د. محمد المنير أحمد صفي الدين
الاعترافات التي تضمنها مقطع فيديو منشور في وسائط التواصل الاجتماعي والذي يُقرّ فيه أحد أفراد قوات الدعم السريع الذين وقعوا في الأسر بأنه هو وعددًا آخر من أفراد القوة قد أخذوا ثلاثين فتاة من الخرطوم إلى مدينة الجنينة في أقصى غرب السودان وتزوجوهن، أعادت إلى ذهني تقرير منظمة العفو الدولية الصادر باللغة الإنجليزية في إبريل 2025 تحت عنوان: “لقد اغتصبونا جميعاً: العنف الجنسي ضد النساء والفتيات في السودان”، إضافة إلى تقارير أممية أخرى تناولت موضوع العنف الجنسي الذي يُستخدم كأحد أبشع أسلحة الحرب ضد النساء والفتيات في السودان.
وثّق تقرير منظمة العفو الدولية 16 حادثة شملت الاغتصاب، والاغتصاب الجماعي، والاسترقاق الجنسي، وراح ضحيتها أكثر من 36 امرأة وفتاة في الخرطوم والجزيرة ودارفور. وأكد التقرير استخدام العنف الجنسي كسلاح حرب في السودان، وأن الانتهاكات الموثقة ترقى إلى جرائم حرب وقد تشكل جرائم ضد الإنسانية بموجب القانون الدولي.
كما جاءت إفادات السيدة ريم السالم، عضوة اللجنة الدولية لحقوق المرأة، في أغسطس 2025 ومارس 2024 صادمة ومؤكدة أن العنف الجنسي يُستخدم بشكل منتظم كسلاح حرب في السودان، وأن الضحايا لا يحصلن على المساعدات الصحية والقانونية والعلاج النفسي المطلوب. وفي مقابلة لها مع قناة الجزيرة، تحدثت عن الاغتصاب الذي يرتكبه أفراد الدعم السريع بحق النساء والفتيات أمام أسرهن بغرض الإهانة والإذلال وترك جروح نفسية عميقة لدى الضحايا وذويهن من الرجال الذين يشعرون بالعجز عن حماية أعراضهم. ومن الواضح وجود تطابق كبير بين ما جاء في إفادات السيدة ريم السالم وما ورد في تقرير منظمة العفو الدولية. كما أكدت جميع التقارير والإفادات على تمتع مرتكبي هذه الجرائم بالإفلات التام من المساءلة والعقاب، مما يشجع على ارتكاب المزيد منها ويعمّق الألم النفسي والشعور بالغبن لدى الناجين والضحايا.
وتضمنت تقارير منظمات الأمم المتحدة العاملة في السودان حقائق ومعلومات مروّعة عن العنف الجنسي المصاحب للحرب. فقد جاء في تقرير هيئة الأمم المتحدة للمرأة (UN Women) الصادر في ديسمبر 2024 أن معدل ضحايا العنف الجنسي في السودان ارتفع بنسبة 288% خلال عام واحد (ديسمبر 2023 – ديسمبر 2024). كما ذكر التقرير أن أعمار الضحايا تراوح بين 6 و75 عامًا. وفيما يلي تذكير ببعض ما ورد في تقارير مشابهة:
• “تعرض النساء والفتيات للاغتصاب، والاسترقاق الجنسي، والاختفاء القسري، والاستغلال الجنسي، والاحتجاز في ظروف مهينة”، و”احتجاز مئات النساء من قبل قوات الدعم السريع وتعرضهن للاعتداء الجنسي” (بيان مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، 17 أغسطس 2023).
• “اختطاف النساء والفتيات واغتصابهن وإجبارهن على الخدمة المنزلية القسرية، وهي ممارسات ترقى إلى الاسترقاق الجنسي” (تنبيه جندري صادر عن هيئة الأمم المتحدة للمرأة، ديسمبر 2024).
• “شهادات عن الاغتصاب داخل أماكن الاحتجاز، والاغتصاب الجماعي، وتعذيب النساء والفتيات” (تقرير أخبار الأمم المتحدة نقلاً عن صندوق الأمم المتحدة للسكان، أبريل 2025).
• “ارتكبت قوات الدعم السريع والميليشيات المتحالفة معها عنفاً جنسياً واسع النطاق، بما في ذلك الاغتصاب، والاسترقاق الجنسي، والاختطاف، والاتجار، والعمل القسري” (تقرير بعثة تقصي الحقائق التابعة لمفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان، أكتوبر 2024).
• “العنف الجنسي ضد الأطفال واسع الانتشار وغير مُبلّغ عنه بالشكل الكافي”، و”تتعرض الفتيات للاغتصاب والاختطاف والاستغلال أثناء النزوح” (تقرير اليونيسف حول أزمة الاغتصاب والعنف الجنسي ضد الأطفال في السودان، مارس 2025).
• وتضمن تقرير الأمين العام للأمم المتحدة أمام مجلس الأمن في يوليو 2025 توثيق أكثر من 200 ضحية للعنف الجنسي بين أبريل 2023 ونوفمبر 2024 وحوالي 120 حادثة موثقة أثّرت على 203 ضحية على الأقل (162 امرأة و36 فتاة).
وفي إحدى المقابلات التلفزيونية مع أحد الناجين من الانتهاكات التي ارتكبتها قوات الدعم السريع في ولاية الجزيرة، ذكر الرجل أنهم بكوا عندما رأوا نساءهم وفتياتهم يلقين بأنفسهن في النيل مفضّلات الموت على انتهاك أعراضهن.
إن القاسم المشترك بين كل التقارير والإفادات المتاحة أنها اعتمدت على شهادات الناجيات اللواتي تيسرت مقابلتهن في أماكن متفرقة وآمنة نسبيًا خارج نطاق سيطرة قوات الدعم السريع. لذا فإن عدد من أُجريت معهن المقابلات محدود جدًا، ويمكن الاستفادة منه فقط في وصف أشكال وأنماط العنف الجنسي الذي شاهدنه أو تعرضن له. ويبقى أمران مهمان غائبان عن دائرة المعلومات والنقاش:
- ليس لدينا أي تقدير لحجم المشكلة أو عدد النساء والفتيات اللواتي تعرضن لهذه الانتهاكات.
- لا تتوفر أي معلومات أو تقديرات حول أعداد النساء والفتيات المختطفات والمنقولات قسرًا إلى مناطق تحت سيطرة الدعم السريع أو خارج السودان. ويشمل ذلك حالات الزواج القسري، والاسترقاق الجنسي، والبيع كرقيق داخل السودان وخارجه.
إن غياب هذه المعلومات وغياب أي جهد لاستعادة هؤلاء النسوة والفتيات وإنقاذهن يمثل تقصيرًا كبيرًا من الدولة والمنظمات الدولية والإقليمية المعنية بحقوق الإنسان والمرأة والطفل ومناهضة العبودية.
وبناءً على ذلك، أقترح على السيد رئيس الوزراء د. كامل إدريس، والسيدة النائب العام، ووزيرة الشؤون الاجتماعية، الاستعانة بالمنظمات الأممية والإقليمية ومنظمات المجتمع المدني العاملة في هذا المجال لإنشاء “مفوضية لشؤون النساء والفتيات ضحايا الانتهاكات الجنسية في السودان”.
أهم واجبات المفوضية المقترحة:
• إتاحة منصة للأسر داخل السودان وخارجه (اللاجئون) للإبلاغ عن حالات العنف الجنسي التي تعرضت لها النساء والفتيات.
• تمكين الأسر من الإبلاغ عن النساء والفتيات المفقودات اللواتي يُعتقد أنهن في حوزة قوات الدعم السريع.
• التنسيق مع دول الجوار والمنظمات الدولية والإقليمية والمحلية لإطلاق حملات توعية حول النساء والفتيات المختطفات من السودان، وتشجيع الإبلاغ عن أي حالة يُشتبه بأنها امرأة مختطفة.
• إطلاق نداء قومي للمجتمعات—وخاصة النساء—في جميع أنحاء السودان، بما في ذلك المناطق تحت سيطرة الدعم السريع، للإبلاغ عن أي حالة يُشتبه بأنها اختطاف.
• وضع برنامج لاستعادة جميع النساء والفتيات المختطفات.
• التأكيد على أن أي اتفاق لوقف إطلاق النار بين الجيش السوداني والدعم السريع يجب أن يتضمن عودة جميع النساء والفتيات المختطفات.
• تنفيذ برنامج قومي لتقديم كافة الخدمات الضرورية لضحايا الانتهاكات الجنسية.
• إطلاق حملة قومية لدعم دمج النساء والفتيات ضحايا الانتهاكات الجنسية، وأي أطفال وُلدوا نتيجة لهذه الجرائم، بعيدًا عن أي شكل من أشكال النبذ أو التمييز أو الوصم.
• ضمان عدم إفلات مرتكبي الانتهاكات الجنسية من العقاب داخل السودان وخارجه، بما في ذلك إدراج أسماء المتهمين والملاحقين في قوائم الإنتربول.
إن إنشاء هذه المفوضية واجب أخلاقي وقانوني لا يحتمل التأخير. كما أن الأنشطة المقترحة أعلاه من شأنها توفير كمٍّ مقدّر من المعلومات حول حجم وأشكال الانتهاكات الجنسية التي صاحبت الحرب، مما يساعد في إنقاذ الضحايا وإنصافهم. كما أن توفير الدعم المالي والفني لهذه المفوضية يدخل ضمن اختصاص عدد مقدّر من المانحين والمنظمات الدولية والإقليمية.
إن تعرض امرأة واحدة للانتهاك الجنسي لهو عدد كبير لا يمكن التغاضي عنه.
msafieldin@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم