🖊بقلم/ محمد عبدالرحيم أبوه
إن استهداف المعدنيين السودانيين بواسطة الطيران المصري، لا يمكن التعامل معه باعتباره حادثة عابرة يمكن احتواؤها ببيانات دبلوماسية باهتة أو دفنها تحت ركام الصمت والمجاملات السياسية، بل هي قضية تمس السيادة الوطنية وكرأمة شعبه وحق موأطنيه في الحياة والأمان. أن هذه هي المرة الثانية التي يتعرض فيها سودانيون للقتل في ظروف مماثلة، فإن الأمر يثير تساؤلات بالغة الخطورة تستوجب إجابات واضحة ومساءلة لا تستثني أحدا. إن الدم السوداني ليس مباحا والأرض السودانية ليست ساحة مستباحة لتصفية الحسابات أو فرض الإرادات، وأرواح المواطنين ليست أهدافا مشروعة لمصر. وعلى القاهرة أن تدرك أن الجوار لا يمنحها حصانة من المساءلة وأن العلاقات الدبلوماسية لا تبيح تجاوز القانون وأن أي استهداف غير مشروع لمواطنين سودانيين، يجب أن تترتب عليه عواقب قانونية وسياسية واضحة، بعيدا عن محاولات التهوين أو الالتفاف على جوهر القضية.
لقد قدم السودان لمصر مواقف تاريخية وإنسانية لا يجوز محوها أو التنكر لها، وفتح السودانيون أرضهم وقلوبهم للمصريين في محطات صعبة، وتقاسموا معهم ما استطاعوا من الدعم والمساندة، انطلاقا من اعتبارات الجوار وروابط التاريخ. غير أن استضافة مصر للسودانيين في ظروف مماثلة لا تنبغي أن تتحول إلى ورقة ضغط على السودانيين، ولا إلى مطالبة مبطنة لهم بالتغاضي عن الدماء أو ابتلاع مرارة الفقد. فالمواقف السودانية السابقة ليست شيكا على بياض يمنح أي جهة حق الإساءة إلى السودان أو الانتقاص من كرامة مواطنيه، والتاريخ لا يتحول إلى صك غفران دائم، كما أن المعروف لا يسقط حق صاحبه في المطالبة بالعدل. ومن المعيب أن تستحضر القاهرة ما يخدم مصالحها من صفحات التاريخ، ثم تتجاهل ما يفرضه ذلك التاريخ من احترام متبادل والتزامات أخلاقية وقانونية. إن السودان لم يقدم ما قدمه ليشتري به صمت أبنائه ولم يمد يده في أوقات الشدة حتى يصبح مطالبا اليوم بالتنازل عن حقوق مواطنيه. ومن يظن أن حاجة السودان إلى الاستقرار أو ظروف الحرب التي يمر بها يمكن أن تجعله عاجزا عن المطالبة بحقوقه، فهو يخطئ في قراءة شعبه ويستخف بكرامته الوطنية.
إن المطلوب اليوم ليس خطابات إنشائية ولا تبريرات جاهزة ولا بيانات تكتفي بالتعبير عن الأسف دون أن تكشف الحقيقة، بل تحقيق مستقل وشفاف يحدد ما جرى ويكشف ملابسات الواقعة، ويحدد المسؤوليات وسلسلة إصدار الأوامر ويبين الأساس القانوني الذي استند إليه أي استهداف، وإن يضمن محاسبة كل من تثبت مسؤوليته وفقا للقانون. وعلى السلطات المصرية أن تقدم إجابات واضحة لا مراوغة فيها وأن تتعامل مع القضية باعتبارها حقا أصيلا للسودانيين، لا شأنا يمكن تأجيله أو الالتفاف عليه حتى يمل الناس من المطالبة به. كما يتعين علي حكومة تأسيس ألا تفرط في دماء السودانيين، وألا تسمح بأن تتحول حساسية العلاقات الخارجية إلى ذريعة لتعطيل واجبها في حماية المواطنين والدفاع عن السيادة الوطنية. فالمساءلة ليست عداء لمصر، والمطالبة بالحقوق ليست دعوة إلى الانتقام، وإنما هي الحد الأدنى الذي تفرضه مسؤولية الحكومة تجاه مواطنيها. ولا يجوز تحميل الشعوب مسؤولية أفعال لم تثبت نسبتها إليهم، لكن لا يجوز كذلك استخدام الروابط بين الشعبين ستارا يحجب مسؤولية الجهات التي يثبت تورطها. إن العدالة تقتضي التمييز بين الشعوب والسلطات، وبين العلاقات الإنسانية والمساءوليات القانونية، فلا إفلات من المحاسبة بسبب النفوذ، ولا إعفاء من المسؤولية بسبب المصالح، ولا يجوز أن يكون ضعف السودان أو انشغاله بحروبه مبررا للتهاون في حقوق أبنائه.
لقد آن للقاهرة أن تدرك أن احترام السودان ليس منة تمنحها، وأن كرامة السودانيين ليست موضوعا خاضعا للمساومة، وأن سيادة البلاد لا تنتقصها موازين القوة ولا تغيرها حسابات السياسة. يجب الاعتراف بالحقيقة ومحاسبة المسؤولين وجبر ضرر الضحايا واتخاذ ضمانات تمنع التكرار ليست مطالب تعجيزية، بل استحقاقات تفرضها العدالة والقانون وحسن الجوار. أما الاكتفاء بالصمت أو الاحتماء بالمصالح أو انتظار أن تطوي الأيام صفحة الدم، فلن يؤدي إلا إلى تعميق الشكوك وتوسيع فجوة الثقة بين الشعبين. ولسنا في حاجة إلى خصومة مع دول الجوار، ولا نسعى إلى معاقبة الأبرياء لكننا نرفض أن يدفع السودانيون ثمن علاقات لا تحمي حقوقهم، أو أن يطلب منهم الصبر على المظالم باسم تاريخ مشترك لم يحترم مقتضياته من يثبت تورطهم. إن السودان ليس فراغا جغرافيا يمكن تجاوز إرادة شعبه، وليس دولة هامشية تسقط حقوق مواطنيها عند أول اختبار للمصالح الإقليمية. ومن حق السودانيين أن يعرفوا من قتل أبناءهم، ولماذا حدث ذلك، ومن يتحمل المسؤولية، وما الذي سيمنع تكراره. وستظل هذه الأسئلة قائمة حتى تتضح الحقيقة ويأخذ العدل مجراه، لأن الدماء لا تمحوها المجاملات والسيادة لا تحميها العبارات والكرامة الوطنية لا تصان بالصمت، بل بموقف واضح يضع حقوق السودانيين فوق كل اعتبار.
