باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
السبت, 29 أغسطس 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
د. عبد المنعم مختار

من ورش الفخار إلى رماد الحرب

اخر تحديث: 29 أغسطس, 2026 8:14 مساءً
شارك

من ورش الفخار إلى رماد الحرب: التحولات الكبرى للصناعة السودانية بين التقليد والحداثة وآفاق النهوض في مرحلة ما بعد الصراع

د. عبد المنعم مختار
أستاذ جامعي في مجال الصحة العامة
المدير العام للشركة الألمانية-السودانية للبحوث والاستشارات وبناء القدرات
المدير التنفيذي لمركز السياسات القائمة على الأدلة والبيانات
moniem.mukhtar@gmail.com

الملخص

يتناول المقال تحولات القطاع الصناعي في السودان منذ جذوره التقليدية حتى آفاق إعادة البناء بعد الحرب الراهنة، مستعرضاً البنية الصناعية قبل النزاع، وحجم التدمير الذي طالها، والجهود المبذولة للتعافي، والدروس المستفادة، والتوصيات القابلة للتنفيذ. تنطلق المقدمة من الإرث الحرفي الممتد لآلاف السنين حيث أبدعت الحضارات النوبية والمروية في صناعة الفخار والمنسوجات والمشغولات المعدنية، ثم تنتقل إلى البدايات الحديثة مع الحرب العالمية الثانية وما تلاها من محاولات للنهوض الصناعي خلال مراحل الاستقلال، رغم معاناة هذا المسار من ضعف القاعدة الإنتاجية وتركيز الأنشطة في العاصمة والولايات الوسطى. يتناول الفصل الأول الحرف التقليدية كمرآة للهوية الثقافية، وعلى رأسها صناعة الفخار الذي يعود إلى آلاف السنين، وصناعة العنقريب والحصير والنجارة والحدادة والغزل والنسيج والأزياء الشعبية، مع استمرارية هذه الحرف في مناطق مثل شندي ودارفور، ودورها في الحفاظ على التراث. ثم يستعرض البدايات الحديثة مع إنشاء مصفاة بورتسودان عام 1964 ومصانع الحديد والإسمنت في عطبرة، ومشاريع الخطة العشرية من مدابغ ومطاحن ومصانع ورق ومصافي سكر.

ينتقل الفصل الثاني إلى بنية القطاع قبل الحرب، موضحاً مساهمته المتواضعة في الناتج المحلي التي تراوحت بين 12% و17% وفق تقديرات مختلفة، مع تشغيله لأكثر من 250 ألف عامل. يبلغ عدد المصانع نحو 6660 مصنعاً، لكن 40% منها كانت متوقفة بسبب ضعف التمويل وارتفاع التكاليف وأزمة الطاقة وإغراق الأسواق بالواردات. يستعرض المشاريع الكبرى كصناعة السكر بأربعة مصانع رئيسية وشركة كنانة بطاقة 330 ألف طن، وصناعات الأسمنت والحديد والصلب وتكرير النفط والأدوية، والمنطقة الصناعية جنوب الخرطوم للصناعات الثقيلة ومنطقة بحري بأكثر من 350 مصنعاً. ثم يقدم الفصل قائمة بأبرز 13 صناعياً سودانياً، وهم أسامة داؤود عبد اللطيف قائد مجموعة دال أغنى رجل في السودان بثروة تقدر بـ1.7 مليار دولار، ومعاوية البرير رئيس اتحاد الغرف الصناعية وصاحب 24 مصنعاً، ومحمد إبراهيم الملياردير البريطاني من أصل سوداني، وحسام أحمد إبراهيم صاحب أغنى عائلة بثروة 3.7 مليار دولار، وعائلة البرير، وعثمان الطيب رائد صناعة الجلود، ودايرة المهدي أول شركة زراعية سودانية بالكامل، وأزهري المبارك صاحب ثروة 400 مليون دولار في التعدين، وصالح عبد الرحمن يعقوب مؤسس مجموعة SAY، ومصعب عبد القادر، والمهندس طه السيد الروبي، وصلاح إدريس، وعمار عمر، مع توضيح تأثر جميع هذه الإمبراطوريات الصناعية بالحرب.

يفصل الفصل الثالث حجم الدمار الذي تسببته الحرب منذ 15 أبريل 2023، حيث تقدر خسائر القطاع الصناعي بين 50 و58 مليار دولار وفق اتحاد الغرف، مع خسائر زراعية بـ30 ملياراً وخدمات وبنوك. تكشف وزيرة الصناعة تدمير 1877 مصنعاً في الخرطوم وحدها، منها 553 تدميراً كلياً و1267 تدميراً جزئياً، مع تضرر 3493 منشأة صناعية شاملة ولايات الجزيرة وجنوب كردفان، وتدمير 450 مصنعاً كلياً في المنطقة الصناعية جنوب الخرطوم من أصل 650. يوضح الفصل عمليات النهب المنهجية التي طالت المواد الخام والمنتجات والماكينات وحتى الهياكل الحديدية والخرسانية، ويستعرض الآثار الاقتصادية الكلية من انهيار العملة من 600 إلى أكثر من 3000 جنيه مقابل الدولار، وانكماش الناتج المحلي بـ29% عام 2023 و13.5% عام 2024، وتوقف أكثر من 90% من النشاط الصناعي في مناطق النزاع، وخسائر مباشرة في القطاعات الإنتاجية تجاوزت 90 مليار دولار.

يتناول الفصل الرابع جهود الصمود والانتقال، حيث شرعت منشآت صناعية في الانتقال إلى الولايات الآمنة كنهر النيل والبحر الأحمر، مع دعم حكومي تمثل في تبسيط الإجراءات وتقديم حوافز ضريبية، ومعرض “نهر النيل للصناعة” بمشاركة 320 مصنعاً وشركة، وتخفيض رسوم تشغيل المصانع بنسبة 30% في ولاية نهر النيل. تستعرض المبادرات الفردية كإعادة تشغيل مصنع العطور لمحمد الشيخ رغم خسائر تجاوزت المليون دولار، ومحاولات مجموعة CTC لإعادة تأهيل خطوط الإنتاج، لكن هذه المبادرات تظل محدودة حيث لم تعد للعمل سوى 10% من المصانع المتضررة. توضح التحديات التي تواجه إعادة التشغيل كانعدام الكهرباء والمياه، وأضرار شبكة الكهرباء بـ3 مليارات دولار، وفقدان المخزون وهجرة الكفاءات، وتعقيدات استيراد قطع الغيار وارتفاع رسوم الموانئ وشح المواد الخام، وتأخر تشغيل بعض المصانع لأكثر من 310 أيام بدلاً من 50 يوماً.

يعرض الفصل الخامس خطط إعادة الإعمار، بدءاً بـ”مارشال السودان” كبرنامج استراتيجي لإعادة بناء القطاعات الإنتاجية مستلهماً خطة مارشال الأوروبية، مع تشكيل لجنة مختصة وإطلاق خطة خمسية 2026-2030. يتناول برنامج التعافي الصناعي مع اليونيدو للفترة ذاتها، الذي يركز على الأثر السريع وخلق فرص العمل ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة حول ثلاث سلاسل قيمة، مع تقديرات بتكاليف إعادة البناء بمئات المليارات وعقد اجتماع رفيع المستوى بالقاهرة سبتمبر 2026. يستعرض الدعم الإقليمي من الكوميسا بتدريب وتمويل المشاريع، ودعم فني من مصر، ومنتدى أعمال مع تركيا، وبعثة استثمارية أوروبية، مع التخطيط العلمي للمدن الصناعية الجديدة في الخرطوم. ثم ينقل مقترحات القطاع الخاص بتكوين مفوضية مستقلة لإعادة الإعمار بسلطات واسعة، وهيئة للرقابة ومكافحة الفساد، ومجلس تشريعي مؤقت من المجتمع المدني والنقابات، مع تأكيد معاوية البرير على دور القطاع الخاص محلياً وعربياً ودولياً في الإعمار، وحل الأزمات القانونية للصناعيين المتضررين، والتفاؤل بقدرة السودان على النهوض كأوروبا واليابان بعد الحرب.

يخلص الفصل السادس إلى الدروس المستفادة، في مقدمتها هشاشة التركيز الجغرافي حيث كانت الخرطوم تضم أكثر من 60% من المصانع، مما جعلها هدفاً سهلاً للتدمير، وغياب خطط الطوارئ والحماية ونقص التأمينات على مخاطر الحرب، وكون التدمير ممنهجاً كاستراتيجية لتعطيل القدرة الإنتاجية مع تركيز على البنية التحتية للطاقة، وهجرة الكفاءات والعمالة الماهرة حيث فقد واحد من كل خمسة أسر حضرية مصدر دخله، وضعف البنية التحتية للطاقة كعائق مزمن مع أضرار بـ3 مليارات دولار ومركزية مفرطة واعتماد على الدولة مع عدم كفاءة، مما يستوجب معالجة جذرية لقطاع الطاقة.

يقدم الفصل السابع توصيات قابلة للتنفيذ، تبدأ باللامركزية الصناعية وإعادة التوزيع الجغرافي مع إنشاء مجمعات زراعية صناعية متكاملة وعشر مدن صناعية متخصصة في الجزيرة، وإنشاء مفوضية مستقلة لإعادة الإعمار بصلاحيات واسعة وشفافية، وحماية ما تبقى من المنشآت ووضع خطط طوارئ، وإنشاء صندوق وطني للتمويل مع تشجيع الاستثمار الأجنبي وإسقاط الديون، وإعادة تأهيل شبكات الكهرباء والمياه والطرق مع التوسع في الطاقة الشمسية واعتماد ميثاق وطني للطاقة، ودعم القطاع الخاص وإعادة هيكلة ديونه وتقديم قروض ميسرة وتشجيع الشراكات الدولية، وبناء القدرات وإعادة استقطاب الكفاءات مع برامج تدريب وطنية، وتفعيل الحوكمة والشفافية ومكافحة الفساد مع تدقيق مستقل، وإعادة هيكلة القطاع نحو القيمة المضافة والصناعات الدوائية والإلكترونية والتعدينية مع تشجيع الابتكار والبحث.

تختتم المقالة بأن القطاع الصناعي الأكثر تضرراً بالحرب يتطلب إعادة بناء الدولة والمؤسسات والثقة، مع معالجة الهشاشة البنيوية، والاعتماد على رؤية وطنية وشراكة حقيقية بين الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني والمانحين، مؤكدةً أن إعادة الإعمار ليست خياراً اقتصادياً بل ضرورة وطنية لاستعادة القدرة الإنتاجية وتوفير العمل وتقليل الواردات، مع الرهان على قدرة السودانيين في تحويل المحنة إلى منحة.

النص الكامل للمقال

المقدمة التحليلية: جدلية الأصالة والحداثة في مسار التصنيع السوداني

يمثل القطاع الصناعي في السودان واحداً من أكثر القطاعات تعقيداً وتناقضاً في البنية الاقتصادية الوطنية، إذ يجمع بين إرث حرفي ضارب في عمق التاريخ وبين محاولات متعثرة للانخراط في منظومة التصنيع الحديث. تعود جذور النشاط الصناعي في السودان إلى آلاف السنين، حيث أبدعت الحضارات النوبية والمروية في صناعة الفخار والمنسوجات والمشغولات المعدنية، قبل أن تشهد الفترة الحديثة محاولات متقطعة للنهوض الصناعي بدأت مع الحرب العالمية الثانية واستمرت عبر مراحل الاستقلال والسياسات الاقتصادية المتعاقبة. غير أن هذا المسار الطويل ظل يعاني من تناقضات بنيوية تمثلت في ضعف القاعدة الإنتاجية، وتركيز الأنشطة في العاصمة والولايات الوسطى، وهيمنة القطاع العام في مراحل، ثم انسحابه المفاجئ في مراحل لاحقة دون أن يحل محله قطاع خاص قادر على قيادة عملية التصنيع. ومع اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، تعرض هذا البناء الهش لضربة قاصمة، إذ تحولت المصانع والمنشآت الصناعية إلى ساحات قتال وأهداف للنهب والتدمير المنهجي، لتكشف الحرب عن هشاشة النموذج التنموي السوداني وتعقد مسارات إعادة البناء في مرحلة ما بعد الصراع.

الفصل الأول: الجذور التاريخية العميقة للصناعة السودانية بين الحرفة والتصنيع المبكر

الحرف التقليدية: إرث حضاري يمتد لآلاف السنين

تعتبر الحرف اليدوية والصناعات التقليدية في السودان مرآة تعكس الحضارة والهوية الثقافية، وتعبر عن تراث يكتسب صفة التنوع من واقع تعدد قبائل وثقافات السودان (برجاس، 2024). ويعد الفخار من أقدم الحرف السودانية، حيث تعود جذوره إلى الحضارات النوبية التي استخدمت الأواني الطينية لتخزين الماء والطعام، وقد استمرت هذه الحرفة حتى اليوم، إذ يعود صنع الفخار في السودان إلى آلاف السنين وكان جزءاً لا يتجزأ من الحياة اليومية والطقوس والتجارة (Xinhua, 2025). وقد استخدم السودانيون القدماء طين النيل في صنع الأواني يدوياً، ثم حرقوها في حفر مكشوفة، في تقليد استمر عبر العصور وشهد تطورات لاحقة شملت استخدام الدولاب (Xinhua, 2025). وقد برعت الحضارة الكوشية، التي ازدهرت في الفترة من 2500 إلى حوالي 1450 قبل الميلاد، في صناعة أواني فخارية مميزة عرفت باسم “أكواب التوليب” (UCL, 2018). كما تشمل الحرف التقليدية السودانية صناعة الأسرّة الحبلية التقليدية (العنقريب )، والنجارة، والحدادة، والغزل والنسيج، وصناعة الحصير ، والأزياء الشعبية (Folk Culture, 2022). وفي الضفة الغربية للنيل بإقليم شندي، هناك استمرارية للعديد من الحرف والصناعات التقليدية أهمها صناعة الحديد والفخار والغزل والنسيج التي توارثتها الأجيال (إبراهيم، 2022). وقد ظهرت هذه الصناعات اليدوية كنشاط اقتصادي معبر عن البيئة المحيطة، وبدأت تساهم في التواصل الإنساني وفتحت آفاقاً للحوار بين الشعوب منذ قديم الزمن (سفارة السودان، 2024). ولم تقتصر هذه الحرف على الجانب الاقتصادي، بل لعبت دوراً محورياً في الحفاظ على الهوية الثقافية في مواجهة التغيرات الاقتصادية والاجتماعية (برجاس، 2024). وفي دارفور، تتميز الحرف التقليدية بوظائفها وجمالها واستخدامها مواد محلية، وقد توارثتها الأجيال محافظة على التراث الثقافي للمنطقة (ويكي دارفور، 2024). وتشكل مهنة صناعة الجلود في السودان جزءاً مهماً من الحضارة السودانية القديمة والحديثة، ورغم الحروبات المتفرقة وغزو المنتجات الجلدية المستوردة، ظلت هذه الحرفة صامدة.

البدايات الحديثة: من الحرب العالمية الثانية إلى الاستقلال

شهدت السودان محاولات منظمة للتصنيع الحديث تعود إلى فترة الحرب العالمية الثانية، حيث دعت الضرورة إلى التوجه نحو الإنتاج المحلي لتعويض نقص الواردات (Wikipedia, 2020). وقد مثلت هذه الفترة نقطة تحول في مسار التصنيع السوداني، إذ انتقل النشاط الصناعي من الحرف اليدوية المحدودة إلى محاولات إقامة مصانع ذات طابع حديث. ومع ذلك، ظلت هذه المحاولات محدودة النطاق وضعيفة التأثير في البنية الاقتصادية العامة. وخلال فترة الحكم التركي-المصري، بدأ ظهور نمط الإنتاج الرأسمالي الذي مهد الطريق لولادة الطبقة العاملة السودانية (الراكوبة، 2026). ومع استقلال السودان عام 1956، برز قطاع صناعي كان يساهم بحوالي 9% من إجمالي الناتج القومي، وبلغ عدد عمال الصناعة حوالي 12 ألف عامل (سودانايل، 2025). وفي ستينيات القرن الماضي، شهد السودان توسعاً صناعياً ملحوظاً تمثل في إنشاء مصفاة لتكرير النفط في بورتسودان افتتحت عام 1964 بتمويل وبناء أجنبيين (Country Studies)، ومصانع للحديد والصلب والإسمنت في عطبرة (Encyclopedia2). وقد شهد عهد الرئيس إبراهيم عبود (1958م – 1964م) بواكير الصناعة الحربية الحديثة في السودان، إذ تم في عام 1959 إنشاء مصنع الخرطوم للخرسانة المسلحة ومصنع السكر بعسلاية. كما تضمنت الخطة العشرية السودانية (1961/62–1970/71) إنشاء مصانع جديدة مثل المدابغ، ومطاحن الورق، ومصافي سكر، ومصنع للحليب المجفف (UNECA). وقد مثلت هذه المشاريع نواة للقاعدة الصناعية التي تطورت في العقود اللاحقة، وإن ظلت تعاني من مشكلات التمويل وضعف الكفاءة التشغيلية وارتفاع التكاليف.

الفصل الثاني: بنية القطاع الصناعي قبل الحرب – الحجم، التركيب، والإسهام الاقتصادي

الوزن النسبي للصناعة في الاقتصاد الوطني

شكلت الصناعة قبل اندلاع الحرب أحد الركائز الأساسية للاقتصاد السوداني، وإن ظلت مساهمتها متواضعة مقارنة بقطاعي الزراعة والخدمات. ففي الأشهر التي سبقت الحرب، أشارت تقديرات وزارة الصناعة إلى أن القطاع الصناعي ساهم بنسبة 17% من الناتج المحلي الإجمالي، إلى جانب الزراعة (32%) والخدمات (51%)، وفق تقارير بنك السودان المركزي (الجزيرة نت، 2024؛ سودان سكوب، 2026). وكانت الصناعة تمثل نحو 12% من الناتج المحلي الإجمالي وتوفر وظائف لنحو 20% من القوة العاملة (وكالة أنباء الصين، 2026). غير أن هذه الأرقام تخفي واقعاً أكثر تعقيداً، إذ تشير بيانات البنك الدولي إلى أن مساهمة قطاع التصنيع كانت أقل من ذلك، حيث بلغت القيمة المضافة للصناعة (بما في ذلك التشييد) نحو 4.87% من الناتج المحلي الإجمالي في عام 2022 (Trading Economics, 2024). ويعكس هذا التباين بين الأرقام الرسمية وبيانات المؤسسات الدولية الفجوة بين الإحصاءات الرسمية والواقع الفعلي، إضافة إلى اختلاف تعريفات القطاع الصناعي ومدى شموليتها.

عدد المصانع وحجم التشغيل

قبل الحرب، بلغ عدد المصانع في السودان نحو 6660 مصنعاً (الجزيرة نت، 2024). غير أن 40% من هذه المصانع، أي ما يعادل 2655 مصنعاً، كانت متوقفة عن العمل بسبب ضعف التمويل، وارتفاع تكلفة التشغيل، وأزمة الطاقة، وتعدد الرسوم التي تفرضها السلطات المحلية، وإغراق الأسواق بسلع مستوردة من دول السوق المشتركة لشرق وجنوب أفريقيا (الكوميسا) بأسعار أقل من المنتجات المصنعة محلياً (الجزيرة نت، 2024). وكان نمو القطاع الصناعي قبل اندلاع الحرب بطيئاً للغاية، حيث لم يتجاوز 2.5% سنوياً (تقارير اقتصادية). وفي عام 2022، أي قبل عام واحد من اندلاع الحرب، كشفت وزارة الصناعة السودانية عن توقف نحو 30% من المصانع العاملة بسبب عقبات تمويلية وتقنية (إندبندنت عربية، 2025). وكان عدد العاملين في القطاع الصناعي يتجاوز 250 ألف عامل (برس بي، 2024). وقد هيمنت المشاريع الصغيرة والمتوسطة على هيكل القطاع، مع تركيز على الأنشطة منخفضة القيمة المضافة مثل الصناعات الغذائية والمشروبات التي شكلت نحو 70% من النشاط الصناعي (Grokipedia, 2026).

المشاريع الصناعية الكبرى: العمود الفقري للصناعة السودانية

تضمنت الخريطة الصناعية السودانية قبل الحرب مجموعة من المشاريع الضخمة التي شكلت العمود الفقري للقطاع. في مقدمتها صناعة السكر، حيث امتلكت شركة السكر السودانية أربعة مصانع رئيسية في وسط السودان هي مصنع سكر الجنيد، وحلفا، وسنار، وعسلاية، وكانت مملوكة بالكامل للدولة مع وجود استثمارات عربية مشاركة (الجزيرة نت، 2024). كما شكلت شركة كنانة للسكر، التي تأسست في عام 1975 وبدأت نشاطها الإنتاجي عام 1984، بطاقة إنتاجية تبلغ 330 ألف طن سنوياً، مصدراً تصديرياً مهماً (البنك الدولي). وفي مجال الصناعات الثقيلة، شملت المشاريع الكبرى صناعات الأسمنت، والحديد والصلب والمعدات الزراعية وتكرير النفط وتجميع السيارات وإنتاج الإيثانول والأدوية (الجزيرة نت، 2024). وتضاف هذه الصناعات إلى الصناعات التحويلية التي تعتمد على المنتجات الزراعية بشقيها النباتي والحيواني، منها صناعات النسيج والسكر وزيوت الطعام واللحوم والجلود والأغذية والتعبئة. وقد أنشئت المنطقة الصناعية جنوب الخرطوم لتكون أكبر منطقة للصناعات الثقيلة في السودان، حيث ضمت مصانع للحديد وصهر الحديد، إلى جانب صناعات إلكترونية وتجميع إلكتروني، وأنشئت وفق معايير حديثة، ويتراوح عمرها بين 10 و15 عاماً (سودان تربيون، 2026). كما اعتبرت منطقة بحري الصناعية شريان الصناعة في السودان من حيث المساحة وعدد المصانع، حيث ضمت أكثر من 350 مصنعاً (سودانايل، 2026). وضمت هذه المناطق مصانع عملاقة مثل مجموعة CTC، التي كانت تعتبر أكبر مورد زراعي في السودان، ومصنعاً للمنتجات الكهربائية يضم جميع المكونات (رويترز، 2025). وقد مثلت هذه التجمعات الصناعية قلب النشاط الصناعي في البلاد، وجعلت من الخرطوم وضواحيها المركز الصناعي بامتياز، وهو ما كان له آثار كارثية عندما تحولت هذه المناطق إلى ساحات حرب.

كبار الصناعيين والفاعلين في القطاع الخاص: نخبة صناعية تواجه اختبار الحرب

شهدت السودان قبل الحرب وجود طبقة صناعية رأسمالية ناشئة، جاء معظمها من صفوف التجار المعروفين الذين تحولوا تدريجياً إلى الاستثمار الصناعي (Hull Repository, 2021). وقد تصدر هذه الطبقة عدد من الشخصيات والعائلات البارزة، الذين شكلوا العمود الفقري للقطاع الخاص وقادوا مسيرة التصنيع في البلاد. ومع اندلاع الحرب، واجهت هذه النخبة تحديات وجودية، إذ تعرضت مصانعها وأصولها للدمار والنهب، مما ألقى بظلاله على مستقبل الصناعة السودانية. نستعرض في هذا القسم أبرز 13 صناعياً سودانياً، مع تفاصيل عن إمبراطورياتهم الصناعية وتأثرهم بالحرب.

أسامة داؤود عبد اللطيف: وُلِدَ في 20 أبريل 1951، يُعتبر أغنى رجل في السودان وقائد “مجموعة دال” (DAL Group)، أكبر تكتل شركات خاص في البلاد، الذي يعمل في قطاعات الأغذية (منتجات سيقا، وكابو)، والهندسة، والطاقة، والعقارات، والبيع بالتجزئة. يعود تاريخ إنشاء مجموعة دال إلى عام 1951، وتولّدت من شركة الجرارات السودانية التي أسسها والده داؤود عبد اللطيف، وتوظف أكثر من 5,000 شخص (الهدف، 2025). تشير التقارير إلى أن ثروة عائلته تقدر بنحو 1.7 مليار دولار، بينما تشير مصادر أخرى إلى أن ثروته الشخصية تقدر بـ 840 مليون دولار. يُعدّ صعود مجموعة دال، بقيادة أسامة داود عبد اللطيف، أحد أهم التحولات في تاريخ القطاع الخاص السوداني خلال نصف القرن الأخير، حيث تمثل المجموعة أكبر وأكثر تكتل شركات تنوعاً في البلاد. تعرضت مصانع مجموعة دال في الخرطوم ومنطقة بحري لأضرار جسيمة، حيث نهبت أو دمرت المباني والأنظمة الكهربائية والمعدات الحيوية، لكن المجموعة تعمل على إعادة تأهيل بعض خطوط الإنتاج (رويترز، 2025).

معاوية البرير: رئيس اتحاد الغرف الصناعية السوداني، ويمتلك مجموعة صناعية ضخمة تضم 24 مصنعاً في الخرطوم وحده، متخصصة في الزيوت (حيث يغطي إنتاجه 30% من استهلاك السودان)، والأغذية، والمشروبات، والكيماويات، والتعبئة والتغليف. تُقدّر ثروته بنحو 420 مليون دولار (Sudan Plus, 2025). كشف أن خسائر القطاع الصناعي جراء الحرب تجاوزت 50 مليار دولار، وأكد أن القطاع الخاص سيكون الركيزة الأساسية لإعادة الإعمار (الجزيرة نت، 2025). وأشار إلى أن “رجال أعمال خسروا كل شيء بسبب الحرب، وبعضهم لم يتحمل الصدمة وفارق الحياة” (الجزيرة نت، 2025). وقد وقفت وزيرة الصناعة والتجارة محاسن علي يعقوب على عودة مجموعة معاوية البرير الصناعية للعمل بمنطقة سوبا الصناعية جنوبي الخرطوم، حيث استعادت المجموعة نشاط 14 مصنعاً أساسياً تشمل مصانع العصائر، المياه المعدنية، الكتاب المدرسي، والكرتون بأنواعه.

محمد إبراهيم (مو إبراهيم): ملياردير بريطاني من أصل سوداني، أسس شركة “سيل تل” (Celtel) في عام 1998 وباعها للاتصالات الكويتية مقابل 3.4 مليار دولار عام 2005. تُقدّر ثروته بأكثر من 2.5 مليار دولار، مما يجعله من أغنى السودانيين في العالم (الهدف، 2025). حصل من صفقة البيع على 1.4 مليار دولار (الهدف، 2025). استثمر جزءاً من ثروته في مشاريع صناعية وتجارية في السودان، لكنها تعرضت لأضرار جراء الحرب.

حسام أحمد إبراهيم: تحتل عائلته المركز الأول بين أغنى العائلات السودانية، بثروة تقدر بـ 3.7 مليار دولار، ولها استثمارات واسعة في التجارة والصناعة (الهدف، 2025). تمتلك العائلة عدداً من الشركات العاملة في مجال التجارة والصناعة، وتعتبر من أعرق العائلات الصناعية في السودان.

عائلة البرير: تحتل المركز الرابع بقائمة أغنى العائلات بثروة 420 مليون دولار، مع استثمارات ممتدة في الزراعة والصناعة، حيث يمتلك معاوية البرير مجموعته الصناعية (الهدف، 2025). تعتبر عائلة البرير من العائلات الصناعية الراسخة التي لعبت دوراً مهماً في تطوير الصناعة الوطنية.

عثمان الطيب (1919-2011): رائد صناعي أسس مجموعة “عثمان الطيب وأبنائه”. استثمر في صناعة الجلود ليصبح من أكبر المصدرين في أفريقيا، كما أنشأ مطاحن للقمح ومصانع للحلويات (Nicco Sweets) والبسكويت (Rivera Biscuits) (DBpedia). ورغم وفاته قبل الحرب، إلا أن إرثه الصناعي تعرض للتدمير، حيث تضررت مصانع المجموعة في الخرطوم ومنطقة بحري.

دايرة المهدي: أول شركة زراعية سودانية بإدارة وعمالة سودانية بالكامل، توسعت لتشمل الإنتاج الصناعي والثروة الحيوانية والعقارات (Durham Repository, 2016). كانت الشركة تمثل نموذجاً للشركات الوطنية المتكاملة، لكنها تعرضت لخسائر فادحة جراء الحرب، حيث دمرت منشآتها في ولاية الجزيرة ومنطقة الخرطوم.

أزهري المبارك: رجل أعمال من منطقة “العفاض” بالشمالية، اشتهر بالعمل في التنقيب عن الذهب وأصبح الأشهر في مجاله، وتبلغ ثروته نحو 400 مليون دولار. استثمر في قطاع التعدين والصناعات المرتبطة به، لكن الحرب أثرت على عملياته في مناطق النزاع.

صالح عبد الرحمن يعقوب: مؤسس مجموعة شركات “SAY” واستثمارات عائلية واسعة، وهو رجل أعمال بارز في الصناعات الغذائية بمجموعة “صالح عبد الرحمن يعقوب للصناعات الغذائية”. تعرض أحد مصانعه الرئيسية (ساميل للأغذية) لحريق هائل خلال الحرب، مما أدى إلى خسائر كبيرة.

مصعب عبد القادر: رجل أعمال بدأ رحلته من صناعة الزيوت والمنظفات في السودان، ثم توسع ليصبح أحد رواد الأعمال البارزين في القطاع الصناعي. استثمر في عدة صناعات، لكن الحرب دمرت معظم منشآته في الخرطوم.

المهندس طه السيّد الروبي (راحل): يعدّ من رواد الصناعة الوطنية والتجارة في السودان، حيث ترك إرثاً صناعياً كبيراً. كانت له استثمارات في قطاعات متعددة، تأثرت بشكل كبير جراء الحرب.

صلاح إدريس: رجل أعمال سوداني، ورد اسمه في سياق النخبة الاقتصادية والثقافية، ويمتلك استثمارات صناعية وتجارية. تعرضت استثماراته في الخرطوم ومنطقة بحري لأضرار بالغة.

عمار عمر: رجل أعمال سوداني بدأ من الصفر، وكُرّم في مهرجان ضيافة الدولي بدبي كأفضل مؤثر في صناعة رواد الأعمال الناجحين. استثمر في الصناعات الصغيرة والمتوسطة، لكن الحرب عرقلت مسيرته وألحقت أضراراً بمشاريعه.

هؤلاء الصناعيون، الذين شكلوا عصب الاقتصاد الوطني، واجهوا تحديات وجودية مع اندلاع الحرب التي دمرت مصانعهم وأصولهم؛ إذ خسر البعض كل شيء، بل فارق بعضهم الحياة بسبب الصدمة. ورغم ذلك، يظل القطاع الخاص، بقيادة هؤلاء الرواد، الركيزة الأساسية لمرحلة إعادة الإعمار. وقد أكد معاوية البرير أن “القطاع الخاص المحلي، إلى جانب المستثمرين الأجانب والأشقاء العرب، سيكونون الركيزة الأساسية لمرحلة إعادة الإعمار” (الجزيرة نت، 2025). ويجري السودان حالياً حشد كبار الصناعيين لإعادة الإعمار.

الفصل الثالث: الحرب وتدمير القطاع الصناعي – الأرقام، الجغرافيا، والمنهجية

حجم الدمار والخسائر: أرقام تصدم الضمير الاقتصادي

أدت الحرب التي اندلعت في 15 أبريل 2023 بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع إلى دمار واسع وكارثي في القطاع الصناعي، تجاوز في حجمه وتأثيره أي تقديرات مسبقة (الجزيرة نت، 2024). وقد تنوعت التقديرات الرسمية وغير الرسمية، لكنها جميعاً أجمعت على أن الخسائر بلغت مستويات غير مسبوقة. فقد قدر اتحاد الغرف الصناعية السوداني خسائر قطاع الصناعات جراء الحرب بما يتراوح بين 50 و58 مليار دولار (سودان تربيون، 2026؛ العربية نت، 2026). وقد أشار الأمين العام للاتحاد إلى أن تقديرات أولية كانت قد تحدثت عن احتمال وصول الرقم إلى 80 مليار دولار قبل التوافق على النطاق الأدنى (سودان تربيون، 2026). وكشف رئيس اتحاد الصناعات السوداني معاوية البرير أن القطاع الخاص في السودان تكبد خسائر فادحة، قدرت في القطاع الصناعي وحده بأكثر من 50 مليار دولار، شملت تدمير المصانع والمعدات وأجهزة التحكم والشبكات الإلكترونية، إلى جانب نهب المواد الخام والمنتجات الجاهزة (الجزيرة نت، 2025). وأشار البرير أيضاً إلى أن القطاع الزراعي لم يكن بمنأى عن هذه الخسائر، حيث تقدر خسائره بنحو 30 مليار دولار، شملت محطات الري والآلات والمولدات والمحاصيل، كما تلقى قطاع الخدمات والبنوك ضربات قاسية (الجزيرة نت، 2025). وقد قدرت اللجنة العليا للإعمار التي كونها مجلس السيادة خسائر القطاع الإقتصادي بسبب الحرب بـ108.8 مليار دولار.

التدمير الممنهج للمصانع: الأرقام التفصيلية

كشفت وزيرة الصناعة والتجارة محاسن علي يعقوب، في مؤتمر صحفي بمدينة بورتسودان في نوفمبر 2025، عن تدمير المليشيا المتمردة لـ1877 مصنعاً في ولاية الخرطوم وحدها، منها 553 مصنعاً تعرضوا لتدمير كلي، و1267 مصنعاً تعرضوا لتدمير جزئي (أناضول، 2025؛ سونا، 2025). وأشارت الوزيرة إلى أن التدمير تركز على البنية التحتية للمصانع، خاصة معدات وأجهزة الطاقة، بشكل هَدَف إلى الحيلولة دون عودة هذه المصانع للعمل بسهولة (سونا، 2025). وأوضحت أن التقييم الحكومي كشف أن 553 مصنعاً تحولت إلى أنقاض، فيما لحقت أضرار هيكلية جسيمة بـ1267 مصنعاً آخر (الدستور، 2025). وقد أكدت الوزيرة أن التدمير “طال القطاع الصناعي بشكل كبير وممنهج، أدى إلى التوقف التام للصناعة بولايات الخرطوم والجزيرة وسنار” (أناضول، 2025). وأشارت إلى أن “العدوان أصاب الحركة الصناعية بشلل كامل، ما اضطر البلاد إلى استيراد أبسط الأشياء من الخارج، ما أضاف أعباء ثقيلة على الدولة” (سودانايل، 2025). وتشير بيانات أخرى إلى تضرر 3493 منشأة صناعية، موزعة ما بين منشآت متوسطة وكبيرة بولاية الخرطوم، بجانب ولايتي جنوب كردفان والجزيرة (برس بي، 2024). وقد تضررت 125 منشأة كبيرة في ولاية الجزيرة وحدها (رويال نيوز، 2025). وفي المنطقة الصناعية جنوب الخرطوم وحدها، دمرت نحو 450 مصنعاً كلياً بنسبة 100% من أصل 650 مصنعاً في المنطقة (سودان تربيون، 2026). وتشير بيانات وزارة الصناعة إلى تضرر نحو 1800 منشأة صناعية، بينها 650 مصنعاً دُمّرت كلياً. وقد تضرر 85% من القطاع الصناعي جراء الحرب، بما في ذلك مصانع الأدوية في ولاية الخرطوم التي كانت تنتج 80 صنفاً، حيث تعرض بعضها للتدمير وتوقف إنتاج البعض الآخر. وقدرت خسائر غرفة صانعي الأدوية بأكثر من مليار دولار.

عمليات النهب المنهجية: تدمير ممتد لما بعد الحرب

لم يقتصر الدمار على القصف المباشر، بل امتد ليشمل عمليات نهب واسعة ومنهجية طالت كل ما يمكن نقله أو بيعه. كشف اتحاد الغرف الصناعية السوداني عن استمرار عمليات النهب للمصانع في المنطقة الصناعية جنوب الخرطوم، واتهم قوى مسلحة -لم يسمها- بالتورط في تلك الانتهاكات (سودان تربيون، 2026). وأوضح الأمين العام للاتحاد أن عمليات النهب شملت المواد الخام، والمنتجات الصناعية، والأثاثات، وقود المصانع (الفيرنس)، والعربات، والأموال الموجودة في الخزن، والماكينات والمعدات (سودان تربيون، 2026). وتجاوزت الاعتداءات ذلك لتطال الجملونات والهياكل الحديدية والزنك والطوب البلك المشيد به المصانع، وصولاً إلى تكسير الأعمدة الخرسانية لاستخراج الحديد منها، ما حوّل المصانع إلى أراضٍ خالية (سودان تربيون، 2026). وقد أشار تقرير للجزيرة نت إلى أن الدمار والنهب أدى إلى فقدان الأصول الرأسمالية وخطوط الإنتاج والمواد الخام ومدخلات الإنتاج وحتى المنتجات شبه المصنعة في المخازن (الجزيرة نت، 2024). وفي منطقة بحري الصناعية، كانت المصانع ومخازنها مليئة بالحديد الملتوي والركام، مضاءة بأشعة الضوء التي تتسرب من الثقوب التي خلفتها القذائف والنهب في الأسقف والنوافذ (رويترز، 2025). وقد أبدى الأمين العام لاتحاد الغرف الصناعية استغرابه من عدم زيارة المسؤولين لتلك المنطقة للوقوف على حجم الدمار، مشيراً إلى غياب رئيس الوزراء ووزير الصناعة عن تفقدها أو عكس ما جرى فيها للرأي العام.

التأثيرات الاقتصادية الكلية: انهيار العملة وشلل القطاعات

انعكس تدمير القطاع الصناعي على المؤشرات الاقتصادية الكلية بشكل كارثي، حيث هوت العملة المحلية من 600 جنيه مقابل الدولار قبل الحرب إلى أكثر من 3000 جنيه في 2025 (رويال نيوز، 2025؛ الجزيرة نت، 2025). وقد تراجع الإنتاج الزراعي والصناعي بشكل حاد، وارتفعت أسعار السلع الأساسية بشكل قياسي، مما عمّق مستويات الفقر والبطالة نتيجة لتشريد العمالة وهجرة الكفاءات (سودانايل، 2025). وانكمش الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 29% في العام الذي بدأت فيه الحرب، وبنسبة 13.5% في عام 2024، وفق بيانات البنك الدولي (رويترز، 2025). وقد تضرر أكثر من نصف السكان الذين أصبحوا في حاجة إلى مساعدات إنسانية (رويترز، 2025). وتشير تقديرات البنك الأفريقي للتنمية إلى أن السودان فقد أكثر من ثلث إنتاجه الزراعي والصناعي بسبب الحرب، مع خسائر مباشرة في القطاعات الإنتاجية تجاوزت 90 مليار دولار (Altaghyeer, 2025). وقد توقف أكثر من 90% من النشاط الصناعي في مناطق النزاع (يونيدو، 2025). وفي العاصمة وحدها، دُمرت أو نُهبت أو أُغلقت أكثر من 3000 منشأة صناعية خاصة، وفقد نحو واحد من كل خمسة أسر حضرية مصدر دخلها الرئيسي (برنامج الأمم المتحدة الإنمائي، 2026). وقد وقع النصيب الأكبر من الدمار على القطاع الصناعي الذي فقد 70% منه مدخلات الإنتاج والقوى العاملة. وأكد تقرير لوزارة المالية صدر في مطلع يناير 2025 أن الحرب ضربت قطاعات رئيسية على رأسها النفط والصناعة.

الفصل الرابع: جهود الصمود والانتقال – مبادرات فردية ومحاولات للتعافي

الانتقال إلى الولايات الآمنة

رغم حجم الدمار الهائل، بذلت جهود للحفاظ على ما تبقى من النسيج الصناعي. شرعت منشآت صناعية في الانتقال من العاصمة الخرطوم إلى الولايات الآمنة مثل نهر النيل والبحر الأحمر (الجزيرة نت، 2024؛ سودانايل، 2025). وساعدت الحكومة في نقل المصانع والشركات من مناطق النزاع إلى الولايات الآمنة وحتى خارج البلاد، مع تبسيط الإجراءات الإدارية وتقديم حوافز ضريبية (وكالة أنباء الصين، 2026). كما نظمت وزارة الصناعة معرض “نهر النيل للصناعة” لعرض المنتجات المحلية ودعم استمرار الإنتاج في المناطق الآمنة (وكالة أنباء الصين، 2026). وفي مدينة عطبرة بولاية نهر النيل، حيث يسود قدر أكبر من الاستقرار النسبي، احتضنت قاعة الميناء البري فعاليات معرض “صُنع في نهر النيل” في خطوة تعكس سعي الولايات الآمنة إلى لعب دور محوري في دعم التعافي الاقتصادي وإعادة تحريك عجلة الإنتاج الوطني. واستمر المعرض لمدة خمسة أيام، بمشاركة نحو 320 مصنعاً وشركة وطنية، تعرض ما يزيد على ألفي منتج صناعي محلي، في محاولة لإبراز قدرة الصناعة السودانية على الصمود والتعافي وسط ظروف استثنائية. وقد خفّضت حكومة ولاية نهر النيل رسوم تشغيل المصانع بنسبة 30%، كخطوة عملية لدعم القطاع الصناعي وتحفيز الاستثمار. وقد مثلت هذه المبادرات محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من القدرة الإنتاجية، وإن ظلت محدودة النطاق مقارنة بحجم الدمار.

مبادرات فردية لإعادة التشغيل

في مقابل الصورة القاتمة للدمار، برزت مبادرات فردية تعكس صموداً ورغبة في استعادة الحياة. محمد الشيخ، صاحب مصنع للعطور في أم درمان، يستعد لإعادة تشغيل مصنعه قريباً، رغم أن خسائره تجاوزت المليون دولار نتيجة نهب معداته (الجزيرة نت، 2024). ويقول الشيخ إن “ارتفاع سعر الدولار قد يقلل من تنافسية المنتجات المستوردة ويمنح دفعة للإنتاج المحلي”، مضيفاً أن دعم الدولة وتطمينات وزارة الصناعة شجعته على المحاولة من جديد (الجزيرة نت، 2024). وفي منطقة بحري الصناعية، بدأ مهندسو مجموعة CTC بالانحناء فوق آلات مكسورة باستخدام الكماشات والأسلاك، محاولين إعادة الحياة إلى خط إنتاج دمرته أكثر من سنتين من الحرب (رويترز، 2025). وقد صرح مدير المصنع عاصم الأمين قائلاً: “هذا المصنع كان ينتج منتجات كهربائية بجميع مكوناتها. والآن نقوم بإعادة تأهيله. نأمل أن نعود إلى ما كان عليه” (رويترز، 2025). وقد صرحت مجموعة CTC، التي تعتبر أيضاً أكبر مورد زراعي في السودان، بأن مجمعها التصنيعي تعرض لأضرار جسيمة – حيث نهبت أو دمرت المباني والأنظمة الكهربائية والمعدات الحيوية، لكنها تتوقع عودة خطوط الإنتاج إلى العمل قبل نهاية العام (رويترز، 2025). غير أن هذه المبادرات تظل استثناءات في بحر من الدمار، حيث أشار معاوية البرير إلى أن “عدد المصانع التي عادت إلى العمل لا يزال صغيراً نسبياً” (رويترز، 2025).

التحديات التي تواجه إعادة التشغيل

تواجه محاولات إعادة تشغيل المصانع تحديات جسيمة، تتمثل في انعدام الكهرباء والمياه، حيث لا تزال شبكات الكهرباء والمياه خارج الخدمة في معظم المناطق الصناعية (رويترز، 2025). وقد أشار البرير إلى أن “أكبر عقبة أمام إعادة تشغيل بقية المناطق الصناعية هي الكهرباء، وأسعار الوقود، والرسوم الجديدة المفروضة علينا” (رويترز، 2025). كما تشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن شبكة الكهرباء السودانية تعرضت لأضرار تقدر بنحو 3 مليارات دولار منذ اندلاع الحرب (UNDP, 2026). وتشمل التحديات الأخرى فقدان المخزون من المواد الخام، ودمار المستودعات، وهجرة ونزوح الكفاءات والعمالة الفنية الماهرة، وتدمير محطات الكهرباء وشبكات المياه الصناعية (إندبندنت عربية، 2026). وقد أشار اتحاد الغرف الصناعية إلى أن حوالي 10% فقط من المصانع المتضررة استطاعت العودة إلى العمل (سودان تربيون، 2026؛ سي آر آي، 2026). وتشمل العقبات التي تواجه التعافي تعقيدات واشتراطات استيراد قطع الغيار أو ما يعرف بـ “فورم آي إم”، وصعوبة الحصول على شهادات المنشأ، وارتفاع رسوم الأرضيات بالموانئ، وشح المواد الخام (سودان تربيون، 2026). وأضاف عاطف عبد القادر، أحد أبرز قادة اتحاد الغرف وصاحب المصنع السوداني الماليزي للصناعات الفولاذية، أن بعض المصانع تأخر تشغيلها أكثر من 310 أيام بدلاً من 50 يوماً؛ بسبب الأضرار الكبيرة وصعوبات الصيانة والاستيراد. ودعا عبد القادر السلطات، خاصة بنك السودان المركزي، إلى منح استثناءات للمصانع المسجلة وتسهيل دخول مدخلات الإنتاج، محذراً من أن استمرار الوضع الحالي يهدد التعافي الصناعي.

الفصل الخامس: خطط إعادة الإعمار والانتعاش الصناعي – الرؤى والشراكات

“مارشال السودان”: رؤية استراتيجية لإعادة البناء

أعلن رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس عن العمل على إطلاق حزمة مشاريع استراتيجية واسعة، يتصدرها مشروع ضخم يحمل اسم “مارشال السودان”، وهو برنامج يستهدف إعادة إعمار ما دمرته الحرب، وإعادة تشغيل القطاعات الإنتاجية، واستثمار القدرات الاقتصادية التي يمتلكها السودان (الحدث، 2026). ويستلهم المشروع اسمه من خطة مارشال الأمريكية التي دعمت إعادة إعمار أوروبا الغربية بعد الحرب العالمية الثانية، وشملت مشروعات لإصلاح القطاع الصناعي وإعادة بناء المدن (الحدث، 2026). وقد صدر كتاب بعنوان “خطة مارشال السودان: إعادة بناء القوة العالمية المنسية” يقدم مخططاً استراتيجياً متكاملاً. وأضاف إدريس أن ملف السلام في مقدمة كل الجهود، باعتباره الأساس الذي لا يمكن لأي مشروع وطني أن ينهض من دونه، مشدداً على أن إنهاء الحرب ليس مجرد هدف سياسي، بل ضرورة لعودة الاستقرار وتهيئة المناخ لإعادة بناء الدولة ومؤسساتها (الحدث، 2026). وأشار إلى أن الحكومة تعمل على وضع بيئة جاذبة للاستثمار، عبر سياسات تهدف إلى تحفيز رؤوس الأموال المحلية والأجنبية، والاستفادة من الموقع الجغرافي المميز للسودان وموارده الطبيعية المتنوعة (الحدث، 2026). غير أن نجاح هذه الرؤية يعتمد بشكل كبير على توفر التمويل والإرادة السياسية والقدرات المؤسسية، وهي عوامل لا تزال موضع تساؤل في ظل استمرار النزاع وضعف البنية المؤسسية. وقد أعلنت الحكومة السودانية عن تشكيل لجنة مختصة لإعادة إعمار البلاد وسط تقديرات بخسائر تتجاوز 127 مليار دولار، كما تم إطلاق خطة استراتيجية خمسية للدولة (2026-2030).

برنامج التعافي الصناعي مع اليونيدو (2026-2030)

في إطار التعاون الدولي، أعلنت منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية (اليونيدو) عن برنامج للتعافي الصناعي في السودان للفترة 2026-2030، يركز على الأثر السريع، وخلق فرص العمل، والنمو الشامل، مع تركيز قوي على النساء والشباب والمجتمعات المتضررة من الأزمات (UNIDO, 2026). ويهدف البرنامج إلى إعادة تشغيل وتطوير الإنتاج الصناعي والزراعي الصناعي، ودعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة، ويتمحور حول ثلاث سلاسل قيمة مترابطة تعتبر حاسمة لتعافي السودان وقدرته على الصمود على المدى الطويل (UNIDO, 2026). وقد وقعت الحكومة السودانية إعلاناً مشتركاً مع اليونيدو لدعم برنامج التعافي الصناعي، بهدف تعزيز جهود إعادة البناء الصناعي من خلال زيادة القيمة المضافة للمنتجات الزراعية وجذب الاستثمارات إلى المراكز الزراعية الصناعية (UNIDO, 2025). وتشير تقديرات اليونيدو إلى أن تكاليف إعادة البناء في السودان تقدر بمئات المليارات من الدولارات في خضم النزاع المستمر (UNIDO, 2026). ومن المقرر عقد اجتماع رفيع المستوى حول برامج التعافي الصناعي للسودان وسوريا وفلسطين في القاهرة في سبتمبر 2026، بهدف حشد التمويل والاستثمارات اللازمة لدعم برامج التعافي الصناعي (سونا، 2026). وقد جدد السودان دعوته للمجتمع الدولي لدعم برنامج التعافي الصناعي، مشيداً باستمرار عمل المنظمة في البلاد خلال فترة الحرب، ومؤكداً أهمية تعزيز التعاون معها لدعم الأمن الغذائي والتنمية الزراعية والصناعية المستدامة (سونا، 2026). وأشار الأمين العام لاتحاد الغرف الصناعية إلى أن البرنامج الذي طرحته اليونيدو يتضمن أفكاراً وخططاً لإعادة تأهيل القطاع الخاص، وأكد أن القطاع الخاص مستعد للعمل بشفافية، والاستعانة بجهة وسيطة ومقيّم معتمد، مثل اليونيدو، لتقييم المشروعات. وتنظم اليونيدو، ممثلة في مكتب ترويج الاستثمار والتكنولوجيا بألمانيا، بعثة استثمارية وملتقى للقطاع الخاص إلى السودان خلال سبتمبر المقبل بمشاركة شركات ومستثمرين.

الدعم الإقليمي والثنائي

في سياق الدعم الإقليمي، أعلنت وزارة الصناعة والتجارة السودانية حصولها على دعم من السوق المشتركة لشرق وجنوب أفريقيا (COMESA) لبرامج إعادة الإعمار والمشاريع الصناعية، حيث ستنظم COMESA برامج تدريب وبناء قدرات، وتمول المشاريع الصناعية الصغيرة والمتوسطة بالشراكة مع ممولين (سونا، 2025). كما تعهدت مصر بتقديم دعم فني لإعادة تشغيل المصانع السودانية المتضررة، وتدريب الكوادر الجمركية، واستخدام المواد الخام السودانية والعمالة المتاحة لتنفيذ مشاريع صناعية مشتركة (Ahram Online, 2025). وأعلنت السودان وتركيا عن عقد منتدى أعمال مشترك في ولاية الجزيرة لتعزيز الشراكات الصناعية والتجارية، والاستفادة من الخبرة التركية في إعادة الإعمار (سونا، 2026). كما أعلن اتحاد أصحاب العمل السوداني عن ترتيبات لزيارة بعثة استثمارية أوروبية إلى السودان في سبتمبر 2026، بالتعاون مع اليونيدو، لمناقشة دعم جهود التعافي الاقتصادي والصناعي (سونا، 2026). وفي يوليو 2026، أكدت وزيرة الصناعة محاسن علي يعقوب ضرورة الالتزام بالمبادئ العلمية عند التخطيط للمدن الصناعية الجديدة، مع التركيز على أهمية اعتماد الأساليب الحديثة لتطوير وإعادة تأهيل المناطق الصناعية القائمة في ولاية الخرطوم (سونا، 2026). واتفقت الوزارة مع مفوضية استثمار ولاية الخرطوم على إنشاء آلية تنسيق مشتركة تضم خبراء ومتخصصين وفنيين للنهوض بالقطاع الصناعي خلال مرحلة إعادة الإعمار (سونا، 2026).

مقترحات القطاع الخاص والمجتمع المدني

دعا الأمين العام لاتحاد الغرف الصناعية السوداني، عباس علي السيد، إلى تكوين مفوضية مستقلة لإعادة الإعمار تتمتع بسلطات واسعة تعادل سلطات رئاسة الدولة، تضم الجهات الفنية والمالية والرقابية ذات الصلة، لوضع خطة قومية واضحة وشفافة لإعادة بناء ما دمرته الحرب، بعيداً عن المبادرات الفردية والمصالح الضيقة (سودان تربيون، 2026). وطالب بإنشاء هيئة مستقلة للرقابة الإدارية وتعزيز الشفافية ومكافحة الفساد، مع تفعيل الرقابة الشعبية المباشرة وغير المباشرة (سودان تربيون، 2026). كما اقترح تكوين مجلس تشريعي مؤقت يضم ممثلين عن منظمات المجتمع المدني، والنقابات المهنية والعمالية، واتحادات أصحاب العمل والغرف التجارية، للمساهمة في الرقابة والمساءلة (سودان تربيون، 2026). وقد أكد معاوية البرير أن القطاع الخاص المحلي، إلى جانب المستثمرين الأجانب والأشقاء العرب، سيكونون الركيزة الأساسية لمرحلة إعادة الإعمار، مشدداً على أهمية عدم وضع العراقيل أمامهم (الجزيرة نت، 2025). وأضاف البرير: “هناك رجال أعمال خسروا كل شيء بسبب الحرب، وبعضهم لم يتحمل الصدمة وفارق الحياة، فيما يعاني آخرون من عدم القدرة على تلبية التزاماتهم، وهو ما ينذر بأزمات قانونية ما لم تقدم حلول واقعية” (الجزيرة نت، 2025). وعن رؤيته لمستقبل السودان الاقتصادي، قال بثقة: “لسنا الدولة الوحيدة التي دمرت، ونؤمن بأننا قادرون على النهوض مجدداً كما فعلت أوروبا واليابان بعد الحرب. السودان سيعود أفضل مما كان، بشرط التخطيط السليم، وتصحيح الأخطاء، وتولية الكفاءات المناصب المناسبة، لا سيما في الوزارات الاقتصادية” (الجزيرة نت، 2025).

الفصل السادس: الدروس المستفادة من تجربة التدمير – تحليل نقدي للهشاشة البنيوية

تركيز الصناعة في العاصمة: قنبلة موقوتة

أظهرت الحرب بوضوح هشاشة البنية الصناعية المركزة في العاصمة والولايات الوسطى، حيث تركزت غالبية المصانع في الخرطوم والخرطوم بحري وأم درمان والجزيرة وسنار (سودانايل، 2025؛ الجزيرة نت، 2024). وقد جعل هذا التركيز القطاع الصناعي هدفاً سهلاً للتدمير، إذ كان تدمير منطقة صناعية واحدة كافياً لشل القطاع بأكمله. وتشير التقديرات إلى أن ولاية الخرطوم وحدها كانت تضم أكثر من 60% من المنشآت الصناعية في البلاد (تقديرات وزارية). وقد أثبتت التجارب الدولية، خاصة في دول مثل ألمانيا واليابان بعد الحرب العالمية الثانية، أن توزيع الأنشطة الصناعية على مناطق متعددة يعزز قدرة القطاع على الصمود في وجه الصدمات. غير أن السياسات الصناعية السودانية المتعاقبة لم تولِ هذا الجانب أي اهتمام، بل ركزت استثماراتها في العاصمة ومنطقتها الوسطى لأسباب إدارية وسياسية ولوجستية، مما جعل القطاع عرضة للخطر بشكل استثنائي.

غياب خطط الطوارئ والحماية

كشفت الحرب عن غياب تام لخطط طوارئ لحماية المنشآت الصناعية أو نقلها بشكل منظم في أوقات الأزمات (ATAR Network, 2025). فعندما اندلعت الحرب، لم تكن هناك أي ترتيبات مسبقة لنقل المعدات أو المواد الخام أو حتى الكوادر الفنية إلى مناطق آمنة. وقد أدى ذلك إلى فقدان معظم الأصول الصناعية إما بالتدمير أو النهب. كما لم تكن هناك أي تأمينات صناعية تغطي مخاطر الحرب، مما زاد من الخسائر التي تحملها الصناعيون بشكل فردي (تأثير الحرب على قطاع التأمين، 2025). وقد أشار معاوية البرير إلى أن “رجال أعمال خسروا كل شيء بسبب الحرب، وبعضهم لم يتحمل الصدمة وفارق الحياة” (الجزيرة نت، 2025). وهذا يطرح سؤالاً جوهرياً حول دور الدولة في حماية الأصول الإنتاجية للبلاد، ودور القطاع الخاص في توفير آليات الحماية الذاتية.

التدمير الممنهج كاستراتيجية حرب

أثبتت عمليات النهب والتدمير المنهجية أن التدمير لم يكن عفوياً أو نتيجة ثانوية للقتال، بل كان موجهاً وممنهجاً بهدف تعطيل القدرة الإنتاجية للبلاد لفترة طويلة (سودان تربيون، 2026؛ سودانايل، 2025). وقد ركزت عمليات التدمير على البنية التحتية للمصانع، خاصة معدات وأجهزة الطاقة، بشكل هَدَف إلى الحيلولة دون عودة هذه المصانع للعمل بسهولة (سونا، 2025). ويشير هذا إلى أن البنية الصناعية لم تكن مجرد هدف ثانوي للحرب، بل كانت هدفاً استراتيجياً يهدف إلى إضعاف الاقتصاد الوطني وتعقيد عملية التعافي. وقد امتدت عمليات النهب لتشمل الجملونات والهياكل الحديدية والزنك والطوب، وصولاً إلى تكسير الأعمدة الخرسانية لاستخراج الحديد منها، ما حوّل المصانع إلى أراضٍ خالية (سودان تربيون، 2026). وهذا النوع من التدمير الشامل يجعل عملية إعادة الإعمار أكثر تعقيداً وتكلفة، إذ لا يتطلب الأمر إعادة تأهيل المعدات فحسب، بل إعادة بناء الهياكل الأساسية من الصفر.

هجرة الكفاءات والعمالة الماهرة

أدت الحرب إلى نزوح وهجرة واسعة للكفاءات والعمالة الفنية الماهرة، مما شكل خسارة لا تعوض للقطاع الصناعي (إندبندنت عربية، 2026). فقد غادر العديد من المهندسين والفنيين والعمال المهرة البلاد بحثاً عن الأمان وفرص العمل، أو نزحوا إلى مناطق أخرى داخل السودان. وقد أشار تقرير إندبندنت عربية إلى أن عودة المصانع إلى العمل تصطدم بهجرة العمالة وتعثر التمويل (إندبندنت عربية، 2026). وتشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن نحو واحد من كل خمسة أسر حضرية فقد مصدر دخله الرئيسي (UNDP, 2026). وهذه الهجرة ليست مجرد خسارة مؤقتة، بل هي نزيف مستمر للقدرات البشرية التي تشكل الركيزة الأساسية لأي نهضة صناعية، واستعادتها تتطلب استثمارات كبيرة في التدريب وإعادة الاستقطاب.

ضعف البنية التحتية للطاقة كعائق مزمن

أظهرت الحرب أن قطاع الطاقة كان أحد أضعف حلقات البنية التحتية السودانية، حيث تعرضت شبكات الكهرباء لأضرار تقدر بنحو 3 مليارات دولار (UNDP, 2026). وقد انعكس تدمير محطات الكهرباء بشكل مباشر على ارتفاع تكلفة الإنتاج، مما يجعل بدائل الطاقة مكلفة وغير مستدامة للقطاعين الصناعي والزراعي (الجزيرة نت، 2025). وقد أشار البرير إلى أن “أكبر عقبة أمام إعادة تشغيل بقية المناطق الصناعية هي الكهرباء، وأسعار الوقود” (رويترز، 2025). وتشير دراسة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن الطلب المتزايد على الطاقة الشمسية يواجه عقبات بسبب ارتفاع التكاليف المحلية، ومحدودية التمويل، ونقص الإمدادات، وضعف مراقبة الجودة (UNDP, 2026). كما يعاني قطاع الطاقة من ضعف هيكلي ومركزية مفرطة ونقص التمويل، مع بنية تحتية متقادمة وعمليات تهيمن عليها الدولة وتتسم بعدم الكفاءة (MECouncil, 2025). وقد حذر وزير الطاقة السوداني السابق من أن الحرب كشفت هشاشة البنية التحتية للطاقة في السودان بعد انقطاعات واسعة للكهرباء عطلت المستشفيات ومحطات المياه وشبكات الاتصالات (Dabanga, 2026). وهذا يؤكد أن إعادة الإعمار الصناعي لا يمكن أن تنجح دون معالجة جذرية لقطاع الطاقة.

الفصل السابع: التوصيات القابلة للتنفيذ – خارطة طريق لصناعة سودانية جديدة

اللامركزية الصناعية وإعادة التوزيع الجغرافي

تمثل اللامركزية الصناعية أحد أهم الدروس المستفادة من الحرب، حيث أثبتت التجربة أن تركيز الصناعة في منطقة واحدة يجعلها عرضة للخطر. ولذلك، ينبغي إعادة توزيع المنشآت الصناعية على ولايات متعددة، مع إنشاء مجمعات زراعية صناعية متكاملة تربط المزارعين والمعامل والمصانع والموزعين، كما دعت إليه اليونيدو (UNIDO, 2026). وقد كشفت مفوضية الاستثمار بولاية الجزيرة عن خطط لإنشاء عشر مدن صناعية متخصصة موزعة على مختلف أرجاء الولاية، تستند إلى خطة خمسية شاملة لإعادة تأهيل القطاع الصناعي مع رصد خمسين مليار جنيه لتوفير المحولات الكهربائية اللازمة للمشروعات الإنتاجية (سونا، 2026). وينبغي تعميم هذه التجربة على بقية الولايات، مع مراعاة الميز النسبية لكل منطقة وتوفر المواد الخام والبنية التحتية. كما ينبغي الاستفادة من المناطق الصناعية القائمة في الولايات الآمنة مثل نهر النيل والبحر الأحمر، وتطويرها لتكون بديلاً عن المناطق المدمرة.

إنشاء مفوضية مستقلة لإعادة الإعمار

ضرورة تكوين هيئة وطنية مستقلة لإعادة الإعمار تتمتع بصلاحيات واسعة، تضم خبراء في الهندسة والمال والمراجعة والتحقيق، لوضع استراتيجية متدرجة وفق الإمكانيات المتاحة، مع الالتزام الكامل بالشفافية والإفصاح (سودان تربيون، 2026). وتكون هذه المفوضية مسؤولة عن تنسيق جهود إعادة الإعمار بين الحكومة والقطاع الخاص والمانحين الدوليين، وضمان وصول الموارد إلى مستحقيها، ومكافحة الفساد. وقد طالب اتحاد الغرف الصناعية بتكوين مفوضية مستقلة تتمتع بسلطات واسعة تعادل سلطات رئاسة الدولة، بعيداً عن المبادرات الفردية والمصالح الضيقة (سودان تربيون، 2026). وينبغي أن تضم المفوضية ممثلين عن منظمات المجتمع المدني والنقابات المهنية والعمالية واتحادات أصحاب العمل، للمساهمة في الرقابة والمساءلة (سودان تربيون، 2026).

حماية ما تبقى من المنشآت الصناعية

يجب وقف فوري لعمليات النهب والتدمير، مع توفير الحماية الأمنية للمنشآت الصناعية المتبقية في جميع الولايات، كما طالب اتحاد الغرف الصناعية (سودان تربيون، 2026). وينبغي أن تتولى القوات النظامية والشرطة حماية المناطق الصناعية، مع تفعيل آليات الرقابة المجتمعية. كما ينبغي وضع خطط طوارئ لنقل المعدات والمواد الخام والكوادر الفنية في حال حدوث أي تصعيد عسكري مستقبلي، لضمان عدم تكرار ما حدث. وقد أثبتت تجربة نقل بعض المصانع إلى الولايات الآمنة إمكانية الصمود، لكنها واجهت تحديات كبيرة بسبب ضعف البنية التحتية في تلك المناطق (ATAR Network, 2025). ولذلك، ينبغي الاستعداد مسبقاً لتوفير البنية التحتية اللازمة في المناطق البديلة.

التمويل والاستثمار: صندوق وطني وحوافز جاذبة

إنشاء صندوق وطني لإعادة الإعمار الصناعي برأسمال كاف، مع تشجيع الاستثمار الأجنبي المباشر، والاستفادة من الدعم الدولي من اليونيدو والكوميسا والبنك الدولي والجهات المانحة. وينبغي أن يشمل الصندوق مساهمات من الحكومة والقطاع الخاص والمانحين الدوليين، وأن يدير بأعلى معايير الشفافية والحوكمة. وقد أعلنت الحكومة عن عزمها وضع بيئة جاذبة للاستثمار، عبر سياسات تهدف إلى تحفيز رؤوس الأموال المحلية والأجنبية (الحدث، 2026). وينبغي تفعيل هذه السياسات بشكل عملي، مع تبسيط الإجراءات الإدارية وتقديم حوافز ضريبية للمستثمرين، كما دعت إلى ذلك منظمات المجتمع المدني (سودان ترانسبيرنسي، 2025). ويجب أيضاً العمل على إسقاط الديون الخارجية وتأجيل الأقساط المستحقة، لتوفير مساحة مالية لإعادة الإعمار. وقد أشار الأمين العام لاتحاد الغرف الصناعية إلى أن الخسائر التي لحقت بالقطاع الخاص ضخمة، ولا توجد حالياً جهة قادرة على تغطيتها، بما في ذلك القطاع المصرفي.

إعادة تأهيل البنية التحتية للطاقة والمياه

تركيز الجهود على إعادة تأهيل شبكات الكهرباء والمياه والطرق والاتصالات في المناطق الصناعية، حيث تشير التقديرات إلى تدمير نحو 15 ألف محول كهربائي (سودان تربيون، 2026). وتشير تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى أن شبكة الكهرباء السودانية تعرضت لأضرار تقدر بنحو 3 مليارات دولار (UNDP, 2026). وينبغي اعتماد نهج متكامل يشمل إعادة بناء الشبكة الوطنية، مع التوسع في الطاقات المتجددة خاصة الطاقة الشمسية، لتقليل الاعتماد على الوقود المستورد ومواجهة انقطاع التيار. وقد دعت دراسة برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إلى استثمار عاجل وإصلاحات لتأمين إمكانات الطاقة الشمسية في السودان (UNDP, 2026). كما دعا وزير الطاقة السوداني السابق إلى اعتماد “ميثاق وطني للطاقة” لإعادة بناء قطاع الطاقة ومنع التجزئة (Dabanga, 2026). وأكد الأمين العام لاتحاد الغرف الصناعية أن توفير الطاقة يمثل العقبة الأبرز أمام نجاح جهود التعافي، مشيراً إلى أن المستثمر لن يدخل في مشروعات إنتاجية في بلد لا تتوفر فيه الطاقة اللازمة للتشغيل.

دعم القطاع الخاص وإعادة هيكلته

إعطاء القطاع الخاص دوراً قيادياً في جهود إعادة البناء، مع تبسيط الإجراءات الإدارية وتقديم حوافز ضريبية للمستثمرين (سودان ترانسبيرنسي، 2025). وقد أكد معاوية البرير أن القطاع الخاص المحلي، إلى جانب المستثمرين الأجانب والأشقاء العرب، سيكونون الركيزة الأساسية لمرحلة إعادة الإعمار (الجزيرة نت، 2025). وينبغي معالجة الأزمات القانونية التي يواجهها الصناعيون الذين فقدوا كل شيء، عبر تقديم حلول واقعية لالتزاماتهم المالية، وإعادة هيكلة ديونهم، وتوفير قروض ميسرة لإعادة التشغيل. كما ينبغي تشجيع الشراكات بين القطاع الخاص المحلي والشركات الدولية لنقل التكنولوجيا والخبرات، حيث يمكن أن تقوم هذه الشراكات على أرقام والتزامات وضمانات محددة، بما في ذلك ضمانات من حكومة السودان وبنك السودان المركزي، إلى جانب ضمانات الأمم المتحدة ممثلة في اليونيدو.

بناء القدرات وإعادة استقطاب الكفاءات

الاستثمار في تأهيل الكوادر الفنية والإدارية، مع الاستفادة من برامج التدريب التي تقدمها الكوميسا والمنظمات الدولية، وإعادة استقطاب الكفاءات التي هاجرت جراء الحرب. وينبغي وضع برامج وطنية للتدريب المهني والتقني، بالتعاون مع القطاع الخاص والجامعات ومراكز التدريب الدولية. كما ينبغي خلق بيئة جاذبة للكفاءات، من خلال توفير الأمان الوظيفي والحوافز المالية المناسبة وفرص التطور المهني. وقد أشارت وزارة الصناعة إلى أن “تولية الكفاءات المناصب المناسبة، لا سيما في الوزارات الاقتصادية” هو شرط أساسي للنهوض (الجزيرة نت، 2025).

الحوكمة والشفافية ومكافحة الفساد

تفعيل آليات الرقابة ومكافحة الفساد، وإشراك منظمات المجتمع المدني والنقابات في عملية الرقابة والمتابعة، لضمان وصول موارد إعادة الإعمار إلى مستحقيها. وقد طالب اتحاد الغرف الصناعية بإنشاء هيئة مستقلة للرقابة الإدارية وتعزيز الشفافية، مع تفعيل الرقابة الشعبية المباشرة وغير المباشرة (سودان تربيون، 2026). وينبغي اعتماد أعلى معايير الشفافية والإفصاح في إدارة صندوق إعادة الإعمار، ونشر التقارير المالية والفنية بشكل دوري، وإخضاع العمليات للتدقيق المحاسبي المستقل. كما ينبغي تفعيل دور القضاء في محاسبة المتورطين في الفساد ونهب المال العام.

إعادة هيكلة القطاع الصناعي نحو القيمة المضافة

ينبغي إعادة هيكلة القطاع الصناعي للانتقال من الصناعات منخفضة القيمة المضافة (مثل الصناعات الغذائية والمشروبات التي شكلت نحو 70% من النشاط الصناعي) إلى صناعات أكثر تطوراً مثل الصناعات الدوائية والكهربائية والإلكترونية والهندسية (Grokipedia, 2026). وقد دعت اليونيدو إلى التركيز على زيادة القيمة المضافة للمنتجات الزراعية وجذب الاستثمارات إلى المراكز الزراعية الصناعية (UNIDO, 2025). وينبغي أيضاً تطوير قطاع التعدين والصناعات الاستخراجية، والاستفادة من الثروات المعدنية الهائلة التي يمتلكها السودان. كما ينبغي تشجيع الابتكار والبحث والتطوير، وإنشاء مراكز للتميز الصناعي بالتعاون مع الجامعات ومراكز البحث.

الفصل الثامن: الخاتمة النقدية – نحو رؤية جديدة للصناعة السودانية

يمثل القطاع الصناعي السوداني واحداً من أكثر القطاعات تضرراً من الحرب الراهنة، إذ تعرضت نحو 1877 منشأة صناعية في ولاية الخرطوم وحدها للتدمير بنسب متفاوتة، مع خسائر مالية تقدر بين 50 و58 مليار دولار على المستوى الوطني (سودان تربيون، 2026؛ أناضول، 2025). وقد انعكس هذا الدمار على الاقتصاد الوطني برمته، مع توقف شبه كامل للنشاط الصناعي في الولايات المتضررة، وانهيار العملة، وتفاقم التضخم والبطالة، ونزوح الكفاءات. غير أن تجربة الصمود التي أظهرها بعض الصناعيين، عبر نقل منشآتهم إلى مناطق آمنة، إلى جانب التحركات الدولية والإقليمية لدعم إعادة الإعمار، توفر بارقة أمل لإعادة بناء قطاع صناعي أكثر تنوعاً ومرونة.

غير أن التفاؤل يجب أن يكون مقروناً بوعي نقدي عميق للتحديات الهائلة التي تنتظر السودان في مرحلة ما بعد الحرب. فإعادة الإعمار لا تقتصر على إعادة بناء المصانع المدمرة، بل تتطلب إعادة بناء الدولة والمؤسسات والثقة بين المواطنين والدولة. كما تتطلب معالجة جذرية للهشاشة البنيوية التي جعلت القطاع الصناعي عرضة لهذا الدمار، وفي مقدمتها التركيز الجغرافي المفرط، وضعف البنية التحتية للطاقة، وضعف الحوكمة وانتشار الفساد، وهجرة الكفاءات، وضعف التمويل. كما أن استمرار النزاع في مناطق واسعة من البلاد، وسيطرة قوات الدعم السريع على خمس ولايات في دارفور، يطرح تساؤلات جدية حول إمكانية تنفيذ خطط إعادة الإعمار في غياب السلام الشامل.

وتتطلب إعادة بناء الصناعة السودانية رؤية وطنية شاملة، ومؤسسات مستقلة، وتمويلاً كافياً، وإرادة سياسية حقيقية، مع الاستفادة من الدروس المؤلمة التي خلفتها الحرب. كما تتطلب شراكة حقيقية بين الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني والمانحين الدوليين، مع الالتزام بأعلى معايير الشفافية والحوكمة. إن إعادة بناء الصناعة السودانية ليست مجرد خيار اقتصادي، بل هي ضرورة وطنية لاستعادة القدرة الإنتاجية، وتوفير فرص العمل، وتقليل الاعتماد على الواردات، وبناء أساس متين للتنمية المستدامة في سودان ما بعد الحرب. وكما قال معاوية البرير: “لسنا الدولة الوحيدة التي دمرت، ونؤمن بأننا قادرون على النهوض مجدداً كما فعلت أوروبا واليابان بعد الحرب. السودان سيعود أفضل مما كان، بشرط التخطيط السليم، وتصحيح الأخطاء، وتولية الكفاءات المناصب المناسبة” (الجزيرة نت، 2025). ويبقى الرهان على قدرة السودانيين على تحويل هذه المحنة إلى منحة، وإعادة بناء وطنهم على أسس أكثر عدالة واستدامة.

قائمة المراجع

  1. إبراهيم، ندى بابكر محمد. (2022). دور الحرف والصناعات التقليدية بالضفة الغربية للنيل. مجلة التراث والتنمية.
  2. برجاس، سيف الدين. (2024). الصناعات التقليدية ودورها في الحفاظ على الهوية الثقافية. مجلة التراث والتنمية.
  3. الراكوبة. (2025). أغنى 5 شخصيات في السودان: كيف قلبت الحرب موازين ثرواتهم؟ تم الاسترجاع في 29 يناير 2025.
  4. الراكوبة. (2026). الطبقة العاملة السودانية: النشأة والمتغيرات.
  5. الهدف. (2025). رجال الأعمال السودانيين.. ازدياد النخب الثرية في أفريقيا. تم الاسترجاع في 27 أبريل 2025.
  6. الجزيرة نت. (2024). كيف أثرت الحرب على الصناعة في السودان؟ تم الاسترجاع في 19 يوليو 2024.
  7. الجزيرة نت. (2025). رئيس اتحاد الصناعات السوداني للجزيرة نت: القطاع الخاص يقود التعافي. تم الاسترجاع في 25 أبريل 2025.
  8. الجزيرة نت. (2025). ما وضع القطاع الصناعي السوداني الخاص جراء الحرب؟ تم الاسترجاع في 30 سبتمبر 2025.
  9. الحدث. (2026). “مارشال السودان”.. خطة لإعادة الإعمار ومطالب بإسقاط الديون. تم الاسترجاع في 19 أبريل 2026.
  10. الدستور. (2025). شلل بالقطاع الصناعي السوداني بعد تدمير “الدعم السريع” 1800 مصنع. تم الاسترجاع في 23 نوفمبر 2025.
  11. سودان تربيون. (2026). تقدير خسائر القطاع الصناعي في السودان جراء الحرب بقرابة الـ (60) مليار دولار. تم الاسترجاع في 3 مارس 2026.
  12. سودان تربيون. (2026). استمرار عمليات نهب واسعة لمصانع جنوب الخرطوم على يد مسلحين. تم الاسترجاع في 20 فبراير 2026.
  13. سودان تربيون. (2026). الغرف الصناعية: 10% من مصانع السودان عادت للعمل وعقبات تهدد التعافي. تم الاسترجاع في 26 أبريل 2026.
  14. سودان تربيون. (2026). برنامج أممي يدفع بخطط لتعافي القطاع الخاص السوداني. تم الاسترجاع في 15 أغسطس 2026.
  15. سودان سكوب. (2026). The Industrial Sector in Sudan. تم الاسترجاع في 13 مايو 2026.
  16. سودانايل. (2025). كيف دمرت الحرب الصناعة في السودان؟ تم الاسترجاع في 23 نوفمبر 2025.
  17. سودانايل. (2026). صناعة الدمار.
  18. سودانايل. (2026). مجموعة دال — الاقتصاد السياسي لرأس المال السوداني وتحوّلاته. تم الاسترجاع في 2 فبراير 2026.
  19. سونا. (2025). وزيرة الصناعة والتجارة: المليشيا المتمردة دمرت 1877 مصنع بولاية الخرطوم. تم الاسترجاع في 20 نوفمبر 2025.
  20. سونا. (2025). COMESA to Support Sudan’s Reconstruction and Industrial Projects.
  21. سونا. (2026). Industry Minister Stresses Scientific Planning for Khartoum’s Industrial Cities. تم الاسترجاع في 7 يوليو 2026.
  22. سونا. (2026). Sudan, Turkey to Hold Business Forum in Al-Gezira.
  23. سونا. (2026). Sudan’s Ambassador to Vienna Meets UNIDO Chief on Industrial Recovery. تم الاسترجاع في 18 أغسطس 2026.
  24. سونا. (2026). European Investment Mission to Visit Sudan to Explore Opportunities and Build Partnerships. تم الاسترجاع في 21 أغسطس 2026.
  25. سفارة السودان. (2024). الصناعات اليدوية. سفارة جمهورية السودان – إسلام آباد.
  26. أناضول. (2025). Over 1,800 factories destroyed by paramilitary RSF in Khartoum, Sudanese minister says. تم الاسترجاع في 20 نوفمبر 2025.
  27. إندبندنت عربية. (2025). هل تنهض الصناعة في السودان من ركام الحرب؟ تم الاسترجاع في 12 أكتوبر 2025.
  28. إندبندنت عربية. (2026). عودة مصانع الخرطوم تصطدم بهجرة العمالة وتعثر التمويل. تم الاسترجاع في 22 مارس 2026.
  29. إندبندنت عربية. (2026). الحرب تفرغ الخرطوم من معدن النحاس وتحطم مرافق الكهرباء والمياه. تم الاسترجاع في 5 أبريل 2026.
  30. برس بي. (2024). ماذا فعلت الحرب بصناعة السودان؟ خبراء يجيبون! تم الاسترجاع في 20 يوليو 2024.
  31. رويال نيوز. (2025). “دمار شبه كامل”.. كيف دمرت الحرب القطاع الصناعي في السودان وكلفته 50 مليار دولار؟ تم الاسترجاع في 30 سبتمبر 2025.
  32. رويترز. (2025). Khartoum’s Shattered Factories Pick up the Pieces as War Rages. تم الاسترجاع في 23 أكتوبر 2025.
  33. وكالة أنباء الصين. (2026). الحرب لم توقفها…الصناعة السودانية تبحث عن آفاق جديدة. تم الاسترجاع في 28 يناير 2026.
  34. سي آر آي. (2026). Sudan war cripples industrial system, recovery slow. تم الاسترجاع في 15 يونيو 2026.
  35. العربية نت. (2026). خسائر بـ 58 مليار دولار.. السودان يبدأ تأهيل 1800 منشأة صناعية. تم الاسترجاع في 4 أيام مضت.
  36. السودان اليوم. (2025). السودان يحشد كبار الصناعيين لـ إعادة الإعمار. تم الاسترجاع في 17 أبريل 2025.
  37. ATAR Network. (2025). عن الصناعة في زمن الحرب: مطالعات من التجربة.
  38. Country Studies. (n.d.). Sudan – Manufacturing.
  39. Dabanga. (2026). Former Sudan energy minister calls for ‘national energy charter to rebuild state and prevent fragmentation’. تم الاسترجاع في 19 مايو 2026.
  40. DBpedia. (n.d.). Osman al-Tayeb.
  41. Durham Repository. (2016). Dā’irat al-Mahdī: money, faith and politics in Sudan.
  42. Encyclopedia2. (n.d.). Anglo-Egyptian Sudan – Industry.
  43. Folk Culture. (2022). The Production of Folk Culture in Sudan.
  44. Grokipedia. (2026). Manufacturing in Sudan. تم الاسترجاع في 17 يناير 2026.
  45. Hull Repository. (2021). The origin and development of the Sudanese private capitalist class: a socio-political analysis.
  46. MECouncil. (2025). Rebuilding Sudan’s Energy Sector: Pathways to Equitable Post-Conflict Recovery. تم الاسترجاع في 12 نوفمبر 2025.
  47. Sudan Scope. (2026). The Industrial Sector in Sudan. تم الاسترجاع في 13 مايو 2026.
  48. Sudan Transparency. (2025). كيف يتهيأ الجيش السوداني للهيمنة على إعادة الإعمار والاقتصاد.
  49. Trading Economics. (2024). Sudan – Industry, Value Added (% Of GDP).
  50. UCL. (2018). Object of the Week 357: A Sudanese Tulip in Bloomsbury. تم الاسترجاع في 7 سبتمبر 2018.
  51. UNDP. (2026). Solar power could keep Sudan’s farms and businesses running as grid collapses. تم الاسترجاع في 18 مايو 2026.
  52. UNDP. (2026). Small businesses, huge potential. تم الاسترجاع في 28 أبريل 2026.
  53. UNECA. (n.d.). One of the main objectives of the Sudanese Ten-Year Plan (1961/62–1970/71).
  54. UNIDO. (2025). Industrial Recovery for Resilience: UNIDO Industrial Recovery Programmes. تم الاسترجاع في 22 ديسمبر 2025.
  55. UNIDO. (2026). Industrial Recovery Programme for Sudan (2026-2030).
  56. UNIDO. (2026). UNIDO advances new partnership architecture for industrial recovery in the Syrian Arab Republic, the State of Palestine and Sudan. تم الاسترجاع في 22 يونيو 2026.
  57. Wikipedia. (2020). Manufacturing in Sudan.
  58. Xinhua. (2025). Feature: Power outages revive Sudan’s traditional pottery for cooling, storage. تم الاسترجاع في 31 يوليو 2025.
شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
لماذا تراجعت القيادات الحزبية للمستقلين؟
منبر الرأي
المؤتمر الوطنى يريدها وحده كاذبه لا جاذبه! … بقلم: تاج السر حسين
منبر الرأي
عبدالكريم الكابلي فنان عابر للقارات .. بقلم: موسى بشرى محمود على
الأخبار
المحكمة الجنائية الدولية: علي كوشيب يمثل لأول مرة أمام المحكمة شاهد المحاكمة مع ترجمة باللغة العربية (فيديو عالي الجودة)
منبر الرأي
هل يلحق غازي صلاح الدين بالفجر الجديد؟ .. بقلم: صلاح شعيب

مقالات ذات صلة

د. عبد المنعم مختارمنبر الرأي

تطور الهوية السودانية عبر العصور: قراءة تاريخية تحليلية في تشكل الدولة وأزمة الانتماء (الجزء الثاني)

عبد المنعم مختار
د. عبد المنعم مختارمنبر الرأي

تطور الهوية السودانية عبر العصور: قراءة تاريخية تحليلية في تشكل الدولة وأزمة الانتماء (الجزء الأول)

عبد المنعم مختار
د. عبد المنعم مختارمنبر الرأي

تطور اسم السودان عبر التاريخ (الجزء الثاني)

عبد المنعم مختار
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss