من الذي تآمر على حياتنا فحولنا إلى مجتمع استهلاكي؟ الرحلة من الكسرة إلى الرغيف

 


 

 

 

لفت انتباهي مقال كتبه د. النور حمد حول معضلة الاستيراد ومعايير المستورد، حمل فيه على سياسات الاستيراد التي ظلت تمارس لأمد طويل وأدت إلى إغراق السوق السوداني ببضائع رديئة الصنع مثل أثاث المنازل والأدوات الكهربية. وذهب فيه إلى أن هذه الممارسة تمثل مظهراً للتحالف بين السياسيين وأصحاب الأعمال بهدف تحقيق مصالح شخصية على حساب الصالح العام. وملاحظة د. النور في محلها تماماً، وفي تقديري أنها أحد مظاهر فعل ظل يمارس بتؤدة وتروي وعلى مدار مدى زمني ممتد لتغيير سلوكنا وأسلوب حياتنا من نمط معيشة يعتمد على ما تنتجه أرضنا وتصنعه أيدينا إلى أسلوب استهلاكي يعتمد على الآخرين في تدبير أمر المعاش، بما في ذلك انتاج الطعام وصناعه الملبس وتوفير وسائل الارتفاق بالحياة.

أول مظاهر هذا التحول تغيير طبيعة المائدة السودانية من أطعمة تعتمد على مواد ينتجها المزارعون السودانيون، وتجود بها الأرض السودانية إلى أطعمة إما أنها مستوردة أو تعتمد في غالبها على عناصر مستوردة. فقد تم استبدال الأطعمة التي تعتمد على الذرة التي تنتجها هذه الأرض على امتداد تاريخها، بالقمح الذي لا تصلح زراعته بصورة تقل فيها مخاطر المناخ، إلا في مناطق قليلة في الشمال، ويجلب غالبه من وراء البحار. فالذرة هي المحصول الذي اعتاد السودانيون على زراعته على امتداد حواشات السودان ومزارعه، وتصلح تربته ومناخه لإنتاجه، كما كانت الكسرة والعصيدة بمختلف مسمياتها الطعام الراتب في وجبات السودانيين. وعلى سبيل المثال قد نشأت في مدينة الدويم، ولم تكن الأفران التي تنتج الرغيف في سبعينات القرن الماضي تزيد على أصابع اليد الواحدة. ورغم أن والدي كان يمتلك فرناً من بينها، إلا أن الكسرة كانت أمراً راتباً في مائدة منزلنا. وبنفس القدر فإن الدوكة التي تستخدم في صناعة الكسرة تحتل حيزاً محترماً في ركن أي منزل من منازل المدينة، وطواحين الذرة في عدد من الأحياء.
أعتقد أننا وقعنا فريسة عمل مدبر أدى إلى فشلنا في أن نحافظ على نمط الطعام المعتمد على الذرة وتطويره، واستبدلناه بطعام لا تنتجه أرضنا بالكفاية اللازمة. وكانت محصلته النهائية أن استهلاك السودان من القمح تجاوز مليوني طن وفق الإحصاءات الرسمية، بينما بلادنا تنتج ما لا يزيد عن 15% من مجمل هذه الكمية. وهذه نسبة مفزعة تشعر بالخوف، لارتهاننا للصادر والفشل في تدبير الموارد لاستيراده بالقدر الكافي في ظل تهاوي اقتصادنا وعدم قدرته على توفيره العملة الصعبة اللازمة لضمان وجوده بالكفاية المطلوبة.
جرى إدارة هذا التغيير على طعامنا بتؤدة وفي نطاق زمني ممتد بالقدر الذي أخرجه عن أن يكون مجرد ذوق في اختيار بعض الأطعمة وتفضيلها من بين أصناف معروضة إلى أن يكون إملاءً لأسلوب في الاختيار على مستوى المأكل والملبس واختيار حاجيات الحياة اللصيقة. وكانت المحصلة النهائية فقدان السيادة الغذائية وإزالة المحصن الأساسي الذي يقينا شر الاعتماد على الغير.
من ناحية تاريخية فإن القمح لم يحتل مقامه على المائدة السودانية كطعام راتب إلا بعد الغزو التركي المصري، فقد كان غذاءً لجنود الجيوش الغازية جلبوه معهم ضمن ما أدخلوه علينا من ثقافة. فبوركهارت الذي زار السودان الشمالي قبيل الغزو، لم يلحظ وجود القمح في مزارع السودانيين رغم أن الفترة التي زار فيها السودان كانت في فصل الشتاء التي تنجح فيها زراعة القمح، ووثق وجود الذرة كطعام ثابت لأهل الشمال. وجاء بعده إدوارد روبيل بعد استتباب الحكم التركي المصري بعدة سنوات فوجد أن القمح قد بدأ يدخل على استحياء، في طعام بعض السودانيين. ومع نهايات الحكم التركي المصري بدأ يشكل وجود واضحاً في بعض المناطق الحضرية لدى بعض العلية من القوم. فمثلاً يذكر سلاطين باشا في كتابه السيف والنار في السودان أن الإمام المهدي في هجرته إلى جبال النوبة قصد أن يقضي بعض الوقت في جبل تاج الله، فأرسل له الملك آدم أم دبالو هدية من القمح والغنم ورسالة تنصحه أن يتوغل إلى داخل الجبال فاستقر في منطقة قدير.
وبالنظر لدول الجوار من حولنا فلا تزال الأطعمة التقليدية تشكل غالب غذاء أهلها، فالأنجيرا هي طعام غالب الأثيوبيين وتجدها تحتل موقعها في قائمة الأطعمة في أرقى فنادق أديس أدببا وجبة أساسية تقدم للمواطنين والزوار. كما أن العصيدة المصنوعة من الدخن والذرة تمثل طعام غالب أهل تشاد في وجباته المختلفة. وكثير من الدول الافريقية لم تفرط في الاعتماد على انتاج أراضيها كما فرطنا نحن، وظلت معتمدة على الإنتاج المحلي الذي يتناسب مع تربتها ومناخها.
رفعت الإنقاذ أول أيامها شعار (نأكل مما نزرع ونلبس مما نصنع) وهو شعار لم تصكه الإنقاذ وإنما استلفته من أدبيات أخرى، فقد سبقها على صياغته الأديب اللبناني جبران خليل جبران قبل أكثر من مائة عام حين قال: (ويلٌ لأمة تأكل مما لا تزرع، وتلبس مما لا تخيط، وتشرب مما لا تعصر). ولم تستطع الإنقاذ من ناحية عملية أن تطبق هذا الشعار على أرض الواقع، وسارت في سياساتها الاقتصادية وفي معالجتها له عكس الاتجاه الذي يقود إلى تطبيقه. فتوسعت في صناعة القمح في مشروع الجزيرة على حساب القطن، وفتحت المجال لتسهيل زيادة وارده ودعمه ليكون طعاماً رخيصاً يغري بالتخلي عن الأطعمة الأخرى.
بدأت عدة مبادرات فردية لتطوير الطعام الذي يعتمد على الذرة ومنها انتاج سلالات جديدة قابلة لإدخالها بنسب كبيرة في صناعة الرغيف، كما أقيمت بعض المصانع الصغيرة لإنتاج الكسرة بالقدر الذي يجعلها طعاماً منافساً للرغيف، إلا أن هذه المبادرات تحتاج إلى الدعم الحكومي بوضع استراتيجيات وسياسات واضحة تجعل أهدافها قابلة للتحقيق، وذلك من خلال زيادة فرص تمويل زراعة الذرة ودعم الأبحاث والجهود التي تعيد لها مكانها المتوج في طعام السودانيين.
أبوذر الغفاري بشير عبد الحبيب

abuzerbashir@gmail.com

 

آراء