عبدالغني بريش فيوف
ليس هناك ما هو أشد خطراً على مستقبل الأوطان من مثقف يطوّع قلمه لتبرير الإبادة، وأكاديمي يستعير مصطلحات المنهجية العلمية والتفكيك المعرفي ليغسل بها دماء موثقة في صفحات التاريخ، وحين يتحول المثقف إلى محامٍ قبلي يدافع عن أسلافه مرتكبي المجازر، فإنه لا يزوّر الماضي فحسب، بل يشرعن لجرائم الحاضر ويمهد لكوارث المستقبل المظلمة.
في مقاله المعنون “حين يُستدعى التاريخ كأداة كراهية: في تفكيك أسطورة الهولوكوست المنسي”، يطل علينا الدكتور الوليد آدم مادبو بمرافعة بائسة ومكشوفة، يحاول من خلالها إنقاذ صورة الخليفة عبدالله التعايشي من وحل الجرائم والمجازر التي ارتكبها ضد العديد من القبائل السودانية.
إن هذا المقال، في جوهره ومآلاته، ليس بحثاً عن الحقيقة التاريخية المفقودة، بل هو مانيفستو صريح ينادي بوضوح بالإفلات من العقاب والعدالة، ومحاولة تفتقر للذكاء للتقليل من فداحة إبادة جماعية لا يمكن حجبها بغربال التلاعب اللفظي أو تذويبها في سياقات التبرير الواهية.
تشريح الإنكار وشرعنة الفوضى..
يحاول الدكتور مادبو في مقاله أن يوهم القارئ بأن الانخفاض المريع في أعداد سكان السودان إبان حقبة الخليفة التعايشي كان مجرد نتيجة طبيعية وعرضية للفوضى والمجاعات والأوبئة والحروب الداخلية التي ضربت البلاد.
هذا الطرح يمثل قمة التدليس الأكاديمي والتزوير المخل، إذ يتعمد الكاتب بسبق إصرار وترصد إغفال حقائق تاريخية دامغة ومثبتة لا تقبل الجدال، تمثلت في سياسة التهجير القسري والإبادة الممنهجة التي مارسها الخليفة التعايشي ضد قبائل بعينها، خاصة في أقاليم الشمال والوسط، لأسباب تتعلق بتوطيد حكمه الشمولي وإحلال عشيرته ومواليه مكان السكان المعارضين له بقوة السلاح.
عندما نستحضر ما حدث في مدينة المتمة عام 1897، فإننا لا نتحدث عن أوبئة طبيعية أو كوارث مناخية، بل عن مجزرة موثقة وقرار عسكري صريح أصدره الخليفة ونفذه محمود ود أحمد لإبادة قبيلة الجعليين، في حادثة سُبيت فيها النساء وقُتل فيها الشيوخ والأطفال العزل، وبالمثل، لم تكن الإعدامات الجماعية والشنق وقطع الأطراف من خلاف التي طالت أبناء قبيلة البطاحين في أم درمان مجرد تفاعلات لشبكة معقدة من علاقات القوة كما يدعي المقال، بل كانت وحشية مفرطة وتطهيرا دمويا استهدف مجموعة إثنية محددة لإرهاب البقية، ولم يكن تدمير البنى الاجتماعية والاقتصادية لقبائل الشكرية والعبدلاب صدفة عابرة، بل كان عملا هندسيا ديموغرافيا مقصودا لإفراغ الأرض من أهلها.
إن محاولة الدكتور مادبو تذويب جرائم الخليفة التعايشي الموثقة في وعاء فضفاض اسمه المجاعات والأوبئة، هي محاولة لقتل الضحايا مرتين، مرةً بسيف وسياط الخليفة في الماضي، ومرةً بقلم الأكاديمي الانتقائي في الحاضر.
العصبية القبلية تحت غطاء الموضوعية الأكاديمية..
إن الدوافع الحقيقية وراء هذا المقال لا تخفى على ذي بصيرة، فالدكتور الوليد مادبو، بانتمائه الإثني لذات الحاضنة القبلية التي ينحدر منها الخليفة عبدالله التعايشي، يسقط سقوطا مدويا في فخ العصبية المنتنة، متخليا عن كل أدوات البحث العلمي الرصين والتجرد الأكاديمي الذي يدعيه، بدلا من أن يمتلك الشجاعة الأخلاقية للاعتراف بأخطاء وجرائم شخصية تاريخية أوردت البلاد موارد الهلاك، نجده يستميت في الدفاع عنها، محاولا توزيع دم الضحايا على القبائل والعهود الأخرى.
يعمد الكاتب إلى استدعاء أحداث تاريخية سابقة لحقبة الخليفة، مثل حملة الدفتردار التركي الانتقامية أو الصراعات القديمة بين قبائل الشايقية والدناقلة، ليبرر بها فظائع التعايشي.
هذه المغالطة المنطقية التي تقوم على مبدأ “وماذا عن جرائم الآخرين”، لا تبرئ المجرم الماثل في قفص التاريخ، بل تثبت تهافت المدافع عنه.
إن جريمة الدفتردار الغازي لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تبرر جريمة التعايشي السوداني ضد أبناء وطنه، ومحاولة مادبو إرساء قاعدة أن الجميع مارس القهر، هي فلسفة خطيرة وتدميرية تؤسس لمبدأ شيطاني مفاده، بما أن الجميع أجرم في الماضي، فلا يحق لأحد أن يحاسب أحداً اليوم، وبالتالي تصبح الإبادة مجرد وجهة نظر.
تنظير الإبادة والجسر بين الخليفة وميليشيا الجنجويد..
الخطورة القصوى والمخيفة في مقال الوليد مادبو لا تكمن فقط في قراءته المشوهة والمبتسرة للتاريخ، بل في توظيف هذا التشويه المتعمد لتبرير واقع كارثي ودموي نعيشه اليوم.
إن دفاعه المستميت عن جرائم الخليفة التعايشي ومحاولته إيجاد مخارج تاريخية وسياسية لها، ليس سوى تمهيد فكري وتنظير منهجي لتبرير جرائم ومجازر ميليشيا الدعم السريع، المعروفة بالجنجويد.
الرجل يمارس بوعي تام دور المنظّر والمشرعن لهذه الميليشيا القبلية التي تعيث في الأرض فسادا وخرابا منذ عام 2003 في إقليم دارفور، وصولا إلى حربها الشاملة اليوم ضد الدولة السودانية وشعبها ومؤسساتها.
القارئ المتفحص لمقال مادبو يدرك بوضوح أن تبريراته للماضي تتطابق بشكل مفزع مع تبريرات ميليشيا الدعم السريع للحاضر، فمنهجية إخضاع القبائل المعارضة بالقوة المفرطة في عهد التعايشي تُستنسخ اليوم في الإبادة الجماعية التي طالت المساليت في الجنينة، والتهجير القسري لسكان الخرطوم والجزيرة والفاشر.
وكما استجلب الخليفة عشيرته ومواليه وأحلهم في أراضي الغير مغيّراً التركيبة الديموغرافية للبلاد، تقوم الميليشيا اليوم باحتلال منازل المواطنين واستجلاب المرتزقة لتغيير هوية الأرض، وكما يتم تغليف جرائم المهدية المتأخرة بغطاء توطيد أركان الدولة الوطنية الوليدة، تُغلف جرائم الميليشيا اليوم بشعارات زائفة حول محاربة دولة 56 ودحر الفلول، وفي كلتا الحالتين، يوفر المثقف المنحاز، من أمثال مادبو، الغطاء الأكاديمي والفكري لتنظيف مسرح الجريمة التاريخي والحالي.
إن الدكتور مادبو، من خلال هذا الطرح، يكشف عن عقلية لا تؤمن بالدولة الوطنية المدنية ومؤسساتها، بل تؤمن بعقلية الغزو والإحلال والاستبداد الإثني، وهو يدافع عن الخليفة التعايشي لأنه يرى في الميليشيا الحالية امتدادا عرقيا وتاريخيا لذلك المشروع الإقصائي البحت، ويحاول أن يسبغ عليه شرعية تاريخية وهمية.
الإفلات من العقاب كشيفرة للدمار الشامل..
ينادي مقال الدكتور مادبو بكل صراحة ووضوح، بين السطور وفي ظاهرها، بترسيخ ثقافة الإفلات من العقاب والعدالة، إنه يعيد إنتاج المعادلة المظلمة التي تدمر الأوطان، والتي تقوم على إنكار الجرائم التاريخية وتبرير العنف القبلي، مما يؤدي حتما إلى تكرار الإبادة في الحاضر بلا رادع أخلاقي أو قانوني.
لا يمكن بناء أي وطن معافى ومستقر في العالم دون تطبيق مبدأ عدم الإفلات من العدالة، تطبيقا صارما وحاسما، فالأمم التي تعافت من ماضيها الدموي وحروبها الأهلية الطاحنة، لم تفعل ذلك عبر كتابة مقالات تُكذّب المحارق والمجازر وتطمس معالمها كما يفعل مادبو، بل عبر الاعتراف الصريح بها، وإدانتها وتوثيقها بدقة، ومحاكمة مرتكبيها أو إدانة رموزها تاريخيا، ثم التأسيس لعدالة انتقالية صارمة تضمن عدم التكرار.
أما المسار الذي يمهده الدكتور مادبو بقلمه، فهو مسار التبرير الذي يرسل رسالة واضحة للميليشيا اليوم مفادها، استمروا في القتل، واغتصبوا النساء، وهجّروا الآمنين من قراهم ومدنهم، واحتلوا بيوتهم، فغدا سيأتي مثقف من أبناء جلدتكم ليكتب مقالا يصف فيه جرائمكم المروعة بأنها مجرد فشل بنيوي في بناء الدولة، وسيصف من يطالب بمحاكمتكم والقصاص منكم بأنه شخص إقصائي، يستدعي التاريخ كأداة كراهية.
تفكيك المغالطات وسقوط السردية..
يسعى المقال جاهدا لتسويق مغالطة كبرى تدعي أن الدولة المهدية لم تكن مشروعا إثنيا بل حركة دينية عابرة للقبائل، ورغم أن الإمام المهدي هو من أسس الحركة على أسس دينية في بداياتها، إلا أن الحقيقة التاريخية الثابتة تؤكد أنه بمجرد تولي الخليفة التعايشي مقاليد السلطة، تم تحويل الدولة وانحراف مسارها بالكامل لتصبح مشروعا عشائريا إقصائيا خالصا، تم إقصاء الأشراف، واضطهاد أبناء البحر والوسط، وتقريب قبيلة التعايشة وتمليكهم مقاليد الأمور ومفاصل الدولة وثروات البلاد وأراضي القبائل الأخرى بقوة السلاح والبطش.
وللتهرب من هذه الحقائق، يلجأ الكاتب إلى حجة الضعيف العاجز، مدعيا أن الأرقام والمصادر التي تتحدث عن مجازر الإبادة، هي مجرد مصادر بريطانية استعمارية مغرضة تهدف لتشويه المهدية.
هذا الطرح يتجاهل عمدا أن هذه الجرائم متواترة ومحفورة بعمق في الذاكرة الشعبية السودانية، وموثقة في أشعار الرثاء والمناحة التي تناقلتها الأجيال، ومسجلة بدقة في مذكرات السودانيين المعاصرين لتلك الفترة المظلمة، مثل مذكرات رائد التعليم بابكر بدري، ووثائق نعوم شقير المعتمدة على شهادات محلية حيّة.
هل كان كُتّاب القصائد الذين بكوا دماء المتمة وأشلاء البطاحين عملاء للإمبراطورية البريطانية ينفذون أجندة إمبريالية؟
كذلك، يطرح المقال فكرة أن أزمة السودان تتلخص في احتكار النخب المركزية النيلية للسلطة والثروة، وحتى بفرض وجود أخطاء هيكلية ارتكبتها النخب المتعاقبة منذ الاستقلال، فإن هذا لا يعني بأي حال من الأحوال تبرير إبادة أهل الشمال والوسط بأثر رجعي، ولا يعني أن معالجة التهميش المزعوم أو الخلل التنموي تتم عبر تكوين ميليشيا عرقية همجية تمارس الاغتصاب الممنهج، وتدفن المواطنين أحياء، وتستبيح القرى الآمنة، وتنهب المحاصيل، وتدمر البنية التحتية، كما يحدث اليوم في مختلف بقاع السودان.
في الختام.. يبدو مقال الدكتور الوليد آدم مادبو وكأنه صرخة يأس أخيرة من مثقف أدرك أن مشروع الميليشيا التي يمثلها فكريا وتنظيريا، يترنح وفي طريقه للزوال الحتمي أمام وعي وصمود الشعب السوداني، ولذلك، قرر هذا المثقف القبلي أن يتخندق في وحل التاريخ المظلم، مستدعيا روح الخليفة التعايشي وسياساته الدموية، ليمنح بها شرعية الدم والغنيمة لمرتزقة الحاضر.
لقد أثبت مادبو بوضوح لا لبس فيه، أنه يقرأ الماضي لا ليفهم تعقيداته ويستخلص العبر منه لبناء مستقبل أفضل، بل لينبش فيه بخبث ويسخّره وقودا لمعركة ميليشياوية عنصرية تهدف إلى محو الآخر وكسر شوكة الوطن.
إن من يمتلك الجرأة لإنكار المحارق والمجازر التي طالت قبائل السودان في عهد الخليفة التعايشي تحت لافتات أكاديمية مزيفة، هو ذاته العقل الذي سينكر جرائم الإبادة والتطهير العرقي في الجنينة والفاشر، وحملات الاغتصاب والنهب في الخرطوم، ومذابح قرى ولاية الجزيرة، وسيعتبرها مجرد إفرازات طبيعية لحرب ضروس.
لا يمكن بأي حال التسامح مع من يبرر الإبادة ويشرعن الفظائع، فالتاريخ لا يسامح المزورين، ودماء السودانيين في الماضي التليد والحاضر الأليم، أطهر وأغلى بكثير من أن تُمسح بمقال بائس يفوح برائحة العصبية القبلية المقيتة، كُتب بحبر من تبرير رخيص، ليدافع عن مجرمي الأمس، ويمهد الطريق، بكل صفاقة، لمجرمي اليوم، فالعدالة لا تسقط بالتقادم، والأوطان العظيمة لا تُبنى أبداً على جثث الضحايا المنكَرين.
bresh2@msn.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم