري، تهدف إلى تأسيس فعل إنساني مستقل لا يعلق على نتائج السياسة. تتكون الخطة من ستة محاور وتعمل على مستويين: جهود السودانيين داخلياً وخارجياً، وتحريك المجتمع الدولي.
في يونيو 2026، قاد تنظيم مؤتمر المجتمع المدني السوداني الشامل، الذي انعقد عبر الإنترنت على مدى ستة أسابيع، وتناول قضايا الكارثة الإنسانية والآثار والذاكرة الحضارية والبيئة والسلام المجتمعي والفن والإبداع.
في أغسطس 2026، طرح “مانيفستو مستقبل السودان”، الذي يقدم نقداً لنظريات المركز والهامش، ويرفض الإطار التقليدي للصراع حول الهوية، ويدعو إلى الانتقال من سؤال “من نحن؟” إلى “كيف نعيش معاً؟”، ويطرح مفهوم “دولة المواطنة” حيث الهوية للمجتمع والمواطنة للدولة، ويرفض الدولة العلمانية أو المدنية وحدها، داعياً إلى حياد الدولة تجاه الدين والعرق والقبيلة والثقافة.
يمكن قراءة مشروعه عبر عدة عدسات نظرية: كنقد ما بعد كولونيالي للمفاهيم الغربية، وكتحول من المجتمع المدني كفكرة إلى ممارسة، وكجزء من محاولات تجاوز ثنائيات الفكر السياسي السائد، وارتباطه بالنظرية النقدية لغرامشي ونظريات الهامش.
يواجه مشروعه عدة انتقادات، منها صعوبة استقلال الفعل الإنساني في سياق حرب أهلية شاملة، وتساؤلات حول قدرة مبادرة يقودها مغتربون على التأثير في الواقع الميداني، ونقد إدراج البنى التقليدية في المجتمع المدني من قبل التيارات العلمانية، وفجوة بين النظرية والممارسة، وتقليل أهمية البعد السياسي في معالجة الأزمات، وطوباوية مفهوم دولة المواطنة في غياب آليات انتقال واضحة.
يقدم المشروع دروساً مهمة، منها أهمية الاستقلالية النسبية للمجتمع المدني، والجسر المعرفي بين الأكاديميا والنشاط، والبعد الثقافي في العمل المدني، ونموذج العمل عبر الوطني، وأهمية إعادة تعريف المفاهيم كشرط لفعل فعال، والتكامل بين المستويات المحلية والوطنية والإقليمية والدولية، وضرورة تجاوز أسئلة الهوية إلى أسئلة العيش المشترك.
يظل مستقبل المسار الثالث والمانيفستو مفتوحاً على احتمالات متعددة، من النجاح في ترسيخ بديل إنساني فاعل، إلى البقاء حبيس الطموحات النظرية، أو تبني الأطراف المتحاربة لعناصر المبادرة. ومهما كان المصير، فقد أسهم المشروع في إثراء النقاش حول دور المجتمع المدني وطرح أسئلة جوهرية حول أولويات العمل الإنساني ومستقبل الدولة السودانية. يمثل حامد نموذجاً للباحث الممارس الذي جمع بين النقد النظري والعمل المؤسسي، وقدم رؤية شاملة تجمع بين الأبعاد الإنسانية والسياسية والثقافية، رغم الجدل الذي يثيره مشروعه حول استقلالية المجتمع المدني وعلاقته بالدولة والنزاع ومفهوم دولة المواطنة.
النص الكامل للمقال
مقدمة تحليلية
في مشهد السودان المعاصر، حيث تتداخل أزمات السياسة بالكارثة الإنسانية بانهيار المعنى الاجتماعي للدولة، يبرز نموذج الباحث الممارس الذي لا يكتفي برصد التحولات من موقع المتفرج الأكاديمي، بل يسعى إلى تشكيل مسار بديل للفعل المدني. محمد جمال الدين حامد، الباحث في علم الاجتماع والأنثروبولوجيا، والمنظر الناقد لمفهوم المجتمع المدني، والمؤسس والمدير العام لمنظمة سدرة الإنسانية العالمية، وعضو اللجنة التنسيقية التمهيدية للمسار الثالث، يمثل هذا النموذج بامتياز. يمتد حضور حامد في الفضاء العام السوداني لأكثر من عقدين، حيث سجل حضوراً مكثفاً في منابر متعددة، من بينها منبر سودانيز أونلاين منذ أكتوبر 2007، حيث بلغت مساهماته الكتابية أكثر من 6369 مشاركة (سودانيز أونلاين، 2007)، إضافة إلى منابر أخرى مثل سودان فور أول وسودان تريبيون والراكوبة وغيرها، مروراً بتأسيسه وتنسيقه العام لمنظمة “نصون” بهولندا، وصولاً إلى قيادته لمنظمة سدرة ومبادرة المسار الثالث التي تهدف إلى فصل العمل الإنساني عن التجاذبات السياسية والعسكرية، وطرحه لمانيفستو مستقبل السودان الذي ينقد نظريات المركز والهامش ويدعو إلى دولة المواطنة. يتناول هذا المقال المسيرة الفكرية والعملية لحامد بوصفها حالة فريدة تجمع بين النقد النظري العميق والممارسة المؤسسية الميدانية، محاولاً الإجابة عن سؤال مركزي: كيف يمكن لإعادة تعريف مفهوم المجتمع المدني أن تشكل أساساً لفعل إنساني مستقل في سياق الانهيار الوطني؟
الفصل الأول: الجذور والتكوين – من جبل أولياء إلى لاهاي
ولد محمد جمال الدين حامد ونشأ في السودان، حيث أكمل تعليمه الابتدائي والثانوي في منطقة جبل أولياء بالخرطوم. التحق بعد ذلك بجامعة الخرطوم، إحدى أعرق الجامعات في القارة الأفريقية، حيث تخصص في علم الاجتماع. حمل حامد الجنسيتين السودانية والهولندية، واستقر في لاهاي بهولندا، حيث يتخذ من هذه المدينة مقراً لنشاطه الأكاديمي والمؤسسي. هذا المزيج بين التكوين المحلي في جامعة الخرطوم والإقامة الطويلة في الشتات الأوروبي منحه منظوراً مزدوجاً: فهو يرى السودان من الداخل بفهم عميق لخصوصياته الثقافية والاجتماعية، وفي الوقت نفسه يمتلك الأدوات التحليلية الغربية التي تمكنه من نقدها وتفكيكها. وقد انعكس هذا المنظور المزدوج في كتاباته التي تجمع بين الإحالة إلى التراث الثقافي السوداني واستخدام المناهج النقدية الغربية، وخاصة في أبحاثه حول “حقيبة الفن” والمجتمع المدني. إن انتقال حامد من الخرطوم إلى لاهاي لم يكن انتقالاً جغرافياً فحسب، بل كان انتقالاً معرفياً أيضاً، حيث تحول من طالب في جامعة الخرطوم إلى باحث مستقل في الأنثروبولوجيا يركب بين ثقافات متعددة، ومن ناشط طلابي إلى مؤسس ومنسق لمنظمات مجتمع مدني تعمل على المستويين المحلي والدولي. وقد شغل حامد منصب رئيس تحرير مجلة الجامعة التي يصدرها اتحاد طلاب جامعة الخرطوم عام 1991، حيث كتب كلمة الافتتاح بعنوان “التسامح السوداني الحضاري” (سودانيز أونلاين، 2011)، كما كان عضواً في المجلس الاستشاري الأعلى لحركة الطلاب المحايدين بين عامي 1988 و1993 (سودان للجميع، 2005).
الفصل الثاني: تأسيس المجتمع المدني في المنفى – منظمة “نصون” نموذجاً
في عام 1999، شارك حامد في تأسيس منظمة “نصون” (شبكة منظمات السودان للسلام والتنمية) في لاهاي، إلى جانب عبد الرحيم حلاج ونانسي عجاج (وهي الفنانة السودانية المعروفة وأم أركماني ابن محمد جمال الدين حامد)، وأصبح منسقاً عاماً لها (سودانيز أونلاين، 2007). كانت “نصون” منظمة طليعية في العمل المدني السوداني في المهجر، حيث نظمت سلسلة من الفعاليات والمؤتمرات البارزة التي تركت بصمة واضحة في المشهد المدني السوداني. في نوفمبر 2004، نظمت “نصون” مؤتمر “جذور الصراع في دارفور”، وكان ذلك في وقت كانت فيه الأزمة الدارفورية في أوج اشتعالها، وقدم المؤتمر منصة لمناقشة جذور الصراع في إطار أكاديمي وسياسي متوازن. في أبريل 2006، نظمت المؤتمر الثاني حول “الدياسبورا والسلام”، مسلطة الضوء على دور السودانيين في المهجر في دعم عملية السلام في وطنهم. وفي بداية عام 2007، سيرت “نصون” قافلة سلام من أمستردام إلى الخرطوم، مروراً بجبال النوبة وجوبا، في مبادرة رمزية وعملية لجسور التواصل بين مختلف أقاليم السودان (سودانيز أونلاين، 2007). لم تقتصر أنشطة “نصون” على المؤتمرات والفعاليات الرمزية، بل امتدت إلى مشاريع تنموية ملموسة، حيث عملت على بناء وإعادة تأهيل مجموعة من المدارس والمستشفيات في مناطق مختلفة من السودان، بالإضافة إلى خطط لمحاربة الزحف الصحراوي والتوعية الصحية والحقوقية (سودانيز أونلاين، 2007). وكانت “نصون” نموذجاً لمنظمة المجتمع المدني التي تجمع بين العمل الإنساني والتنموي والنشاط السياسي المدني، وقد لعبت دوراً كبيراً في خلق كيان موحد للسودانيين في هولندا، مما جعل صوتهم – برغم قلتهم العددية – الأعلى نسبياً بالنسبة لجاليات أخرى أكبر حجماً (سودانيز أونلاين، 2007). وقد أدارت “نصون” مكتبين في لاهاي: أحدهما متخصص في شؤون بناء السلام والتنمية، والآخر يعمل في دعم المهاجرين وحل مشاكلهم (سودانيز أونلاين، 2007).
الفصل الثالث: مشروع إعادة تعريف المجتمع المدني – نقد النموذج الغربي وتأسيس البديل السوداني
يمثل الإسهام النظري الأبرز لمحمد جمال الدين حامد محاولته الجريئة لإعادة تعريف مفهوم المجتمع المدني في السياق السوداني، وهو مشروع فكري بدأه في نهاية العقد الأول من الألفية الثالثة واستمر في تطويره حتى اليوم. في مقالته المحورية “Dilemmas of Civil Society in Sudan in Concept and Practice” التي نشرتها صحيفة سودان تريبيون في أغسطس 2010، قدم حامد نقداً منهجياً للتصورات السائدة حول المجتمع المدني. انطلق حامد في مقاله من ملاحظة أن “المجتمع المدني” أصبحت كلمة سحرية لا يمكن تجنبها في أي نقاش حول السياسة أو السياسات العامة، لكن استخدامها المتزايد لم يرافقه وضوح في المضمون (Gamaleldin, 2010).
حدد حامد أربعة أسباب رئيسية للارتباك المفاهيمي الذي يحيط بهذا المصطلح في السودان. أولاً، يلاحظ أن الغالبية المطلقة من الناس تربط “المجتمع المدني” بالأعمال الخيرة والقيم النبيلة مثل التسامح والتعايش السلمي والديمقراطية، متجاهلين أن المجتمع المدني يمكن أن يكون له “آثار شريرة” أيضاً؛ فالتنظيمات المدنية يمكن أن تستخدم لترسيخ التمييز العنصري أو تعزيز الانقسامات الطائفية، وهذا الجانب المظلم للمجتمع المدني يتم تجاهله عادة في الخطابات المتفائلة (Gamaleldin, 2010). ثانياً، يرى حامد أن المفهوم تعرض لإساءة استخدام أيديولوجية، خاصة عندما يتم احتكاره من قبل مجموعات معينة، مما يؤدي إلى منح امتيازات لفئات محددة واستبعاد الآخرين، وقد أساءت القوى السياسية في السودان استخدام المفهوم ليصبح جزءاً من الصراع على الثروة والسلطة (Gamaleldin, 2010). ثالثاً، يشير حامد إلى أن المصطلح في سياقه العلمي حديث نسبياً، وقد طور في البداية في أوروبا الغربية لدراسة العلاقة بين المواطنين والدولة في السياق الأوروبي؛ ونظراً لأن المجتمع المدني في أوروبا تجلى بشكل مختلف عنه في السودان وأفريقيا، فإن إعادة تعريف المفهوم تصبح ضرورة ملحة (Gamaleldin, 2010). رابعاً، يلفت حامد الانتباه إلى أن غالبية الدراسات حول المجتمع المدني في السودان تميل إلى إنكار أو التهرب من الاعتراف بالقبائل والعشائر والحركات الصوفية كجزء من نسيج المجتمع المدني، مكتفية بالاعتراف فقط بـ”التجليات العقلانية والحديثة” مثل المنظمات غير الحكومية والنقابات (Gamaleldin, 2010).
خلص حامد إلى أن فكرة “مجتمع مدني واحد” هي فكرة وهمية، مؤكداً أنه “لا يوجد مجتمع مدني واحد، بل هناك العديد، ربما الآلاف؛ إنه في الواقع مجموع غير محدود” (Gamaleldin, 2010). كل التجليات المدنية تظهر خصائص فريدة في أماكن وأزمنة مختلفة، وهذا ما يفسر تشابه صورة “المجتمع المدني” مع مفهوم “الإله” – فلكل إنسان تصوره الخاص عن الإله، والفرق الوحيد بين المفهومين هو أن بعض الناس قد ينكرون وجود إله بينما يبدو أن جميع الناس على الأرض على يقين من أن “المجتمع المدني” موجود في الواقع (Gamaleldin, 2010). هذه الرؤية النقدية تجاوزت في جرأتها معظم الطروحات السائدة حول المجتمع المدني في السودان، وفتحت الباب أمام إعادة تعريف جذرية للمفهوم تستند إلى خصوصية السياق السوداني وتاريخه الاجتماعي والثقافي.
الفصل الرابع: البحث في التراث الثقافي – “حقيبة الفن” بين التقديس والنقد
إلى جانبه اهتمامه النظري بالمفاهيم السياسية، امتدت اهتمامات حامد البحثية إلى التراث الثقافي السوداني، وخصوصاً “حقيبة الفن”، ذلك اللون الغنائي والشعري الذي يعود تاريخه إلى العقد الثاني من القرن العشرين واستمر حتى الخامس منه. استمر حامد في البحث والتنقيب حول “حقيبة الفن” لأربع سنوات، متتبعاً أثرها في المجتمع السوداني وفي تطور الأغنية السودانية (Ultra Sudan, 2020). وقد ناقش في أبحاثه العلاقة بين “حقيبة الفن” والتاريخ الاجتماعي والسياسي للسودان، معتبراً أنها ليست منفصلة عن هذا التاريخ (Ultra Sudan, 2020).
في إحدى خلاصات بحثه، توصل حامد إلى ملاحظات مهمة حول شعراء الحقيبة، حيث أحصى 14 شاعراً من كل أنحاء السودان، وبإضافة عبد الله الأمي يصبحون 15 شاعراً، وكلهم أصدقاء بلا استثناء، ومعظمهم ولدوا وعاشوا في مكان واحد وأعمارهم متقاربة، وكانوا يجتمعون في منازل بعضهم البعض بشكل شبه يومي. وأنتج هؤلاء الشعراء فن الحقيبة في الفترة من 1920 إلى 1945، ثم توقفوا جميعاً عن إنتاج نفس النمط في وقت واحد، بل كثير منهم توقف عن نظم الشعر على وجه الإطلاق. كما لاحظ حامد أن شعراء الحقيبة لم يكن بينهم صحفي أو قاص أو روائي، ولم يكتب أي منهم مذكراته بشكل احترافي، في تناقض واضح مع شعراء آخرين في المنطقة من حولهم (Ultra Sudan, 2020).
في مقابلة معه، عرض حامد رؤية نقدية للحقيبة، معتبراً أنها “بدءاً مفروضة بامتياز عبر الأصابع الكولونيالية، بتوسط بعض الشوام والمصريين، الذين وضعوا الزجل المملوكي المنتشر تلك الفترة في مصر وبلدان الشام” (Ultra Sudan, 2020). وذهب إلى أن شعراء الحقيبة السودانيين لم يقوموا بأي شيء سوى مجاراة فن الزجل، وأن الغرض الاستعماري من وراء ذلك كان تحويل الأشكال الفنية الشعبية السودانية – كالمناحة والدوبيت والحومبي والحماسة – التي تتحرك في دائرتي القبيلة والصوفية وتعمل على إيقاظ معاني “الرجولة، والشجاعة، والإقدام، ورفض الظلم” في نفوس السودانيين، بعيداً عن الرؤية الاستعمارية (Ultra Sudan, 2020). هذه القراءة النقدية للحقيبة أثارت جدلاً واسعاً، حيث اعتبر البعض أنها “رج للمقدس”، في إشارة إلى المكانة شبه المقدسة التي تحتلها حقيبة الفن في الوجدان الثقافي السوداني (Ultra Sudan, 2020). لكن حامد، كما يظهر من أبحاثه، لم يكن يسعى إلى هدم التراث، بل إلى تفكيكه ونقده لفهم أعمق لتشكل الهوية الثقافية السودانية في ظل الاستعمار، وهو ما يتسق مع مشروعه النقدي الأوسع في مجال المجتمع المدني. وقد نشر حامد خلاصات بحثه حول حقيبة الفن في عدة منابر، منها موقع الراكوبة في مايو 2017، حيث أكد أن الحقيبة سرقت من التراث الأندلسي (سودانيز أونلاين، 2024).
الفصل الخامس: المشاريع الإنسانية والثقافية الكبرى – من السودان200 إلى المشروع الثقافي
يمتد نشاط حامد الإنساني والثقافي ليشمل مشاريع متعددة تخص السودان وتخص الإنسان، تتوزع على محاور متنوعة تشمل العمل الإغاثي المباشر، وبناء القدرات المحلية، وتعزيز الصمود المجتمعي، وحماية التراث الثقافي، ودعم المبدعين والفنانين، إلى جانب العمل على قضايا البيئة والتنمية المستدامة. في مقدمة هذه المشاريع يأتي “مشروع السودان200″، وهو مشروع توثيق السودان في 200 سنة، كتابة وتوثيق السودان المعاصر 1821-2021 (السودان200، 2017). يهدف هذا المشروع إلى جمع وتوثيق إرث الحاضر، وكتابة وتوثيق السودان في 200 سنة، السودان الحديث/المعاصر، بهدف تشكل كتلة وطنية تاريخية كهدف عملي، كتلة تاريخية تجعل من فعلها الناجز إضافة موجبة للحضارة الإنسانية (السودان200، 2017). يتضمن المشروع 27 محوراً تلامس جميع جوانب الحياة السودانية، ويأتي في سياق أوسع من المشاريع الثقافية التي يقودها حامد (مكتبة محمد جمال الدين، 2026).
ضمن هذا الإطار، أطلق حامد “المشروع الثقافي السوداني” تحت شعار “تفرقنا السياسة وتجمعنا الثقافة”، وهو جهد توثيقي ومعرفي واسع يُعنى بالهوية الثقافية السودانية، الموحدة في الوجدان والمتعددة في الواقع (المشروع الثقافي السوداني، 2025). يتضمن المشروع أكثر من 21 مشروعاً جزئياً، من بينها: بحث في العاميات العربية السودانية (مكتمل 100%)، وأثر وتأثر العامية الوسطسودانية باللغات التي سادت تاريخياً (منجز 70%)، وأنواع الشعر العامي/الشعبي في السودان والعروض والأبحر الشعرية (منجز 80%)، وزجل السودان (حقيبة الفن) (مكتمل كمادة خام 100%)، والموسيقى والغناء في العهد السناري (منجز 60%)، وقواعد العامية الوسطسودانية (منجز 90%)، وتحديث معجم العامية السودانية (منجز 75%)، بالإضافة إلى توثيق الأهازيج الشعبية والترانيم الطقسية، ومقارنة لغوية بين العامية السودانية والعاميات العربية الأخرى، وتوثيق الأمثال الشعبية، ومدونات السيرة الشعبية، ودراسات في اللغات غير العربية في السودان، وتاريخ الترجمة في السودان، ومشروع أرشفة الأداء الشفهي، وتوثيق الفنون النسوية الشفهية، ومشروع “أطلس الأصوات والموسيقى في السودان”، وجمع وتصنيف النكتة والفكاهة السودانية، وأرشفة الفرق والمجموعات الغنائية والمسرحية الشعبية (المشروع الثقافي السوداني، 2025). يعتمد المشروع على الجهد الذاتي بنسبة 100%، دون تلقي أي دعم داخلي أو خارجي، رسمي أو مدني، وقد بدأ العمل في العديد من مشاريعه منذ عام 2017 (المشروع الثقافي السوداني، 2025). هذه المشاريع تعكس رؤية شاملة للعمل الثقافي والإنساني لا تقتصر على الجانب الإسعافي الطارئ، بل تمتد لتشمل الأبعاد الثقافية واللغوية والتاريخية، في محاولة لمعالجة جذور الأزمات وليس فقط تداعياتها.
الفصل السادس: من العمل التطوعي إلى العمل الإنساني – تأسيس منظمة سدرة العالمية
لم يكتف حامد بالتنظير النقدي والعمل التطوعي عبر “نصون”، بل انتقل إلى تأسيس وإدارة منظمة سدرة الإنسانية العالمية، المسجلة رسمياً في هولندا بموجب القانون الهولندي للمؤسسات (Stichting). تعرف سدرة نفسها كمنظمة “مستقلة، غير سياسية، وغير حكومية، وغير مناطقية” (سودانيز أونلاين، 2025)، وتعمل من لاهاي، حيث تتولى الإشراف على مجموعة واسعة من الأنشطة الإنسانية والإغاثية في السودان. يظهر حامد في وثائق المنظمة كرئيس لمجلس الإدارة (Head of Director’s Board)، وأيضاً كمدير عام. وتتكون الهيئة الإدارية للمنظمة من مجموعة من المتطوعين الذين لا يتقاضون أي رواتب مقابل عملهم، ويمنعون من قبول أي منح أو هدايا شخصية تتعلق بأنشطتهم أثناء أداء مهامهم (سودانيز أونلاين، 2025). تلتزم سدرة بتحسين جودة حياة النازحين واللاجئين والعائدين إلى ديارهم والمجتمعات القاطنة باستمرار في مناطق النزاعات، عبر نهج متكامل يجمع بين الاستجابة الإنسانية والتنمية المستدامة (سدرة العالمية، 2026).
في أبريل 2025، أصدرت سدرة بياناً حول نتائج مؤتمر لندن للسلام في السودان، أكدت فيه أن الوضع الحالي في السودان يتطلب “إعلاء أولوية العمل الإنساني فوق أي مسار سياسي” (صحيفة التحرير، 2025). ووصفت المنظمة المأساة الإنسانية التي يعيشها السودانيون بأنها “الأسوأ عالمياً اليوم وفق تقارير أممية ومنظمات ذات مصداقية كالمفوضية السامية لشؤون اللاجئين ومنظمة الهجرة الدولية” (صحيفة التحرير، 2025). وقدمت سدرة في بيانها مقترحات عملية عاجلة: عقد مؤتمر إنساني دولي عاجل مخصص لسد الفجوة الطارئة في الغذاء والدواء وحماية المدنيين وإعادة تأهيل البنية التحتية المنهارة، وتشكيل آلية تنسيق دولية محلية لتسهيل إيصال المساعدات الإنسانية عبر ممرات آمنة، وتوفير تمويل عاجل من الأمم المتحدة والمؤسسات الدولية (صحيفة التحرير، 2025). ودعا رئيس منظمة سدرة العالمية محمد جمال الدين في حديثه لراديو دبنقا إلى إنشاء آلية تمويل إنساني عاجل متعدد المسارات تخصص نسبة معتبرة من الدعم (راديو دبنقا، 2026).
في ديسمبر 2025، أصدرت سدرة تقريراً حول “المجتمعات المستهدفة بتفعيل المسار الإنساني في السودان”، صنفت فيه المجتمعات المتضررة إلى أربع فئات رئيسية: النازحون داخلياً (حوالي 12 مليون نازح)، والمجتمعات المضيفة، والمجتمعات في مناطق الاشتباكات المباشرة، والمجتمعات في المناطق المهمشة (سودانيز أونلاين، 2025). وأكد التقرير أن الأزمة الإنسانية لم تعد مقصورة على مناطق الاشتباكات المباشرة فقط، بل امتدت لتشمل معظم الجغرافيا السكانية، حتى في المناطق التي تعد آمنة أمنياً أو مستقرة نسبياً، لكنها تعاني من انعدام كامل أو شبه كامل لشروط الحياة الأساسية (سودانيز أونلاين، 2025). وقد صرح حامد في مقابلات إعلامية أن عدد النازحين بسبب الحرب بلغ 12 مليون نازح، مما يجعل الأزمة الإنسانية السودانية واحدة من أكبر الأزمات في العالم (راديو دبنقا، 2026).
الفصل السابع: مبادرة المسار الثالث – تأسيس مسار إنساني مستقل
في ديسمبر 2025، أطلق حامد، بصفته عضواً في اللجنة التنسيقية التمهيدية للمسار الثالث، الخطة الاستراتيجية للمسار الثالث في السودان، والتي تعرف نفسها بأنها “مسار لا سياسي ولا عسكري/أمني” (سودانيز أونلاين، 2025). تنطلق الخطة من إدراك أن “ما يعيشه السودان اليوم ليس مجرد أزمة سياسية أو صراع مسلح فحسب، بل انهيار شامل لمنظومة الحماية الإنسانية والمعنى الاجتماعي للدولة” (سودانيز أونلاين، 2025). وفي لحظات كهذه، كما تقول الخطة، “لا يكفي انتظار الحلول من أعلى كما تقول التجارب ولا الرهان على مآلات السياسة أو موازين السلاح، بل يصبح الفعل الإنساني نفسه ضرورة وجودية لا تقبل التأجيل” (سودانيز أونلاين، 2025).
تتكون خطة المسار الثالث من ستة محاور رئيسة مترابطة، تغطي دورة الحياة الإنسانية كاملة، وتتعامل مع الإنسان السوداني بوصفه محور العمل الإنساني. وتقوم الخطة على مبدأ حاكم واضح: “أن الفعل الإنساني لا يجوز أن يُعلَّق على نتائج السياسة أو تقلبات القوة، بل يجب أن يستمر بوصفه حقاً أصيلاً للإنسان، وواجباً أخلاقياً ومجتمعياً، ومسؤولية مهنية في آن واحد” (سودانيز أونلاين، 2025). وعليه، تؤسس الخطة لمسار إنساني مستقل “لا ينافس المسارات السياسية أو العسكرية/الأمنية ولا ينتظر اكتمالها أو نجاحها، ولا يُختزل في دور إسعافي طارئ” (سودانيز أونلاين، 2025).
تتضمن الخطة مستويين رئيسيين للعمل: المستوى الأول يركز على جهود السودانيين داخل وخارج السودان، ويشمل المبادرات القاعدية واللجان والنقابات والمنظمات والإدارات الأهلية والشباب والنساء وكل أشكال الفعل المجتمعي داخل السودان، بالإضافة إلى الضغط الإعلامي والعلاقات الدولية والتمويل الذاتي من قبل المغتربين واللاجئين في الخارج. المستوى الثاني يركز على تحريك المجتمع الدولي الرسمي والشعبي باتجاه دعم المسار الإنساني (سودانيز أونلاين، 2025). كما تهدف الخطة إلى بناء الجسور بين المجتمعات الثلاثة (الدولة، المجتمع السياسي، المجتمع المدني) التي اختلت علاقتها تاريخياً (سودانيز أونلاين، 2025). وقد صرح حامد بأن المسار الثالث يهدف إلى أن يكون “لا ملحقاً بالسياسة، ولا تابعاً للعسكر”، بل مساراً قائماً بذاته، أخلاقياً ومجتمعياً ومهنياً (الراكوبة، 2026).
الفصل الثامن: مؤتمر المجتمع المدني السوداني الشامل – تفعيل الرؤية على أرض الواقع
في يونيو 2026، قاد حامد، بصفته عضواً في اللجنة المنظمة ومديراً لمنظمة سدرة الإنسانية العالمية، تنظيم “مؤتمر المجتمع المدني السوداني الشامل (المسار الثالث)”، الذي انعقد عبر الإنترنت على مدى ستة أسابيع متتالية (من 19 يونيو إلى 24 يوليو 2026)، من الساعة السابعة مساءً وحتى الحادية عشرة مساءً بتوقيت السودان، تحت شعار: “الإنسان: الكرامة، البيئة، والذاكرة الحضارية” (راديو دبنقا، 2026). أوضح حامد أن المؤتمر يأتي في ظل الأزمة السودانية الراهنة، بهدف وضع الإنسان السوداني في مركز الاهتمام، من حيث كرامته وحقه في الحياة والمعاش الآمن، وارتباطه ببيئته وذاكرته الحضارية وآثاره التاريخية، بوصفها عناصر أساسية في الصمود والهوية والمستقبل (راديو دبنقا، 2026).
تناولت أجندة المؤتمر قضايا متعددة، وزعت على ست جلسات جمعة متتالية: الجمعة الأولى تناولت الكارثة الإنسانية والمجتمعات المتأثرة بالحرب، بما في ذلك الغذاء والدواء والإيواء والحماية، وأوضاع النازحين واللاجئين والمقيمين في أحزمة الحرب، إضافة إلى واقع منظمات المجتمع المدني والعقبات التي تواجه العاملين على الأرض (راديو دبنقا، 2026). والجمعة الثانية خصصت للآثار والذاكرة الحضارية، من خلال رصد الانتهاكات التي طالت المواقع التاريخية، ومتابعة ملف الآثار المنهوبة والمسروقة، والدفع نحو حماية التراث السوداني واسترداد الممتلكات الثقافية ومحاسبة المتورطين في نهبها أو تدميرها (راديو دبنقا، 2026). والجمعة الثالثة ناقشت البيئة والحياة البرية، وأثر الحرب على الموارد الطبيعية والتنوع الحيوي (راديو دبنقا، 2026). والجمعة الرابعة تناولت السلام المجتمعي وإعادة البناء، ودور المجتمع المدني والإدارات الأهلية والطرق الصوفية في المصالحات وترميم النسيج الاجتماعي ودعم الاستقرار المحلي (راديو دبنقا، 2026). والجمعة الخامسة كانت بعنوان “جمعة الفن والإبداع”، وناقشت دور الفنانين والمبدعين في المواساة، وحفظ الذاكرة، ومقاومة خطاب الكراهية والانقسام، إلى جانب مناقشة معاناة المبدع السوداني نفسه جسدياً ونفسياً ومالياً، وسبل الوقوف معه ودعمه (راديو دبنقا، 2026). والجمعة السادسة خصصت لدور المجتمع المدني والإدارات الأهلية والطرق الصوفية في المصالحات (راديو دبنقا، 2026). وقد انعقد المؤتمر عبر منصة Google Meet، بمشاركة واسعة من السودانيين داخل السودان وخارجه (راديو دبنقا، 2026).
يمثل هذا المؤتمر تتويجاً لمسيرة حامد الفكرية والعملية، حيث جمع بين الرؤية النقدية للمجتمع المدني، والالتزام الإنساني، والقدرة التنظيمية، والوعي بأهمية البعد الثقافي والهوياتي في معالجة الأزمات. كما يعكس قدرته على حشد طاقات المجتمع المدني السوداني في الداخل والخارج حول رؤية موحدة تتجاوز الانقسامات السياسية. وقد وصف حامد المؤتمر بأنه “مؤتمر الشعب السوداني”، مؤكداً على طبيعته الشاملة والمشاركة الواسعة (راديو دبنقا، 2026). وأضاف أن المؤتمر يهدف في الختام إلى بلورة أجندة مدنية سودانية، وترتيب أولويات المجتمع المدني، وإعادة الاعتبار لدوره الوطني والإنساني، وتخليصه من القصور الذاتي ومظاهر التبعية (راديو دبنقا، 2026).
الفصل التاسع: مانيفستو مستقبل السودان – نقد نظريات المركز والهامش ودعوة لدولة المواطنة
في أغسطس 2026، طرح حامد “مانيفستو مستقبل السودان” تحت عنوان “نقول ولا نقول — مخيال وثقافة دولة المواطنة”، وهو مشروع فكري طموح سيكون محط نقاش واسع في الأيام القادمة، لأنه يقدم نقداً جذرياً للنظريات السائدة حول الدولة والمجتمع في السودان (مانيفستو مستقبل السودان، 2026). يعود تاريخ تطور هذه الأفكار إلى ما يقارب ثلاثة عقود، منذ أن كان حامد طالباً بجامعة الخرطوم في تسعينيات القرن الماضي، حيث بدأت الفكرة في صورتها الأولى من التفكير في تيمة “التسامح السوداني الحضاري”، ثم تطورت عبر سنوات طويلة من القراءة والنقاش والمراجعة، ونشرت خلاصات منها في عامي 2010 و2015، ثم جاءت ورقة “دولة المواطنة” في عام 2025 لتدفع الفكرة إلى صياغة أكثر وضوحاً وترابطاً (مانيفستو مستقبل السودان، 2026).
يطرح المانيفستو سؤالاً محورياً: “ليس فقط: من نحن؟ وإنما: أي دولة نريد أن نبني، وكيف نريد أن نعيش فيها معاً؟” (مانيفستو مستقبل السودان، 2026). ويرفض المانيفستو الإطار التقليدي للصراع السوداني الذي يدور حول أسئلة من نوع: “من نحن؟ من كان هنا أولاً؟ من يملك التاريخ؟ من يملك الأرض؟ من هو السوداني الحقيقي؟ هل الدولة عربية أم أفريقية؟ إسلامية أم علمانية؟ كوشية أم سنارية؟ قديمة أم جديدة؟ دولة 56 أم دولة ضد 56؟ دولة مركز أم دولة هامش؟” (مانيفستو مستقبل السودان، 2026). بدلاً من ذلك، يرى المانيفستو أن السودان يحتاج إلى الخروج من هذه الدائرة إلى سؤال آخر أكثر أهمية: “كيف نعيش معاً؟” (مانيفستو مستقبل السودان، 2026).
يقوم المانيفستو على نقد نظريات المركز والهامش كمنافس على تغيير الدولة، حيث يرى أن مفهوم “المركز والهامش” مهم في تحليل تاريخ السودان واختلال توزيع السلطة والثروة، لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول التحليل إلى هوية نهائية للدولة، فكل مركز يمكن أن يكون له هامش داخله، وكل هامش يمكن أن يصبح مركزاً (مانيفستو مستقبل السودان، 2026). ويرفض المانيفستو مقولة “دولة 56” وما يرتبط بها من مفاهيم، مؤكداً: “لا أريد أن تصبح الدولة ‘دولة 56’، ولا دولة ضد 56. ولا أريدها دولة 1821، ولا الدولة التركية، ولا الدولة المهدية، ولا دولة البحر، ولا دولة النهر، ولا الأبيض ولا الأزرق، ولا دولة أي جهة أخرى. هذه كلها يمكن أن تكون موضوعات للتاريخ والتحليل والنقد. 1956 تاريخ. 1821 تاريخ. الحكم التركي تاريخ. الدولة المهدية تاريخ. لكن الدولة التي نبنيها اليوم ليست تاريخاً، إنها مستقبل” (مانيفستو مستقبل السودان، 2026).
كما يرفض المانيفستو مقولات الدولة العلمانية والدولة المدنية وغيرها من المقولات الشبيهة السائدة، معتبراً إياها جميعاً غير صالحة لتأسيس مشروع وطني جامع. فالعلمانية وحدها لا تصنع دولة مواطنة، وكذلك المدنية وحدها لا تصنعها، وحتى الديمقراطية الانتخابية وحدها لا تكفي إذا لم تكن محكومة بحقوق أساسية وسيادة قانون ومؤسسات مستقلة (مانيفستو مستقبل السودان، 2026). ويرى المانيفستو أن المبدأ الذي نحتاج إليه أوسع: “حياد الدولة تجاه الدين، وحيادها تجاه العرق والقبيلة والتاريخ والثقافة والجهة” (مانيفستو مستقبل السودان، 2026).
بدلاً من كل هذه المقولات، يطرح المانيفستو مفهوم “دولة المواطنة” فقط، حيث “الهوية للمجتمع، والمواطنة للدولة”، و”الاصطحاب لا النفي”، ويدعو إلى الانتقال “من سؤال «من نحن؟» إلى سؤال «كيف نعيش معاً؟»” (مانيفستو مستقبل السودان، 2026). يؤكد المانيفستو: “لا نريد أن نستبدل دولة هوية بدولة هوية أخرى. نريد أن ننتقل من دولة الهوية إلى دولة المواطنة. فالهوية ليست عدواً ينبغي محوه كما الدين والقبيلة واللغة. والثقافة ليست عدواً كما التاريخ والذاكرة الحضارية” (مانيفستو مستقبل السودان، 2026). ويهدف المانيفستو إلى أن يكون صالحاً في حالة استمرار السودان موحداً، وفي حالة أصبح الانقسام أمراً واقعاً أو خياراً سياسياً، وكذلك في حالة توافرت شروط الاندماج وإرادته الحرة، لأنه يبحث عن “مبدأ للعيش المشترك يمكن أن يظل صالحاً حتى لو تغير شكل الدولة” (مانيفستو مستقبل السودان، 2026). ومن المتوقع أن يكون تأثير هذه الرؤية أوضح بعد الطرح الجديد الأقوى الذي صدر يوم 18 أغسطس 2026 (مانيفستو مستقبل السودان، 2026).
الفصل العاشر: الأبعاد النظرية – قراءة في المشروع الفكري من منظور ما بعد الكولونيالية والنقد الاجتماعي
يمكن قراءة مشروع محمد جمال الدين حامد الفكري من خلال عدة عدسات نظرية. أولاً، يمثل مشروعه امتداداً للنقد ما بعد الكولونيالي للمفاهيم الغربية، حيث يسعى إلى تحرير مفهوم المجتمع المدني من هيمنة النماذج الغربية وإعادة تأسيسه على أساس الخصوصية السودانية. في هذا السياق، يمكن فهم نقده لإقصاء القبائل والعشائر والحركات الصوفية من تعريف المجتمع المدني في السودان كجزء من مشروع أوسع لإعادة كتابة تاريخ المفهوم وتحريره من الإسقاطات الغربية (Gamaleldin, 2010). ثانياً، يعكس مشروع حامد تحولاً من “المجتمع المدني كفكرة” إلى “المجتمع المدني كممارسة”، حيث لا يكتفي بالنقد النظري بل ينتقل إلى تأسيس مؤسسات ومبادرات عملية تجسد رؤيته. هذا التحول يعكس فهماً عميقاً للعلاقة الجدلية بين النظرية والممارسة، ويدحض الافتراض القائل بأن النقد النظري والممارسة العملية مجالان منفصلان. ثالثاً، يمكن فهم مشروع “المسار الثالث” في سياق أوسع من محاولات تجاوز ثنائيات الفكر السياسي السائد في السودان (عسكري/مدني، حكومة/معارضة، مركز/هامش)، والسعي إلى تأسيس فضاء ثالث يقوم على أولويات إنسانية مشتركة تتجاوز الانقسامات السياسية. هذا الطرح يحمل نزعة طوباوية، لكنه في الوقت نفسه يستند إلى قراءة واقعية للفشل التاريخي للمسارين السياسي والعسكري في تحقيق الاستقرار والتنمية.
رابعاً، يمكن ربط مشروع حامد بالنظرية النقدية للمجتمع المدني التي طورها مفكرون مثل أنطونيو غرامشي، الذي رأى في المجتمع المدني ساحة للصراع الهيمني وليس فضاءً للتوافق والمحبة كما تروج الخطابات المتفائلة. حامد، في نقده للوجه الرومانسي للمجتمع المدني، يتبنى مقاربة غرامشية جزئياً، لكنه يطورها بإضافة البعد الثقافي والهوياتي الخاص بالسياق السوداني. كما يمكن ربط مشروعه بنظرية “الهامش” التي طورها مفكرون ما بعد كولونياليون، حيث يسعى إلى إعادة الاعتبار للبنى التقليدية والمهمشة في نسيج المجتمع المدني، مما يشكل نقلة نوعية في فهم الديناميات الاجتماعية في السودان. أما في مانيفستو مستقبل السودان، فيقدم حامد نقداً لنظريات المركز والهامش ذاتها، معتبراً أنها تتحول إلى هوية نهائية للدولة وتعيد إنتاج مشكلة الإقصاء، ويدعو بدلاً منها إلى مفهوم دولة المواطنة كأساس للعيش المشترك (مانيفستو مستقبل السودان، 2026).
الفصل الحادي عشر: نقد المشروع – بين الطوباوية والواقعية
رغم القيمة النظرية والعملية الكبيرة لمشروع محمد جمال الدين حامد، فإنه يثير عدداً من الأسئلة النقدية التي تستحق المناقشة. أولاً، يطرح مشروع “المسار الثالث” تحدياً عملياً كبيراً: كيف يمكن لفعل إنساني أن يظل مستقلاً حقاً عن التجاذبات السياسية والعسكرية في سياق حرب أهلية شاملة، حيث تتحكم الأطراف المتحاربة في الممرات الإنسانية وتقرر من يحصل على المساعدة ومن يُحرم منها؟ تجربة العمل الإنساني في الصراعات المعاصرة، من الصومال إلى سوريا إلى اليمن، تظهر أن الحياد الإنساني الكامل يكاد يكون مستحيلاً في غياب إرادة سياسية من الأطراف المتحاربة. ثانياً، يثار سؤال حول مدى قدرة مبادرة ينظمها مغتربون من لاهاي على التأثير في الواقع الميداني داخل السودان، حيث تختلف الأولويات وتتباين المصالح ويتشابك النسيج الاجتماعي بطرق لا يمكن فهمها من الخارج. ثالثاً، يمكن توجيه نقد إلى الطرح النظري لحامد فيما يتعلق بإعادة تعريف المجتمع المدني: فبينما ينتقد استبعاد البنى التقليدية من تعريف المجتمع المدني، قد يتعرض هو نفسه لانتقاد من التيارات العلمانية التي ترى في إدراج القبائل والطرق الصوفية ضمن المجتمع المدني تهديداً للحداثة السياسية والمواطنة المتساوية.
رابعاً، يطرح مشروع حامد أسئلة حول العلاقة بين النظرية والممارسة: هل يمكن للرؤية النقدية العميقة التي يتبناها أن تترجم فعلاً إلى ممارسة إنسانية فعالة، أم أن هناك فجوة لا بد منها بين التنظير والعمل الميداني؟ تجربة حامد في “نصون” ثم “سدرة” تظهر محاولة جادة لسد هذه الفجوة، لكن النتائج الملموسة على الأرض ما زالت موضع نقاش وتقييم. خامساً، يمكن القول إن مشروع حامد، في سعيه إلى تأسيس مسار إنساني مستقل، قد يقلل من أهمية البعد السياسي في معالجة الأزمات الإنسانية، فالكوارث الإنسانية في السودان ليست مجرد نقص في المساعدات، بل هي نتيجة لسياسات وإخفاقات هيكلية تتطلب معالجة سياسية جذرية. ومع ذلك، يبقى السؤال المطروح: في ظل استمرار الفشل السياسي، هل هناك خيار آخر سوى محاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه عبر مسار إنساني مستقل؟ أما بالنسبة لمانيفستو مستقبل السودان، فيمكن توجيه نقد مفاده أن مفهوم “دولة المواطنة” قد يظل طوباوياً في غياب آليات واضحة للانتقال من دولة الهوية إلى دولة المواطنة، خاصة في سياق صراع مسلح حاد تتفكك فيه مؤسسات الدولة أصلاً.
الفصل الثاني عشر: الدروس المستفادة – إعادة تعريف دور المجتمع المدني في زمن الانهيار
يقدم مشروع محمد جمال الدين حامد عدداً من الدروس المهمة لفهم دور المجتمع المدني في السياقات الهشة والمتصارعة. أولاً، يؤكد المشروع على أهمية “الاستقلالية النسبية” للمجتمع المدني، أي قدرته على تحديد أجندته الخاصة بعيداً عن إملاءات الدولة أو الأحزاب السياسية أو الجهات المانحة. هذا لا يعني العزلة عن هذه الأطراف، بل يعني القدرة على التفاوض معها من موقع قوة أخلاقية ومعرفية. ثانياً، يبرز المشروع أهمية “الجسر المعرفي” بين النخبة الأكاديمية والناشطين الميدانيين؛ فحامد لم يكن أكاديمياً في برجه العاجي ولا ناشطاً بلا خلفية نظرية، بل جمع بين الاثنين في ممارسة نقدية متكاملة. ثالثاً، يذكرنا المشروع بأهمية “البعد الثقافي” في العمل المدني، فمعالجة الأزمات الإنسانية لا تقتصر على توفير الغذاء والدواء، بل تشمل أيضاً حماية الذاكرة والهوية والتراث، وهو ما تجلى بوضوح في مؤتمر المجتمع المدني الشامل الذي خصص جلسات للآثار والذاكرة الحضارية والفن والإبداع، وفي المشروع الثقافي السوداني بطابعه التوثيقي الشامل (راديو دبنقا، 2026؛ المشروع الثقافي السوداني، 2025). رابعاً، يطرح المشروع نموذجاً للعمل المدني “عبر الوطني”، حيث يستفيد المغتربون من مواقعهم في الشتات للضغط على المجتمع الدولي وتوفير التمويل وبناء الشراكات، مع الحفاظ على ارتباطهم العضوي بالواقع السوداني.
خامساً، يذكرنا مشروع حامد بأن إعادة تعريف المفاهيم ليست ترفاً أكاديمياً، بل شرط أساسي لفعل سياسي ومدني فعال. فطالما ظل مفهوم المجتمع المدني أسير التعريفات الغربية والمشوهة، ستظل الممارسات المدنية في السودان محدودة الأثر، مشوهة الرؤية، تابعة لأجندات لا تعبر عن احتياجات المجتمع السوداني الحقيقية (Gamaleldin, 2010). سادساً، يقدم المشروع نموذجاً للعمل المدني “التكاملي” الذي يربط بين مختلف المستويات: المحلي (المبادرات القاعدية في السودان)، والوطني (التنسيق بين الفاعلين المدنيين)، والإقليمي (الشراكة مع المنظمات الأفريقية والعربية)، والدولي (الضغط على المجتمع الدولي). هذا التكامل بين المستويات المختلفة هو ما يمنح المشروع قوته وتأثيره، رغم التحديات الهائلة التي يواجهها. سابعاً، يطرح مانيفستو مستقبل السودان درساً مهماً حول ضرورة تجاوز الإطار التقليدي للصراع السوداني والانتقال من أسئلة الهوية إلى أسئلة العيش المشترك، ومن دولة الهوية إلى دولة المواطنة، وهو درس قد يكون له أثر بالغ في إعادة صياغة المشروع الوطني السوداني (مانيفستو مستقبل السودان، 2026).
الفصل الثالث عشر: الآفاق المستقبلية – أين يتجه المسار الثالث والمانيفستو؟
في ظل استمرار الحرب السودانية وتدهور الأوضاع الإنسانية، يظل مستقبل مبادرة المسار الثالث ومشروع المانيفستو مفتوحاً على عدة احتمالات. المسار الأول هو أن تنجح المبادرة في ترسيخ نفسها كبديل إنساني فاعل، يحقق اختراقات ملموسة في إيصال المساعدات وحماية المدنيين، مما يعزز مكانة المجتمع المدني السوداني محلياً ودولياً. المسار الثاني هو أن تظل المبادرة حبيسة الطموحات النظرية، غير قادرة على تجاوز العقبات الميدانية والسياسية، مما يحد من تأثيرها ويجعلها مجرد صوت إضافي في ساحة مزدحمة بالأصوات. المسار الثالث هو أن تتبنى الأطراف المتحاربة أو المجتمع الدولي بعض عناصر المبادرة، مما يؤدي إلى تحولها من مبادرة مستقلة إلى جزء من الحل السياسي أو الإنساني الرسمي، وهو ما قد يمنحها تأثيراً أكبر لكنه قد يكلفها استقلاليتها. أما بالنسبة لمانيفستو مستقبل السودان، فمستقبله مرهون بقدرته على حشد نقاش عام جاد حول مفاهيم الدولة والمواطنة في السودان، وقدرته على تجاوز حدود الفضاءات الافتراضية إلى تأثير سياسي ومجتمعي ملموس.
مهما كان المصير، فإن مشروع حامد قد أسهم بالفعل في إثراء النقاش حول دور المجتمع المدني في السودان، وطرح أسئلة جوهرية حول أولويات العمل الإنساني في زمن الحرب، وأعاد تعريف العلاقة بين الفعل النظري والممارسة الميدانية، وفتح باباً للنقاش حول مستقبل الدولة السودانية خارج إطار الصراعات الهوياتية التقليدية. ويظل السؤال الأكبر: هل يمكن للمجتمع المدني، في غياب دولة قوية وفاعلة، أن يقوم بدور الدولة في توفير الحماية والخدمات الأساسية؟ أم أن هذا الدور يجب أن يظل مؤقتاً وإسعافياً، في انتظار إعادة بناء الدولة على أسس جديدة؟ حامد، في مشروعه، يبدو أنه يتبنى موقفاً وسطاً: المجتمع المدني ليس بديلاً عن الدولة، لكنه في غيابها أو انهيارها يصبح الفاعل الوحيد القادر على إنقاذ ما يمكن إنقاذه، والحفاظ على نسيج اجتماعي مهدد بالتمزق.
خاتمة نقدية
يمثل محمد جمال الدين حامد نموذجاً فريداً للباحث الممارس في السياق السوداني المعاصر، الذي جمع بين النقد النظري العميق للمفاهيم السائدة، والعمل المؤسسي الميداني لتجسيد رؤيته البديلة. من خلال إعادة تعريفه النقدي لمفهوم المجتمع المدني، وتأسيسه لمنظمة “نصون” ثم منظمة سدرة الإنسانية العالمية، وقيادته لمبادرة المسار الثالث ومؤتمر المجتمع المدني الشامل، وإطلاقه لمشروع السودان200 والمشروع الثقافي السوداني، وطرحه لمانيفستو مستقبل السودان الذي ينقد نظريات المركز والهامش ويرفع شعار دولة المواطنة، قدّم حامد إسهاماً متميزاً في الفكر والنضال السودانيين. تكمن أهمية مشروع حامد في قدرته على تقديم رؤية شاملة تجمع بين البعد الإنساني والسياسي والثقافي، وتستند إلى فهم عميق لخصوصية السياق السوداني مع الاستفادة من الأدوات النظرية العالمية. كما تكمن أهمية مشروعه في تحويل النقد النظري إلى ممارسة عملية، وتجاوز الانقسامات السياسية إلى فضاء إنساني مشترك.
غير أن مشروع حامد يظل، مثل أي مشروع فكري وعملي طموح، مثاراً للجدل والنقاش. الأسئلة التي يطرحها حول استقلالية المجتمع المدني، وعلاقته بالدولة والنزاع، ودوره في التحول الديمقراطي، ومفهوم دولة المواطنة الذي يدعو إليه، هي أسئلة مفتوحة تحتاج إلى مزيد من النقاش والتنقيب. وما يقدمه مشروعه من إطار نظري ورؤية استراتيجية يشكل إضافة نوعية للنقاش العام حول مستقبل السودان، ويمثل نموذجاً للفعل الفكري الملتزم بقضايا وطنه وشعبه. في زمن تتزايد فيه التعقيدات والأزمات في السودان، تظل الحاجة ماسة إلى مثل هذه الأصوات النقدية المستقلة التي لا تكتفي بالرصد والتحليل، بل تسعى إلى تقديم بدائل عملية قابلة للتطبيق. ومهما كانت نتائج المسار الثالث والمانيفستو والمشاريع الثقافية على المدى القصير، فإن إسهام حامد النظري والعملي في إعادة تعريف دور المجتمع المدني السوداني وصياغة رؤية جديدة للدولة سيظل محطة مهمة في تاريخ الفكر والنضال المدني في السودان.
المراجع
- الراكوبة. (2026، 27 مايو). المسار الثالث: نحو دور جديد للمجتمع المدني في السودان. صحيفة الراكوبة.
- راديو دبنقا. (2026، 19 يونيو). انطلاق أعمال مؤتمر المجتمع المدني السوداني الشامل اليوم الجمعة. راديو دبنقا.
- سدرة العالمية. (2026). منظمة سدرة الإنسانية العالمية – نبذة تعريفية. Sidra International.
- سودان للجميع. (2005، 9 مايو). فلنحكي عن جامعة الخرطوم وغيرها – صفحة 3. سودان للجميع.
- سودانيز أونلاين. (2007). ملف شخصي: محمد جمال الدين. سودانيز أونلاين.
- سودانيز أونلاين. (2007، 18 أكتوبر). حوار مع منسق شبكة منظمات السودان للسلام والتنمية (نصون) لاهاي/هولندا. سودانيز أونلاين.
- سودانيز أونلاين. (2011، 7 أبريل). بعض ذكرياتي وذاكرتي بالوثائق!. سودانيز أونلاين.
- سودانيز أونلاين. (2024، 14 أبريل). ما فات على محمد جمال من بدائع الكلم والمقال. سودانيز أونلاين.
- سودانيز أونلاين. (2025، 9 ديسمبر). الخطة الإستراتيجية للمسار الثالث في السودان (مسار لا سياسي ولا عسكري/ أمني). سودانيز أونلاين.
- السودان200. (2017، 23 أكتوبر). مشروع السودان200 (كتابة وتوثيق السودان في 200.. 1821م وإلى الآن). سودانيز أونلاين.
- صحيفة التحرير. (2025، 25 أبريل). تعليقا على مؤتمر لندن.. منظمة سدرة: الوضع في السودان يتطلب إعلاء العمل الإنساني فوق أي مسار سياسي. صحيفة التحرير.
- المشروع الثقافي السوداني. (2025، 8 أغسطس). المشروع الثقافي السوداني.. تفرقنا السياسة وتجمعنا الثقافة. سودانيز أونلاين.
- مانيفستو مستقبل السودان. (2026، 18 أغسطس). مانيفستو لسودان المستقبل! تحت عنوان: نقول ولا نقول — مخيال وثقافة دولة المواطنة. سودانيز أونلاين.
- مكتبة محمد جمال الدين. (2026). محاور مشروع السودان200. فيسبوك.
- Ultra Sudan. (2020، 7 مارس). محمد جمال الدين.. رجّ المقدّس في غناء الحقيبة. Ultra Sudan.
- Gamaleldin, M. (2010, August 24). Dilemmas of civil society in Sudan in concept and practice. Sudan Tribune.
