من «الحروب الجديدة» إلى «الدولة التي لم تُبنَ بعد»:
قراءة نقدية في كتاب ماري كالدور الحروب الجديدة: العنف المنظم في عصر العولمة ومقاربة حرب أبريل السودانية من منظور الذكاء التاريخي للدولة
د. صلاح أحمد الحبو
تمهيد
لم تعد الحرب في القرن الحادي والعشرين مجرد مواجهة عسكرية بين جيوش نظامية تسعى إلى تحقيق أهداف سياسية محددة، كما وصفها كارل فون كلاوزفيتز باعتبارها “استمراراً للسياسة بوسائل أخرى”، بل أصبحت ظاهرة أكثر تعقيداً تتداخل فيها السياسة بالاقتصاد، والهوية بالعنف، والجريمة المنظمة بالصراع على السلطة.
ومن بين أهم المحاولات الفكرية لفهم هذا التحول يأتي كتاب المفكرة البريطانية ماري كالدور الحروب الجديدة: العنف المنظم في عصر العولمة (New and Old Wars: Organized Violence in a Global Era)، الذي قدم أحد أكثر التحليلات تأثيراً لطبيعة النزاعات المسلحة بعد نهاية الحرب الباردة.
غير أن حرب أبريل السودانية تكشف أن فهم الحروب الجديدة لا يكتمل بمجرد تحليل طبيعة العنف، بل يحتاج إلى العودة إلى السؤال الأعمق: كيف تصل الدولة إلى مرحلة تصبح فيها الحرب احتمالاً دائماً؟
وهنا تظهر الحاجة إلى الانتقال من تحليل “الحرب الجديدة” إلى تحليل الدولة التي لم تُبنَ بعد؛ أي الدولة التي لم تستكمل مؤسساتها التاريخية، ولم تؤسس قواعدها فوق الدستورية، ولم تبنِ رأسمالها المؤسسي القادر على منع انهيارها أمام الصراعات.
ماري كالدور وتحول طبيعة الحرب
ترى كالدور أن الحروب الجديدة تختلف عن الحروب التقليدية في طبيعتها وأطرافها وأهدافها. فهي ليست بالضرورة حروباً بين دول، وإنما صراعات داخلية معقدة تشارك فيها جماعات مسلحة، وشبكات اقتصادية، وفاعلون عابرون للحدود.
وتتميز هذه الحروب بعدة سمات رئيسية:
تراجع احتكار الدولة للعنف المشروع.
صعود الجماعات المسلحة غير النظامية.
تحول المدنيين إلى أهداف رئيسية للعنف.
استخدام الهويات المحلية والإثنية والدينية كأدوات تعبئة.
اعتماد اقتصاد الحرب على الموارد غير الرسمية والشبكات غير المشروعة.
وبذلك تصبح الحرب نفسها منظومة مصالح، إذ لا يكون الهدف دائماً تحقيق انتصار عسكري نهائي، وإنما السيطرة على الموارد والنفوذ وإعادة تشكيل المجال السياسي.
حرب أبريل السودانية: تطبيق أم تجاوز لنظرية الحروب الجديدة؟
تكشف الحرب السودانية منذ أبريل 2023 عن العديد من السمات التي وصفتها كالدور:
فهي لم تعد مجرد مواجهة عسكرية محدودة، بل تحولت إلى أزمة وطنية شاملة امتدت آثارها إلى المجتمع والاقتصاد والمؤسسات والدولة نفسها.
كما برزت فيها مظاهر متعددة من الحروب الجديدة:
تعدد مراكز القوة المسلحة.
تداخل العسكري بالاقتصادي.
هشاشة المؤسسات المدنية.
انهيار الوظائف الأساسية للدولة.
اتساع دائرة الاستهداف المدني.
لكن الحالة السودانية تفرض سؤالاً أكثر عمقاً:
هل الحرب هي التي أنتجت ضعف الدولة؟
أم أن ضعف الدولة التاريخي هو الذي جعل الحرب ممكنة؟
من نقد الحروب الجديدة إلى نقد الدولة
تكمن أهمية الحالة السودانية في أنها تكشف حدود نظرية ماري كالدور.
فالنظرية تشرح كيف تغيرت الحرب، لكنها لا تشرح بالقدر الكافي لماذا تصبح بعض الدول بيئة قابلة للحرب.
إن الأزمة السودانية لا يمكن اختزالها في ظهور فاعلين مسلحين أو في تأثيرات العولمة، بل ترتبط بأزمة أقدم: أزمة بناء الدولة الوطنية.
فمنذ الاستقلال ظل السودان يواجه تحديات تأسيس دولة حديثة قادرة على إدارة التنوع، وبناء المؤسسات، وتحويل الاختلافات الاجتماعية والثقافية إلى مصدر قوة وطنية بدلاً من تحويلها إلى خطوط انقسام.
ومن هنا يمكن القول إن حرب أبريل ليست فقط حرباً بين قوى مسلحة، بل هي لحظة تاريخية كشفت أن مشروع الدولة السودانية ظل غير مكتمل.
الذكاء التاريخي للدولة: إطار جديد لفهم الأزمة
إن مفهوم الذكاء التاريخي للدولة يقدم مدخلاً مختلفاً لفهم الأزمة.
فالذكاء التاريخي لا يعني امتلاك الدولة لتاريخ طويل، بل يعني قدرتها على التعلم من تاريخها، وتحويل تجاربها وأزماتها إلى مؤسسات وقواعد تمنع تكرار الفشل.
الدولة ذات الذكاء التاريخي العالي تستطيع أن:
تؤسس شرعية تتجاوز الأشخاص والأنظمة.
تبني مؤسسات مستقلة ومستقرة.
تصوغ عقداً اجتماعياً جامعاً.
تجعل الدستور تعبيراً عن توافق وطني لا مجرد وثيقة سياسية.
تدير التنوع باعتباره ثروة لا تهديداً.
أما الدولة التي تفشل في بناء هذا الذكاء التاريخي، فإنها تبقى معرضة للعودة إلى دوائر الانقلاب والعنف والانقسام.
ما بعد الحرب: إعادة بناء الدولة لا إعادة إنتاج الماضي
إن أكبر خطأ يمكن أن يقع فيه السودان بعد الحرب هو محاولة العودة إلى مرحلة ما قبل أبريل، لأن تلك المرحلة نفسها كانت تحمل أسباب الانفجار.
فالمطلوب ليس إعادة بناء ما تهدم فقط، وإنما بناء ما لم يكتمل أصلاً.
إن إعادة الإعمار الحقيقية تبدأ من إعادة بناء الأصول غير المادية للدولة:
الثقة العامة.
الشرعية.
سيادة القانون.
استقلال المؤسسات.
المبادئ فوق الدستورية.
الهوية الوطنية الجامعة.
فهذه هي البنية العميقة التي تمنح الدولة قدرتها على مقاومة الانهيار.
خاتمة
تكشف قراءة حرب أبريل السودانية في ضوء كتاب ماري كالدور أن السودان يعيش بالفعل إحدى صور “الحروب الجديدة”، لكنه في الوقت ذاته يقدم دليلاً على أن الحرب ليست سوى العرض الأخير لأزمة أعمق: أزمة دولة لم تكتمل.
فالمستقبل السوداني لن يُبنى فقط بإيقاف القتال، وإنما بإعادة تأسيس الدولة على قاعدة جديدة؛ دولة تمتلك ذكاءً تاريخياً يجعلها قادرة على التعلم من ماضيها، وبناء مؤسساتها، وتحويل التنوع إلى مصدر قوة، بحيث تصبح الدولة أقوى من الصراع عليها.
فالمعركة الحقيقية بعد حرب أبريل ليست فقط إنهاء الحرب، بل بناء دولة لا تنتج الحرب من جديد.
habobsalah@gmail.com
