من هندسة الهيمنة إلى التفكيك العنيف (3)

من هندسة الهيمنة إلى التفكيك العنيف:
علاقات الأرض والإنسان والدولة في السودان من إرث الاستعمار إلى مآلات الحرب الراهنة (3-5)
(تشكل هذه الدراسة خلفية تاريخية ضمن مشروع بحثي يستضيفه معهد التخطيط المكاني بجامعة فيينا للتكنولوجيا، ويهدف إلى إعداد مقترح لخطة مكانية استراتيجية للإعمار المنصف والمستدام في السودان ما بعد الحرب. وقد نُشرت مسودة هذه الورقة على منصة ResearchGate)
د. مريم محمد عبدالله وقيع الله

  1. هندسة الهيمنة في مشروع الإسلامويين: توظيف الدين، العنف، والموارد في خدمة التمكين
    تشير “هندسة الهيمنة الإسلاموية” إلى المشروع المنهجي الذي تبنّاه الإسلاميون في السودان لإعادة تشكيل الدولة والمجتمع من منظور ديني مؤدلج. تجاوز هذا المشروع السيطرة السياسية المباشرة، ليمتد إلى الاقتصاد، والتعليم، والإعلام، والعمران، مع توظيف منظم للدين وتطويع لأدوات الحداثة البيروقراطية لبناء نظام سلطوي مغلّف بشرعية رمزية. يسعى هذا المقال إلى تفكيك مكونات هذا المشروع، عبر تحليل أدواته في إنتاج الهيمنة، بما يشمل التمكين، العنف المؤسسي، السيطرة على الموارد، وضبط المجال العام ماديًا ورمزيًا.
    1.3. حسن الترابي وهندسة مشروع الهيمنة الإسلاموية
    عاد حسن الترابي إلى السودان عام 1964 بعد استكمال دراساته القانونية في بريطانيا وفرنسا، مزودًا بتكوين قانوني غربي ورؤية سياسية إسلامية شمولية(1). بخلاف نخب ما بعد الاستقلال التي ورثت بنية الدولة الاستعمارية دون مساءلة نقدية، أدرك الترابي الطبيعة الهيكلية للدولة الحديثة وآليات إعادة إنتاج سلطتها. ووفقًا لقراءة تستلهم أطروحات فانون، لم يسعَ الترابي إلى تفكيك هذه البنية بل أعاد هندستها، موظفًا الدين كأداة للهيمنة الرمزية والروحية، بديلاً عن خطاب الحداثة الاستعماري.
    يتقاطع مشروع الترابي مع ما يسميه أشيل مبيمبي بـ”عنف الدولة ما بعد الاستعمار”، إذ تتحول الدولة من أداة لخدمة المواطنين إلى وسيط لإعادة إنتاج السيطرة(2). وبينما انشغلت النخب التقليدية بالصراع داخل الجهاز البيروقراطي الموروث، عمد الترابي إلى إعادة توظيف هذا الجهاز ضمن إطار أيديولوجي إسلاموي يخدم مشروعًا سلطويًا شاملاً، مركّزًا على خطاب ديني مؤسلم لتبرير الهيمنة(3).
    بدأ الترابي نشاطه من داخل جماعة الإخوان المسلمين، مستفيدًا من تراجع الأحزاب الطائفية التقليدية في الستينيات(4)، وركّز على استثمار المزاج المحافظ وشيطنة القوى اليسارية، خصوصًا الحزب الشيوعي، عبر وصمهم بالإلحاد في مجتمع ذي طابع ديني تقليدي(5). في عام 1964 أسّس “جبهة الميثاق الإسلامي” كواجهة سياسية، لكن مشروعه لم يحظَ بقبول شعبي واسع. وفي 1969، أصبح الأمين العام للجماعة، ما أدى إلى انقسامات داخلية، ثم جاء انقلاب جعفر نميري، بدعم يساري، ليؤدي إلى حظر الجماعة رسميًا(6).
    رغم الحظر الرسمي، أعاد الإسلاميون التمركز داخل الجامعات بعد 1971، مستفيدين من تصفية الحزب الشيوعي وما خلّفه ذلك من فراغ أيديولوجي. في هذا السياق، وظّف حسن الترابي خطابًا موجّهًا للشباب، يدمج بين الدعوة الدينية والطموح الاجتماعي، مكّنه من بناء قاعدة طلابية ذات ولاء شخصي عالٍ. وقد تميز هذا الولاء بـ”العقل التحميلي” – أي التلقي غير النقدي للفكر والرموز(7) – حيث ساد نمط من التقليد الكامل لشخصية الترابي، بلغ حد محاكاته في الحديث والسلوك، مع طاعة شبه عمياء. كان الترابي واعيًا بأثر العاطفة في تحريك الجماهير، فاستثمر البعد الديني في بناء خطاب تعبوي يستند إلى الرمزية والكاريزما الشخصية، متجاوزًا بذلك الأطر الحزبية التقليدية. وقد ساعده هذا الوعي السيكولوجي، كما يوضح غوستاف لوبون، في توجيه الانفعال الجمعي والسيطرة على السلوك الجماهيري من خارج منطق(8).
    بعد فشل المحاولة الانقلابية عام 1976، اتجه حسن الترابي نحو “المصالحة الوطنية” مع نظام نميري عام 1977، ما مكّنه من اختراق مؤسسات الدولة، كالأمن والجيش والاقتصاد والتعليم والإعلام، ضمن خطة بعيدة المدى لإعادة تشكيل السلطة من الداخل(9). بالتوازي، عمل على التوسع التنظيمي والجغرافي للحركة الإسلامية، مستهدفًا بناء قاعدة شعبية واسعة تمتد من الريف إلى المدن، مستفيدًا من تراجع نفوذ الحزب الشيوعي بعد قمعه، والفراغ الأيديولوجي الذي خلّفه(10).
    بلغ هذا المشروع ذروته عام 1983 بإقرار “قوانين سبتمبر”، التي أعادت تعريف الحاكم بوصفه “خليفة الله”، في تجسيد لما يسميه أشيل مبيمبي بـ”تديين الدولة”، حيث تُكسى السلطة بطابع ديني لتبرير العنف(11). وبلغ هذا التوظيف ذروته في إعدام المفكر محمود محمد طه عام 1985، كأبرز لحظة استخدمت فيها الرمزية الدينية لتصفية أحد أبرز رموز التجديد الفكري والمعارضة السلمية(12).
    عقب انتفاضة أبريل 1985، سقط نظام نميري، وعادت الحياة الحزبية، غير أن الإسلاميين، بفضل اختراقهم للمؤسسات خلال المصالحة، حافظوا على نفوذهم، لا سيما في الجهاز القضائي، والقطاعين الاقتصادي والإعلامي. هذا التمركز المؤسسي شكّل قاعدة لعمل منظم ساهم في تعطيل التحول الديمقراطي وتعزيز الانقسامات الجهوية والدينية(13).
    كان اتفاق 1988 بين محمد عثمان الميرغني وجون قرنق، القاضي بتجميد قوانين الشريعة، لحظة تهديد وجودي للمشروع الإسلاموي(14)، إذ لم تكن الشريعة بالنسبة للحركة الإسلامية مجرد إطار قانوني، بل حجر الزاوية في مشروع أيديولوجي يهدف إلى إعادة تشكيل الدولة والمجتمع. وكما يشير عبد الله النعيم، فإن تطبيق الشريعة في السودان لم يكن تعبيرًا عن قداسة دينية، بل أداة للضبط السياسي وتكريس الهيمنة(15)
    أمام هذا التهديد، نسّق الترابي انقلاب 30 يونيو 1989 مع المؤسسة العسكرية بقيادة عمر البشير، معلنًا بدء مرحلة جديدة من الحكم العسكري–الإسلاموي. استمر هذا المشروع لثلاثة عقود، اتسمت بالاستبداد، وتقييد المجال العام، وهيمنة خطاب ديني شمولي، وظّف أدوات الدولة كافة لضبط الحياة والموت تحت عباءة شرعية دينية مفترضة.
    2.3. من الدولة المدنية إلى السلطوية الدينية: مسار توطيد الهيمنة المؤسسية
    عشية انقلاب 30 يونيو 1989، تعمّد حسن الترابي إخفاء دوره المركزي في التخطيط السياسي والأيديولوجي، عبر توزيع منسق للأدوار بين قيادة الجبهة الإسلامية والضباط المنفذين، لإضفاء طابع عسكري صرف على العملية(16). وقد نُسب إليه قوله: “اذهب أنت إلى القصر رئيسًا، وسأذهب أنا إلى السجن حبيسًا”، في حبكة مسرحية هدفت إلى تقديم الانقلاب كتحرك مهني مستقل(17). ساهم هذا الإخراج في تقليل الصدمة داخليًا، وتحييد ردود الفعل الدولية في المراحل الأولى.
    ما إن ترسّخت أركان الحكم الجديد بعد انقلاب 1989 في السودان، حتى شرعت السلطة في تنفيذ مشروع أيديولوجي واسع النطاق عُرف بـ”سياسة التمكين”، استهدف إعادة هيكلة الدولة ومؤسساتها بما يضمن السيطرة الكاملة للحركة الإسلامية على مفاصل السلطة. تم ذلك عبر عملية تطهير إداري واسعة، أُقصيت خلالها الكوادر المهنية والمستقلة، أو تلك المحسوبة على القوى السياسية المعارضة، لا سيما في الوزارات السيادية مثل الإعلام، والتعليم، والداخلية، والمالية(18). وقد مهّدت هذه الخطوات لتحويل الدولة إلى أداة حزبية، في ما يمكن وصفه بأنه تفكيك ممنهج للدولة الوطنية القديمة، وإعادة تشكيلها لتخدم مشروع “دولة الحزب الواحد(19).
    على المستوى التشريعي، أُعيد تشكيل البرلمان ليكون أداة تابعة للسلطة التنفيذية، من خلال التعيينات المباشرة والسيطرة على العمليات الانتخابية، ما حوّله إلى جهاز وظيفي لإضفاء الشرعية الشكلية على قرارات النظام، لا مؤسسة تمثيلية حقيقية. أما الجهاز القضائي، فقد خضع بدوره لإعادة هيكلة عميقة شملت فصل قضاة مستقلين، وإنشاء محاكم استثنائية، وتمرير قوانين تقيّد استقلال القضاء، مما جعله أداة سياسية في يد النظام، تُستخدم لتصفية الخصوم وتكريس الولاء الأيديولوجي(20).
    وامتد التمكين إلى أجهزة الأمن والمخابرات، التي تحوّلت إلى أدوات حزبية تُسخّر لحماية النظام لا الدولة، في مشهد يتقاطع مع ما وصفه أشيل مبيمبي بـ”السلطة السيادية التي تتجاوز القانون لتعيد إنتاجه وفق منطق الهيمنة”(21). فقد مارست هذه الأجهزة أدوارًا تتجاوز الوظيفة الأمنية التقليدية، لتشمل التدخل في الإعلام والاقتصاد وحتى توجيه القرار السياسي.
    وفي المجال الخارجي، استُخدمت وزارة الخارجية والسفارات كأذرع دعائية للترويج لمشروع الإسلام السياسي عالميًا، ما جعل السودان في تلك المرحلة مركزًا إقليميًا للحركة الإسلاموية، خصوصًا من خلال ارتباطه بحركة الإخوان المسلمين. وقد انعكس ذلك في تحالفات مثيرة للجدل، مثل دعم نظام صدام حسين خلال غزو الكويت، ما أدى إلى تدهور العلاقات مع مصر ودول الخليج، ودخول السودان في عزلة دبلوماسية(22). كما أدى تورّط النظام في دعم جماعات مسلحة ومتطرفة إلى إدراجه ضمن قائمة الدول الراعية للإرهاب وفرض عقوبات دولية مشددة عليه.
    و بالتالي مثّلت سياسة التمكين أداة مركزية لتحويل الدولة السودانية إلى جهاز شمولي يخدم نخبة مرتبطة بالحركة الإسلامية، عبر احتكار القرار وتطهير مؤسسات الدولة من المعارضين. ومع تصاعد الإقصاء، فقدت الدولة طابعها المؤسسي، وتحولت إلى بنية عقائدية تُكرّس الاستبداد تحت غطاء ديني.
    3.3. الاقتصاد في مشروع الإسلامويين: بين خطاب الاكتفاء وبنية النهب المؤسسي
    منذ استيلاء الجبهة الإسلامية القومية على السلطة عبر انقلاب 30 يونيو 1989، تبنّى نظام الإنقاذ خطابًا شعبويًا يرتكز على شعارات الاكتفاء الذاتي، مثل “نأكل مما نزرع ونلبس مما نصنع”، بالتوازي مع ادعاء القطيعة مع الاقتصاد الرأسمالي وتبنٍّ صوري لنموذج “الاقتصاد الإسلامي”. غير أن الممارسة العملية لهذا الخطاب كرّست نمطًا ريعيًا طفيليًا يقوم على الولاءات السياسية والأيديولوجية، ويفتقر إلى قاعدة إنتاجية مستقرة، بينما أُخضعت مفاهيم الكفاءة والعدالة لتأويل ديني شرعن التفاوت وأضعف آليات المحاسبة(23).
    في مرحلته الأولى، أطلق النظام “البرنامج الثلاثي” (1989–1992)، الذي ركّز على تعبئة الموارد الداخلية عبر الضرائب وتقليص الإنفاق التنموي لصالح الأمن والجيش، ما أضرّ بالمنتجين الصغار ورفع معدلات الفقر. لاحقًا، اعتمدت “الاستراتيجية القومية الشاملة” (1992–2002)، التي مزجت شعارات الاكتفاء الذاتي بإصلاحات ليبرالية جزئية، استجابة لتوصيات المؤسسات المالية الدولية. لكن الخصخصة نُفذت بشكل انتقائي، حيث بيعت الأصول العامة بأسعار زهيدة لنخب موالية(24)، دون جذب استثمار أجنبي فعلي، بفعل العزلة التي فُرضت على السودان منذ إدراجه على قائمة الدول الراعية للإرهاب عام 1997.
    في إطار سياساته النيوليبرالية الانتقائية، شرع نظام الإنقاذ في خصخصة الأراضي الزراعية بموجب قانون الاستثمار لعام 1990، مستندًا إلى ترسانة قانونية استعمارية أبرزها قانون الأراضي لعام 1925، إلى جانب تشريعات لاحقة مثل قانوني 1970 و1984. استخدمت هذه القوانين لإعادة توزيع الأرض تحت مسمى “المصلحة العامة”، ما أدى إلى سلب المجتمعات المحلية حقوقها التاريخية دون استشارة أو تعويض منصف. وقد نتج عن ذلك بروز طبقة اقتصادية جديدة مرتبطة بالنظام، مدعومة بأجهزة أمنية وخطاب ديني يمنح المشروعية لهذه الممارسات. وأسهمت هذه السياسات في تفكيك البنية الريفية، وتصاعد الفقر والهجرة، وخلق بيئة خصبة للنزاعات المسلحة، خصوصًا في مناطق الهامش(25).
    رغم العقوبات الغربية، تمكّن نظام الإنقاذ من جذب استثمارات صينية لتطوير قطاع النفط، الذي دخل مرحلة الإنتاج في عام 1998. وقد وفّرت العائدات النفطية استقرارًا ماليًا مؤقتًا، إلا أن الجزء الأكبر منها وُجّه لتعزيز الأجهزة الأمنية والعسكرية، بدلًا من دعم القطاعات الإنتاجية أو الخدمية. كما وثّقت تقارير دولية حجمًا كبيرًا من الفساد المؤسسي داخل قطاع البترول، شمل اختلاسات، غياب الشفافية، وتحويل أموال إلى شبكات مرتبطة بالنظام(26). لكن بعد انفصال الجنوب في 2011، وفقدان معظم العائدات النفطية، اتجه النظام إلى الذهب كمورد بديل. وقد استوعب التعدين التقليدي اكثر من مليون عامل، لكنه تسبب في نزاعات حول ملكية الأرض، وتدهور بيئي وصحي واسع بسبب استخدام مواد سامة. ويصف تيموثي ميتشل هذا النمط بـ”اقتصاد الاستخراج”، حيث تُوظف الدولة كوسيط ريعي يخدم مصالح النخب على حساب المجتمع المنتج(27).
    في موازاة تفكك البنية الإنتاجية، أدت سياسات النظام إلى نزيف بشري تمثل في هجرة آلاف الكفاءات من قطاعات التعليم والطب والهندسة(28)، نتيجة لانهيار الأجور وتدهور بيئة العمل وهيمنة الأجهزة الأمنية. وقد أضعف ذلك قدرة الدولة على التخطيط والتنفيذ، وعمّق تبعيتها للخارج، في انعكاس مباشر لما وصفه بول كوليير بسمات “الدولة الفاشلة” التي تطرد رأسمالها البشري بدل استثماره(29). أما الفئات غير المتعلمة، لا سيما المهجّرين داخليًا إلى أطراف المدن، فقد انخرطوا في القطاع غير الرسمي، الذي كان يستوعب أكثر من 60% من القوة العاملة(30). وفي ظل غياب الحماية الاجتماعية وارتفاع بطالة الشباب—خاصة ممن نشأوا في معسكرات النزوح دون تعليم أو تدريب—اندفع كثيرون إلى الهجرة الخطرة عبر طرق التهريب إلى المتوسط، في سعيٍ للهروب من واقع اقتصادي واجتماعي مأزوم.
    4.3. إنتاج الفضاء في مشروع الإسلامويين: التخطيط العمراني كأداة للهيمنة
    شهد السودان خلال حكم نظام الإنقاذ (1989–2019) توسعًا ملحوظًا في مشاريع البنية التحتية، خاصة في مجالات الطرق والطاقة والمرافق العامة. إلا أن هذا التوسع اتّسم بانعدام العدالة المكانية، إذ خضعت التنمية لمنطق مركزي رسّخ هيمنة الخرطوم، وعمّق الفجوة بين المركز والهامش(31). ورغم صدور قانون التخطيط العمراني والأراضي لعام 1994، الذي أقرّ مبدأ اللامركزية ومنح الولايات صلاحيات نظرية، ظلت السلطة الفعلية بيد نخب سياسية واقتصادية مرتبطة بالحزب الحاكم، في ظل تحكّم شبكات المصالح في القرار العمراني، مما أدى إلى تهميش الأقاليم وإقصائها من تحديد مساراتها التنموية(32).
    تركزت الاستثمارات على ربط العاصمة بالمراكز الكبرى، كما في مشروع طريق الخرطوم–عطبرة، في حين عانت مناطق مثل دارفور، جنوب كردفان وشرق السودان من ضعف حاد في الخدمات الأساسية والبنى التحتية. ورغم التحسن في إنتاج الكهرباء بعد تنفيذ سد مروي، ظل التوزيع غير عادل ومتمركزًا حول العاصمة(33). كما أسهمت سياسات الخصخصة في تدهور خدمات الصحة والتعليم، وأصبح الحصول عليها مرهونًا بالقدرة المالية للسكان.
    في قطاع الإسكان، استمر تطبيق نموذج تصنيف الأحياء على أسس طبقية، مع نزع أراضٍ عامة لصالح مستثمرين مقربين من النظام، ما زاد من تهميش الشرائح ذات الدخل المحدود. ونتيجة للنزوح الداخلي الواسع بفعل النزاعات، توسعت العشوائيات في الخرطوم حتى تجاوزت نصف المساحة الحضرية بحلول منتصف التسعينيات، دون إدماج فعلي ضمن خطط التنمية. بدلاً من ذلك، لجأت الدولة إلى سياسات الإزالة القسرية وإعادة التوطين في أطراف تفتقر إلى البنية التحتية والخدمات(34).
    رغم ذلك، شهدت بعض المدن، مثل بورتسودان، تحسينات في بنيتها التحتية، شملت رصف الطرق وتجميل الواجهة البحرية في الأحياء الراقية، لكن ذلك لم يعكس تحوّلًا تنمويًا متوازنًا. أما الخرطوم، فاستحوذت على الجزء الأكبر من الاستثمارات الأجنبية، لا سيما الخليجية، التي تجلّت في مشاريع عقارية كبرى مثل “مشروع سنط”، نُفذت دون تقييم بيئي أو مشاركة مجتمعية، ما أدى إلى التعدي على الأراضي الزراعية الفيضية وخصخصة الواجهات العامة على النيل، وزيادة المخاطر البيئية(35).
    وقد عبّرت خطة الخرطوم الهيكلية (2008–2033) عن هذا التوجه بشكل جلي، إذ كرّست رؤية عمرانية منحازة لمصالح النخب الموالية للنظام والمستثمرين العقاريين، من خلال إعادة تشكيل المجال الحضري بما يخدم اعتبارات الربح والنفوذ، متجاهلة احتياجات سكان الأطراف من الفئات المهمشة والمهجّرين داخليًا. وبدلًا من تعزيز تنمية حضرية عادلة ومتوازنة، تحوّل التخطيط العمراني إلى أداة لإعادة إنتاج الهيمنة، عبر منظومة قانونية ومؤسسية تُقصي مبادئ العدالة المكانية والحق في المدينة(36).
    5.3. الجهاد والعنف المقدس: أدوات الهيمنة الرمزية والسياسية في المشروع الإسلاموي
    اعتمد نظام الإنقاذ بقيادة عمر البشير على العنف المنهجي كأداة مركزية للسيطرة على المجالين السياسي والاجتماعي، في ممارسة تُجسّد ما وصفه أشيل مبيمبي بـ”سياسة الموت” (Necropolitics)، حيث تُسخّر سلطة الدولة للتحكم في الحياة والموت، انطلاقًا من منطق أيديولوجي إقصائي يتدثّر بعباءة الدين(37). لم يُستخدم العنف كوسيلة أمنية فحسب، بل أُضفيت عليه شرعية رمزية عبر خطاب ديني يصوّر المعارضين كأعداء لله والدين، كما في شعار: “فليعد للدين مجده، أو ترق كل الدماء”.
    في التسعينيات، واجه النظام الحراك السلمي بالقمع الشامل، ففكك النقابات، وقيّد الإعلام، واعتقل النشطاء وعذّبهم في مراكز سرية عُرفت بـ”بيوت الأشباح”، كما أُعدم 28 ضابطًا بعد محاولة انقلاب في 1990 دون محاكمات عادلة(38). وتعرضت النساء لعنف ممنهج قائم على النوع الاجتماعي، لا سيما العاملات في الاقتصاد غير الرسمي، في ظل غياب الحماية القانونية.
    في هذا السياق، أُطلقت الحرب في الجنوب بخطاب جهادي، صُوّرت فيه كمعركة ضد الكفر والتمرد، مما وسّع رقعة الصراع إلى جبال النوبة، النيل الأزرق، وشرق السودان. لجأ النظام لتجنيد الشباب قسرًا في معسكرات الخدمة الوطنية، وكان أبرز حوادثها مذبحة العيلفون عام 1998 التي راح ضحيتها أكثر من 70 شابًا حاولوا الفرار (39). كما حرّض قبائل عربية في مناطق التماس، خصوصًا بدارفور وكردفان، ضمن “قوات الدفاع الشعبي”، ما عمّق الانقسام الإثني وقوّض فرص السلام. وأسفرت الحرب الأهلية عن مقتل 400-600 ألف شخص وتشريد الملايين،(40) وانتهت بانفصال جنوب السودان في 2011.
    على المستوى الإقليمي، سعى النظام إلى تصدير مشروعه الإسلامي، فدعم المعارضة الإثيوبية ضد نظام منغستو، وساند الإسلاميين المعارضين لأسياس أفورقي، الذي ردّ باستضافة المعارضة السودانية. كما دعم إدريس ديبي في إسقاط النظام التشادي، قبل أن تنقلب العلاقة لاحقًا. وفي 1996، اتُّهم بمحاولة اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك في أديس أبابا (41). ومع تحوّل السودان إلى ملاذ لقيادات متطرفة، أبرزهم أسامة بن لادن، تصاعدت الاتهامات الدولية، فأُدرج السودان على قائمة الدول الراعية للإرهاب، وفرضت عليه عقوبات أميركية عام 1997(42).
    داخليًا، استُخدم خطاب التنمية لتبرير القمع في مشاريع السدود (مروي، كجبار)، حيث تعرضت قبائل المناصير وأمري والحامداب للتهجير القسري دون تعويض أو استشارة. وفي بورتسودان، قُتل 18 محتجًا من أنصار مؤتمر البجا عام 2005(43). وامتد هذا النمط إلى مناطق التعدين، حيث أُبعد المُعدّنون الأهليون لصالح شركات خاصة، كما حدث في دارفور ونهر النيل، وكذلك في قمع احتجاجات الجريف شرق بالخرطوم.
    اندلع الصراع في دارفور بعد انقسام الإسلاميين عام 1999 ونشر “الكتاب الأسود”، الذي كشف هيمنة المركز على السلطة، وشكّل تحولًا في خطاب جناح حسن الترابي نحو التعبئة الإثنية ضد خصومه داخل النظام. وردّت الحكومة بتسليح مليشيات الجنجويد من إثنيات عربية، لمواجهة الحركات المسلحة ذات الاصول “الأفريقية”، مما أدى إلى ارتكاب جرائم إبادة وتهجير واغتصاب(44). وفي 2013، أُعيد تنظيم هذه المليشيات ضمن “قوات الدعم السريع”، التي استخدمت في قمع الحركات و قمع الاحتجاجات السلمية، وعلى رأسها انتفاضة سبتمبر من ذات العام، ثم أُلحقَت برئاسة الجمهورية في 2017، لتصبح قوة أمنية مستقلة وموازية للجيش وخاضعة مباشرة للسلطة التنفيذية(45).
    توسّعت قوات الدعم السريع إقليميًا بمشاركتها في حرب اليمن ضمن التحالف السعودي-الإماراتي، وإرسال نحو 30 ألف مقاتل، إضافة إلى تجنيد آلاف العناصر عبر “عملية الخرطوم” بدعم أوروبي(46). هذا الحضور الخارجي عزز قدراتها العسكرية وعلاقاتها السياسية، ومنحها نفوذًا إقليميًا متزايدًا كفاعل أمني مستقل عن مؤسسات الدولة السودانية.
    6.3. خاتمة: الإنقاذ كنموذج سلطوي مؤدلج لإعادة إنتاج الدولة الاستعمارية
    تكشف تجربة حكم الإنقاذ في السودان (1989–2019) عن نموذج سلطوي مؤدلج، وظّف الدين كأداة للهيمنة وأعاد تشكيل مؤسسات الدولة وفق أسس أيديولوجية تخدم مشروعًا إسلامويًا شموليًا. ساهمت “سياسة التمكين” في تحويل أجهزة الدولة من مؤسسات عامة إلى أدوات حزبية، بينما جرى توظيف الاقتصاد والتخطيط العمراني لإعادة توزيع الموارد والسلطة لصالح نخبة مرتبطة بالنظام، على حساب مبادئ العدالة الاجتماعية والمكانية. كما أعيد إنتاج العنف السياسي تحت غطاء ديني، سواء في قمع الحراك السلمي داخل المدن أو عبر الحروب التي شُنّت على المجتمعات الطرفية تحت لافتة “الجهاد”.
    ورغم سقوط البشير في 2019، بقيت بنية العنف قائمة. احتفظ العسكريون بالسيطرة على الأجهزة الأمنية، وارتُكبت مجزرة القيادة العامة في يونيو من نفس العام. ثم أُجهض المسار الانتقالي بانقلاب 25 أكتوبر 2021 بقيادة البرهان وحميدتي، تلاه قمع دموي للاحتجاجات الشعبية، وصولًا إلى اندلاع الحرب بين الجيش والدعم السريع عام 2023، التي مثّلت ذروة لانهيار دولة تأسست على الهيمنة و الاستغلال و التهميش، ودخلت البلاد معها في نفق غامض ومفتوح على المجهول.

المراجع
 An-Na’im, A. A. (1990) Toward an Islamic Reformation: Civil Liberties, Human Rights, and International Law. Syracuse University Press (15)
 Berridge, W. J. (2020) Hasan al-Turabi: Islamist Politics and Democracy in Sudan, Cambridge University Press (1)
 Blanco, P. R. (2023). The curse of Sudan’s gold: Why one of the world’s poorest countries fails to profit from vast reserves. ELPAÍS. Retrieved 07. 24, 2025, from https://english.elpais.com/international/2023-05-10/the-curse-of-sudans-gold-why-one-of-the-worlds-poorest-countries-fails-to-profit-from-vast-reserves.html (27)
 Collier, Paul (2007) The Bottom Billion: Why the Poorest Countries are Failing and What Can Be Done About It. Oxford University Press (29)
 de Waal, Alex (2004) Islamism and Its Enemies in the Horn of Africa. Indiana University Press, pp. 189–192 (22)
 Eltayeb, G. (2003). Understanding Slums: Case Studies for the Global Report on Human Settlements, UN-HABITAT. Nairobi: UN-HABITAT. Retrieved 4, 3, 2016, from http://www.ucl.ac.uk/dpu-projects/Global_Report/pdfs/khartoum.pdf, (30)
 Fanon, F. (2004) The Wretched of the Earth. Trans. Richard Philcox. Grove Press, pp. 149–155 (2)
 Fargues, P., and Venturini, A. (2015). Migration from North Africa and the Middle East: Skilled migrants, development and globalization. London: I. B. Tauris. (28)
 International Crisis Group (ICG). (2006). Sudan: Saving Peace in the East (Africa Report No. 102). Brussels: ICG. Retrieved from: https://www.crisisgroup.org/africa/horn-africa/sudan/sudan-saving-peace-east (24-43)
 Lefebvre, H. (1996). Writings on cities (E. Kofman & E. Lebas, Eds. & Trans.). Blackwell. (36)
 Lesch, A. (1999) Sudan: Civil War and Failed Peace, Indiana University Press, pp. 120–12 (3-11-17)
 Lesch, A. M. (1986), Islamic Politics in the Sudan, Middle East Journal, Vol. 40, No. 3 (1986), pp. 414–430.
 Mamdani, M. (2010). Saviors and Survivors: Darfur, Politics, and the War on Terror. Pantheon Books (44)
 Mbembe, A. (2003). Necropolitics. Public Culture, 15(1), 11–40. (37)
 Mbembe, Achille (2001) On the Postcolony. University of California Press, pp. 24–30. (2-3-11-21)
 Mitchell, Timothy (2011) Carbon Democracy: Political Power in the Age of Oil. Verso, (28)
 Murillo, F., Osman, S., El Tahir, H., Kafeel, A. Osman, Kh. El Ghazali, B, Mustafa, A. (2009). Diagnosis Studies on Urban Sector, Khartoum State. Khartoum: UN-HABITAT with the MPPPU. Retrieved 06. 24, 2016, from https://www.academia.edu/29684436/URBAN_SECTOR_STUDIES_AND_CAPACITY_BUILDING_FOR_KHARTOUM_STATE (34)
 Pantuliano, S. Assal, M., Elnaiem, B., McElhinney, Schwab, M. Elzein, Y. Motasim, and Ali, M. (2011). City limits: urbanisation and vulnerability in Sudan,. London: Overseas Development Institute (ODI). Retrieved 1 22, 2016, from https://www.files.ethz.ch/isn/141173/6518.pdf (31-32)
 Pantuliano, Sara (2007): The Land Question: Sudan’s Peace Nemesis, Overseas Development Institute, Westminster Bridge Road, https://www.files.ethz.ch/isn/91175/2007-12_The%20Land%20Question.pdf (25)
 Sharfi, M. H. (2018). “Sudan and the assassination attempt on President Mubarak in June 1995: a cornerstone in ideological reverse,” Journal of Eastern African Studies, Taylor & Francis Journals, vol. 12(3), pages 454-472, July. (41-42)
 Sidahmed, A. (1997) Politics and Islam in Contemporary Sudan. Routledge, London (6-7-10-13–1620-38-)
 Sidahmed, Alsir (2016) Pursuing Transparency in Sudan’s Oil Industry, Sudan Transparency Initiative Series, Retrieved 07. 24, 2025, from https://s3.amazonaws.com/rgi-documents/d2b63132b550ece876bc58d1326b6f6af533cf1f.pdf , (26)
 United Nations Development Programme (UNDP). (2012). Sudan Human Development Report 2012. Khartoum: UNDP Sudan (33)
 Verhoeven, H. (2015). Water, Civilisation and Power in Sudan: The Political Economy of Military-Islamist State Building. Cambridge University Press (23)
 Wagialla, M. (2023) Between hunger for power and brutality: Where is Sudan heading? International V / 2023 (45-46)
 Wagialla, Mariam (2020) A GENDER-SENSITIVE LANDSCAPE PLANNING APPROACH IN URBAN TRANSFORMATION TO IMPROVE THE QUALITY OF EVERYDAY LIFE FOR ALL, Case Study: Khartoum City (PhD thesis), University of natural resources and life science (BOKU) Vienna. (34-35)
 Warburg, Gabriel (2003). Islam, Sectarianism and Politics in Sudan Since the Mahdiyya. C. Hurst & Co. Publishers, pp. 127–130 (4-5-9-12)
 Woodward, Peter. Sudan After Nimeiri. Routledge (14-)
 Young, John (2012). The Fate of Sudan: The Origins and Consequences of a Flawed Peace Process. Zed Books. (18-19-)
 DeWit. (2008). Land Policy Development in Post Conflict Sudan: Dealing with Delicate Balances in a Fluid Environment. the World Bank Conference on New Challenges for Land Policy and Administration Session. Washington. Retrieved 9, 17, 2016, from http://siteresources.worldbank.org/INTIE/Resources/475495-1202322503179/Draft_deWit_paper.pdf (40)
 Le Bon, G. (1896/2019): The Crowd: A Study of the Popular Mind, Pretorian Books (8)
 Sikainga, A. (2009): The World’s Worst Humanitarian Crisis’: Understanding the Darfur Conflict, https://origins.osu.edu/article/worlds-worst-humanitarian-crisis-understanding-darfur-conflict

marfa_1998@hotmail.com

عن مريم محمد عبدالله وقيع الله

مريم محمد عبدالله وقيع الله

شاهد أيضاً

من هندسة الهيمنة إلى التفكيك العنيف (4/5)

من هندسة الهيمنة إلى التفكيك العنيف:علاقات الأرض والإنسان والدولة في السودان من إرث الاستعمار إلى …