بقلم :امين محمد الجاك عامر – المحامي
لليوم الثاني على التوالي، لم تأتنا الكهرباء في مكاتبنا بالسوق، فتأثرنا وتأثر معنا أصحاب الأعمال في المحال والمكاتب المجاورة. قضينا ساعات طوالًا في انتظار عودة التيار الكهربائي، وبعد أن فرغنا من كل الحكاوي والونسة، واستنفدنا ما لدينا من أحاديث، ولم يبقَ لنا ما نفعله سوى الانتظار، قررنا أن ندندن ونغني علّنا نُسلّي أنفسنا ونقتل الوقت إلى حين مجيء الكهرباء.
وكانت البداية مع أغنية الفنان المبدع حمد الريح، من كلمات الشاعر عزمي أحمد خليل، التي تقول:
رجيتك وفي انتظار عينيك
كملت الصبر كلو
أنا وأشواقي والساعة ميعادك
جينا من قبلو
لمن راح زمن جيتك
خطاك في دربي ما طالو
شفقت عليك من السكة…
وهكذا، ونحن ننتظر الكهرباء، استدعينا زمنًا جميلًا من زمن الأغنيات السودانية الأصيلة، وكأننا نردد كلمات الأغنية في انتظار ضيف طال غيابه، وهو في حالتنا هذه التيار الكهربائي الذي لم يفِ بموعده معنا!
وفي نهاية المطاف، قررنا الانصراف إلى منازلنا، وهناك وجدنا أن الكهرباء قد جاءت ثم انقطعت مرة أخرى، وفقًا لجدولتها المعهودة.
ولما كان الجو داخل الغرف لا يُطاق، قررت أن أستلقي في الحوش، مستمتعًا بالهواء الطلق والجو الطبيعي، بعيدًا عن حرارة الغرف وضيقها. لكنني لم أكن أعلم أنني على موعد مع غزوة ليلية ستجعلني أندم على هذا القرار!
فبعد صلاة المغرب، هجمت عليّ قوة مشتركة ومتحالفة من جيوش البعوض والناموس، وفي لمح البصر أحكمت سيطرتها على كامل أعضاء جسدي، ولم تترك فيه مكانًا إلا واتخذته موقعًا للعض واللسع. عندها بدأت حركة الانكراش المعروفة، محاولًا حماية ما تبقى من جسدي ودمائي من هذا الهجوم الكاسح.
وبينما أنا في تلك الحالة، سمعت طرقات على الباب، فقمت مسرعًا لأعرف من الطارق الذي اختار هذه اللحظات الحرجة لزيارتنا.
كان أحد الأصدقاء، وقد جاء من المشاريع الزراعية، قاطعًا مسافة ليست بالقصيرة، إذ كان لديه طلب خاص أراد أن يعرضه عليّ قبل أن يتوجه إلى داره. وبعد السلام والتحايا، جلسنا نتجاذب أطراف الحديث، فأخبرني أنه قادم من مشروعه الزراعي الذي بشّره هذا الموسم بإنتاج طيب، غير أن فرحته لم تكتمل؛ فقد تعرض المحصول لهجمات شرسة من أسراب الطيور القادمة من أدغال أفريقيا، التي انقضّت على الزرع والتهمت ثلثي المحصول في رمشة عين، دون أن يجد أصحاب المشروع وسيلة فعالة لمكافحتها أو الحد من أضرارها.
قلت له: والله يا صديقي، أنا مصدقك في كل كلمة قلتها، بل إنني أعيش الآن تجربة مشابهة لتجربتك! فأنت تعرض محصولك لهجمات الطيور، وأنا أتعرض لهجمات البعوض والناموس. وأخشى أن تكون هذه الجيوش قد أخذت ثلثي دمي، كما أخذت الطيور ثلثي محصولك!
وهكذا اكتشفنا أن بيننا قاسمًا مشتركًا؛ فكلاهما ضحية غزوة منظمة، وإن اختلفت ساحات المعركة. هو يدافع عن محصوله في المشروع الزراعي، وأنا أدافع عن جسدي في حوش المنزل، وكلانا يبحث عن وسيلة للنجاة من هذا الهجوم الذي لا يرحم!
ثم حكيت لصديقي قصة دندنتنا النهارية في المكتب، وكيف بدأنا يومنا مع أغنية حمد الريح ونحن ننتظر الكهرباء. وقلت له إن هذه الدندنة تستحق أن نختمها مساءً بأغنية أخرى، تناسب ما نحن فيه من هجمات متزامنة للطيور والناموس والبعوض.
فاستدعيت من ذاكرة الأغنيات السودانية أغنية الفنان العاقب محمد الحسن، التي يقول أحد أبياتها:
من بعيد بتعيش معاي
في فؤادي وفي عيوني وفي دماي…
وما إن رددت هذه الكلمات حتى وجدتني أعيش مع البعوض والناموس، لا من بعيد كما تقول الأغنية، وإنما عن قرب شديد؛ في فؤادي وعيوني، وللأسف الشديد، في دماي أيضًا!
وبعد أن ودعت صديقي، وجدت نفسي أمام سؤال لا يحتمل التأجيل: كيف يمكننا أن نحمي بيوتنا من جيوش البعوض والناموس، خصوصًا في ظل انقطاع الكهرباء، واضطرارنا إلى البحث عن الهواء الطلق في الحوش والساحات؟
قررت أن أستعين بقوقل، لعلني أجد عنده ما يعينني على مواجهة هذه الجيوش. وبالفعل، وجدت مجموعة من الإرشادات التي يمكن أن تساعد في الحد من انتشار البعوض والناموس داخل المنازل وحولها، ومن أهمها:
أولًا: التخلص من المياه الراكدة.
وذلك بتفريغ المياه المتجمعة في صحون أصص الزرع والأواني والإطارات القديمة وغيرها من الأماكن التي يمكن أن تتجمع فيها المياه، مع تفقد هذه المواقع بانتظام، مرة واحدة على الأقل أسبوعيًا.
ثانيًا: تغطية خزانات المياه وحاويات التخزين.
ينبغي إحكام إغلاق خزانات المياه والأوعية التي يمكن أن تصل إليها إناث البعوض لوضع البيض، حتى لا تتحول إلى بؤر لتكاثره.
ثالثًا: الاهتمام بالحدائق والنباتات المحيطة بالمنازل.
يمكن زراعة بعض النباتات العطرية، مثل النعناع والريحان واللافندر وعشب الليمون، للاستفادة من رائحتها، مع العلم أن هذه النباتات وحدها لا توفر حماية مضمونة من البعوض.
رابعًا: استخدام الناموسيات ووسائل الحماية المناسبة.
فالناموسيات، خاصة أثناء النوم، تساعد على تقليل التعرض للسعات البعوض، ويمكن الاستعانة بوسائل الطرد والرش بالمبيدات المعتمدة، مع الالتزام بتعليمات الاستخدام والسلامة.
ولا بد كذلك من الاهتمام بنظافة المصارف ومحيط المنازل، والتعاون بين الجيران في إزالة مصادر تكاثر البعوض، لأن مكافحة هذه الحشرات ليست مسؤولية فرد واحد، وإنما مسؤولية المجتمع بأسره.
إننا في ود مدني، وفي ظل ظروف الكهرباء التي تأتي وفق جدول زمني لا نملك تغييره، نحتاج إلى تكاتف الجهود الرسمية والشعبية حتى نستطيع أن ننعم بنوم هادئ، وجلسات مسائية مريحة، بعيدًا عن لسعات البعوض والناموس.
أما أصحاب المشاريع الزراعية الذين تعرضت محاصيلهم لهجمات الطيور، فنحن نتعاطف معهم، وندرك حجم الخسارة التي لحقت بهم، خاصة بعد موسم بذلوا فيه الجهد والمال وانتظروا ثمرته. ونأمل أن تجد هذه المشكلة اهتمامًا من الجهات الزراعية المختصة، من خلال دراسة أسباب الهجمات، وتقديم الإرشادات والوسائل المناسبة لحماية المحاصيل، دون الإضرار بالتوازن البيئي.
وهكذا، بين كهرباء تنتظرها فلا تأتي، وبعوض لا تنتظره فيأتيك دون استئذان، وطيور تهجم على المحاصيل فتأكل ما زرعه أصحابها، تمضي أيامنا في مدني، نبحث فيها عن أبسط مقومات الحياة، ونحاول أن نصنع من تفاصيلها حكايات تستحق أن تُروى.
ومع ذلك، يبقى الأمل حاضرًا، وتبقى الأغنية السودانية رفيقة دربنا في ساعات الانتظار، وملاذنا الجميل كلما ضاقت بنا الأحوال.
وكان الله في عون أهل المشاريع الزراعية، وفي عوننا جميعًا في معركتنا اليومية مع جيوش البعوض والناموس. ونحسب أن في الصبر على هذه المشاق أجرًا، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «في كل كبد رطبة أجر»
