باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الخميس, 16 يوليو 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
علاء خيراوي
علاء خيراوي عرض كل المقالات

ميسي… المعجزة التي هزمت قوانين الجسد والزمن وكرة القدم

اخر تحديث: 16 يوليو, 2026 3:41 مساءً
شارك

علاء خيراوي
منذ اندلاع الحرب، صار السودانيون يعيشون بين أخبار القتل والخراب والنزوح، حتى بات الفرح نفسه حدثًا نادرًا. وفي قلب هذا السواد، جاءت أحداث مباريات كأس العالم المقامة حاليا في الولايات المتحدة الأمريكية وجاء ميسي والارجنتين ليمنحونا لحظات قصيرة نتناسى فيها اخبار الحرب والدماء، ونستعيد شيئًا من قدرتنا على الابتسام في استراحة إنسانية مؤقتة من الاوجاع؛ نافذة صغيرة فتحتها كرة القدم في جدار الحرب، ووهبنا ميسي عبرها فرحًا مقتطعًا من زمن الحزن.

لم يعد السؤال في أذهان الملايين حول العالم، وهم يشاهدون ليونيل ميسي يقود الأرجنتين إلى نهائي جديد لكأس العالم وهو في التاسعة والثلاثين، هو؛ كيف استطاع هذا الرجل أن يبقى لاعبًا مؤثرًا كل هذه السنوات؟ بل كيف استطاع طفل لم يكن جسده ينمو بالمعدل الطبيعي، وغادر مدينته وقارته في الثالثة عشرة، أن يظل بعد أكثر من ربع قرن قادرًا على تغيير مصير مبارايات بكرة واحدة وفي لحظات قليلة!!؟ وكيف أمكن للاعب قيل له في طفولته، ضمنيًا، إن جسده لا يناسب كرة القدم، أن يجبر كرة القدم نفسها على أن تتكيف مع جسده وعقله وإيقاعه؟!!

ميسي ليس مجرد لاعب عظيم أضاف إلى سجله بطولة أخرى، ولا مجرد صاحب أهداف وأرقام وكرات ذهبية. ميسي، في جوهر حكايته، اعتراض حي على القواعد التقليدية التي حكمت اللعبة طويلًا؛ اعتراض على فكرة أن القوة تبدأ من الجسد، وأن القيادة تحتاج إلى الصراخ، وأن النجومية تستوجب الاستعراض، وأن اللاعب حين يتقدم في العمر لا بد أن ينحسر تأثيره حتى يتحول إلى ذكرى تمشي داخل الملعب.

وُلد ليونيل أندريس ميسي في الرابع والعشرين من يونيو عام ١٩٨٧ في مدينة روزاريو الأرجنتينية، بعيدًا عن مراكز الثروة والنفوذ الكروي في أوروبا. لم يولد في أكاديمية مجهزة، ولم تكن أسرته تملك المال الذي يفتح له الأبواب. بدأ اللعب في نادي غراندولي الصغير، ثم التحق بفئات نيويلز أولد بويز، وكان جسده منذ السنوات الأولى يبدو أصغر من أجساد أقرانه، لكن الكرة بين قدميه كانت تقول شيئًا آخر تمامًا. في طفولته شُخّص بنقص هرمون النمو، وهي حالة كانت تحتاج إلى علاج منتظم ومكلف لا تستطيع أسرته تحمّل نفقاته بسهولة. هذه المعلومة تكررها وسائل الإعلام عادة في سطر عاطفي سريع، ثم تنتقل فورًا إلى قصة برشلونة. لكن ما لا يُقال بما يكفي هو الأثر النفسي الذي يمكن أن يتركه ذلك في طفل صغير؛ أن يرى من حوله يكبرون بينما يبقى جسده متأخرًا، وأن يدرك أن استمراره في اللعبة التي يحبها مرتبط بحقن متواصلة وفواتير لا تملك أسرته ضمان سدادها. لم يكن ميسي في تلك السن يحارب المدافعين، بل كان يحارب احتمال أن يتوقف مستقبله كله لأسباب لا يملك يدًا فيها. وتفيد روايات سيرته بأن تكاليف العلاج وعدم استعداد جهات أرجنتينية لتحملها كانا من العوامل التي دفعت أسرته إلى البحث عن فرصة في إسبانيا.

وفي قلب هذه الطفولة تقف امرأة لا تظهر كثيرًا في الأفلام الدعائية الضخمة؛ جدته لأمه، سيليا. كانت من أوائل من رأوا فيه شيئًا استثنائيًا، ومن أكثر من أصروا على منحه الفرصة. وحين يسجل ميسي هدفًا ويرفع إصبعيه نحو السماء، فإنه لا يؤدي حركة تسويقية صممتها شركة إعلانات، بل يعيد فتح نافذة صغيرة بينه وبين الجدة التي رحلت قبل أن ترى إلى اي مدى وصل الطفل الذي آمنت به. هذه الإشارة وحدها تختصر جانبًا مهمًا من شخصية ميسي، هو لاعب يحمل ذاكرته معه إلى الملعب. لا يحتفل بذاته وحدها، بل يحتفل بالأشخاص الذين صنعوا الطريق قبل أن يصبح الطريق مفروشًا بالضوء.

في الثالثة عشرة غادر روزاريو إلى برشلونة. تبدو الجملة الآن سهلة لأننا نعرف نهايتها، لكن علينا أن ننزع منها بريق الأسطورة لنرى قسوتها الإنسانية. كان طفلًا يترك الحي والأصدقاء والمدرسة واللهجة والروائح والوجوه التي يعرفها، وينتقل إلى بلد آخر يطالبه منذ اللحظة الأولى بإثبات أنه يستحق كلفة المغامرة. لم تكن برشلونة تستقبل بطل العالم القادم، بل تستقبل فتى ضئيل الجسد يمكن أن ينجح أو يعود إلى الأرجنتين مكسورًا. وتحول الاتفاق الأولّي مع برشلونة إلى واحدة من أشهر وثائق الرياضة؛ التعهد الذي كتب على منديل ورقي في ديسمبر ٢٠٠٠، عندما أراد كارليس ريكساش اللاعب التاريخي لبرشلونا والمدرب، تثبيت التزام النادي بالتعاقد معه بعد طول تردد. لكن المنديل لم يكن هو المعجزة؛ المعجزة أن طفلًا في الثالثة عشرة جعل مسؤولًا في واحد من أكبر أندية العالم يخشى أن تضيع منه موهبة لم تكن قد لعبت مباراة احترافية واحدة.

عانى ميسي في بداياته بإسبانيا من الغربة والانطواء، واضطرت أسرته إلى التكيف مع حياة لم تكن مستقرة تمامًا. لم تكن رحلته صعودًا مستقيمًا كما تُروى بعد النجاح. كان عليه أن يتدرب، ويخضع للعلاج، ويتأقلم اجتماعيًا، ويواجه الشك في قدرته على تحمل كرة القدم الأوروبية. وهنا تظهر سمة سترافقه طوال حياته؛ لم يكن يجيد الدفاع عن نفسه بالكلام، فاختار أن يجعل الكرة تتكلم نيابة عنه. دخل الفريق الأول لبرشلونة رسميًا في عام ٢٠٠٤، ولم يحتج العالم طويلًا حتى يدرك أن ما يشاهده ليس مجرد جناح سريع آخر. كانت هناك أشياء يصعب تفسيرها باللغة المعتادة؛ الكرة تلتصق بقدمه اليسرى كأن المسافة بين الجلد والجلد ألغيت، وجسده الصغير يغير اتجاهه قبل أن تستطيع أجساد المدافعين الكبيرة إرسال الأوامر إلى عضلاتها، وعيناه تقرآن فراغات لا يراها الآخرون إلا بعد أن تمر الكرة من خلالها.

لكن اختزال ميسي في المراوغة ظلم كبير لعبقريته. مراوغاته هي أكثر أجزاء لعبه وضوحًا، وليست بالضرورة أكثرها عمقًا. المعجزة الحقيقية تكمن في قدرته على اتخاذ القرار الصحيح بسرعة استثنائية؛ متى يتقدم؟ متى يتوقف؟ متى يمرر؟ متى يسحب مدافعًا من موضعه؟ ومتى يترك الكرة تمر أمامه ليصنع بخطوة لا يلمس فيها الكرة فرصة لم تكن موجودة؟ إنه لا يهزم المدافع بعد أن يواجهه فقط؛ كثيرًا ما يهزمه قبل أن تصل الكرة، لأنه يكون قد فهم وضع جسده، والزاوية التي يستطيع الدوران إليها، والمساحة التي يخشى تركها. ولذلك فإن ميسي ليس لاعب قدم يملك عقلًا جيدًا، بل عقل كروي فريد يستخدم القدم لتنفيذ ما سبق أن رآه.

مع بيب غوارديولا، بلغ هذا الذكاء مرحلة غيرت شكل كرة القدم الحديثة. عندما تحرك ميسي من الجناح إلى قلب الملعب في دور المهاجم الوهمي، لم يكن التغيير مجرد نقل لاعب من خانة إلى أخرى. لقد تحول إلى سؤال تكتيكي لا يملك المدافعون إجابة مريحة عنه؛ هل يتبعونه عندما يتراجع إلى وسط الملعب، فيتركون خلفهم فراغًا ينطلق إليه الجناحان؟ أم يبقون في أماكنهم، فيمنحونه الحرية لاستلام الكرة والدوران وصناعة اللعب؟ كان ميسي مهاجمًا يسجل كصاحب الرقم تسعة، ويصنع كصاحب الرقم عشرة، وينطلق كجناح، ويتحكم في إيقاع المباراة كلاعب وسط. لم يشغل مركزًا واحدًا؛ كان يعيد رسم المراكز من الداخل.
ومن الظلم كذلك أن يقال إن برشلونة صنع ميسي من دون استكمال النصف الآخر من الحقيقة؛ ميسي أيضًا أعاد صنع برشلونة.

في سبعة عشر موسمًا مع الفريق الأول قاد النادي إلى أربعة وثلاثين لقبًا، وأصبح هدافه التاريخي وصاحب العدد الأكبر من الأهداف والعديد من الأرقام الأساسية في تاريخه. سجّل ٦٧٢ هدفًا رسميًا للنادي، وصنع حقبة لم يعد اسم برشلونة خلالها مجرد اسم نادٍ كبير، بل مرادفًا لنمط كامل من كرة القدم. وتوثق سجلات النادي أنه صاحب معظم أرقامه الهجومية الكبرى، وأنه اللاعب الأكثر تتويجًا في تاريخه عند رحيله.

لكن أثره لم يكن محصورًا في الأهداف والبطولات. ميسي رفع قيمة كل من لعب إلى جواره. كان يجذب مدافعين اثنين أو ثلاثة، فتظهر المساحة لزميل. كان يمنح لاعبي الوسط خيار تمرير لا يتيحه لاعب آخر. وكان يستطيع تحويل تمريرة عادية إلى هجمة خطرة، فيبدو الفريق كله أكثر دقة وإبداعًا. كما حمل برشلونة اقتصاديًا ورمزيًا. ملايين الأطفال في آسيا وأفريقيا والأمريكتين لم يختاروا النادي بسبب تاريخ كتالونيا أو نظامه الإداري، بل لأن طفلًا أرجنتينيًا يرتدي الرقم عشرة جعلهم ينتظرون كل مباراة ليروا ما إذا كان سيخترع شيئًا جديدًا. كانت قمصان برشلونة تُشترى باسمه، والملاعب تمتلئ لرؤيته، والجولات الدولية تُبنى حول حضوره. لم يكن أحد موظفي النادي، بل كان أحد أهم أصوله الرياضية والاقتصادية والرمزية.

وحين غادر في عام ٢٠٢١، لم يفقد برشلونة هدافًا فحسب؛ فقد مركز الجاذبية الذي دارت حوله منظومته سنوات طويلة. ظهر بعد الرحيل أن بعض ما كان يُنسب إلى كفاءة النظام كان في الحقيقة قدرة ميسي على إصلاح عيوب النظام داخل الملعب. كان يستطيع أن يجعل الخطة الناقصة تبدو مكتملة، والمباراة السيئة قابلة للإنقاذ، والفريق المرهق قادرًا على الانتصار. أما علاقته بالأرجنتين فكانت أكثر قسوة وتعقيدًا. في برشلونة كان يُقاس بما يفعله، أما مع المنتخب فكان يُقاس طويلًا بما فعله دييغو مارادونا قبله. لم يكن مطلوبًا منه أن يكون ميسي، بل أن يعيد إنتاج أسطورة أخرى بشخصية مختلفة وفي زمن مختلف.

فلقد وصل مع الأرجنتين إلى نهائي كأس العالم ٢٠١٤ وخسره أمام ألمانيا، ثم خسر نهائيين متتاليين لكوبا أمريكا أمام تشيلي. وفي كل مرة كانت الهزيمة تُحمّل له كما لو أنه لعب وحده، وكأن بلوغ النهائيات إخفاق لا إنجاز. وصل الضغط ذروته في ٢٠١٦ فأعلن اعتزاله الدولي، ثم عاد لأن علاقته بقميص الأرجنتين كانت أعمق من الغضب الذي دفعه إلى الرحيل.
ما لا يُذكر بما يكفي أن ميسي اختار العودة إلى المكان الذي كان يؤذيه. كان يستطيع أن يحمي إرثه في برشلونة ويترك المنتخب لمنتقديه، لكنه عاد وخاطر بالمزيد من الخسائر والإهانات. وتلك واحدة من أقوى صور الشجاعة في مسيرته: ليست الشجاعة أن تنتصر حين يعرف الجميع أنك الأقوى، بل أن تعود إلى ساحة سبق أن كسرتك.

ثم تبدلت الحكاية. قاد الأرجنتين إلى لقب كوبا أمريكا ٢٠٢١، ثم كأس العالم ٢٠٢٢، ثم كوبا أمريكا ٢٠٢٤، بعدما كان قد حقق في شبابه كأس العالم تحت عشرين عامًا والميدالية الذهبية الأولمبية. وتوضح سجلات فيفا أن مسيرته الدولية جمعت بين ألقاب الفئات السنية والأولمبياد وكوبا أمريكا وكأس العالم، وهي مسيرة تكاد تشمل كل طبقات المجد المتاحة للاعب دولي. غير أن أهم ما فعله ميسي للأرجنتين قد لا يكون رفع الكؤوس، بل تحرير جيل كامل من عقدة المقارنة المستمرة. لقد أثبت أن الطريق إلى البطولة لا يحتاج إلى تقليد مارادونا، وأن الأمة تستطيع أن تحتفظ بأسطورتين مختلفتين دون أن تهدم إحداهما لتبني الأخرى. مارادونا كان العاصفة والخطابة والتمرد الظاهر، أما ميسي فكان الصمت والتراكم والانضباط. كلاهما عبّر عن جزء من الروح الأرجنتينية، لكن كلًّا منهما فعل ذلك بلغته الخاصة.

وفي كأس العالم الحالية بأمريكا الشمالية، لم يعد ميسي ذلك الشاب الذي يحمل الكرة من منتصف الملعب ويجتاز خمسة لاعبين في كل مباراة. وهذه هي الزاوية التي تضيع وسط صخب الأهداف والأرقام؛ عبقريته الآن تظهر في ما امتنع عن فعله بقدر ما تظهر في ما يفعله.
إنه يمشي كثيرًا، نعم، لكنه لا يمشي خارج المباراة. يمشي داخلها بعينين تعملان أسرع من أقدام الآخرين. يراقب تمركز المدافعين، ويتعرف إلى اللاعب الذي يتباطأ، ويقيس المسافة بين قلب الدفاع والظهير، وينتظر اللحظة التي تتحول فيها المعلومة التي جمعها إلى تمريرة قاتلة. في التاسعة والثلاثين، لم يعد في صراع خاسر لاستعادة جسد الخامسة والعشرين. فعل شيئًا أكثر ذكاء؛ أعاد توزيع جهده. اختصر الركض غير الضروري، وحافظ على اللمسة، والرؤية، والتمرير، والقدرة على الظهور في اللحظة الحاسمة. لم يتحدَّ الشيخوخة بإنكارها، بل فاوضها، وتنازل لها عن بعض السرعة مقابل أن يحتفظ لنفسه بالسيطرة على الزمن.

وفي نصف النهائي أمام إنجلترا، كانت الأرجنتين متأخرة قبل أن تعود في الدقائق الأخيرة وتفوز ٢–١. وجاء هدف الانتصار في الوقت بدل الضائع من تمريرة حاسمة لميسي إلى لاوتارو مارتينيز، لتبلغ الأرجنتين النهائي الثاني على التوالي وتواجه إسبانيا في التاسع عشر من يوليو. ودخل ميسي النهائي بعد بطولة استثنائية بلغ فيها، وفق إحصاءات ما بعد نصف النهائي، ثمانية أهداف وأربع تمريرات حاسمة. لكن تمريرته أمام إنجلترا لا ينبغي أن تُقرأ بوصفها رقمًا جديدًا في عمود الصناعة. معناها الأعمق أن لاعبًا في التاسعة والثلاثين ظل قادرًا، بعد آلاف المباريات وملايين ساعات التحليل، على رؤية الحل قبل الجميع وتنفيذه تحت أعلى درجات الضغط. الخصوم يعرفون أنه يبحث عن التمريرة، والمدربون يدرسون زواياه، والمدافعون شاهدوا تسجيلاته مئات المرات، ومع ذلك لا يزال يعرف شيئًا لا يعرفونه في اللحظة الحاسمة.

وهنا تكمن إحدى عجائب ميسي التي لا تحظى بالاهتمام الكافي؛ العالم لم يعد يجهله. لم يعد مفاجأة تكتيكية، ولم تعد قدمه اليسرى سرًا، ولم تعد طريقة تحركه مجهولة. كل فريق يدخل المباراة بخطة لإيقافه، وكل مدافع يعرف أنه سيحاول الانطلاق إلى الداخل، وكل حارس درس تسديداته، ومع ذلك استمر في الإنتاج لعقدين. العظمة ليست أن تفاجئ خصمك مرة، بل أن تخبره بما ستفعله ثم تعجزه عن منعه. ومن الزوايا الأخرى التي تختفي وراء أرقامه أن ميسي لم يبنِ سلطته على تخويف زملائه. لم يكن قائدًا مسرحيًا يبحث عن الكاميرا وهو يصرخ، ولم يجعل غرفة الملابس مسرحًا لذاته. قيادته تقوم على تحمل المسؤولية، وعلى أن يطلب الكرة عندما يخشى الآخرون لمسها، وعلى أن يظل أكثر اللاعبين موهبة واحدًا من أكثرهم التزامًا بالتدريب والانضباط.

هذا النوع من القيادة مهم لأنه هدم صورة قديمة للقائد في كرة القدم. فالقائد ليس بالضرورة أعلى الناس صوتًا، ولا أكثرهم غضبًا، ولا من يلوح بذراعيه بعد كل خطأ. يمكن أن يقود الإنسان بالثقة التي يزرعها في الآخرين، وبإحساسهم بأن المباراة لم تنته ما دام موجودًا. كما أن ميسي، خلافًا للصورة التي تصنعها صناعة النجومية، لم يحتج إلى اختراع شخصية عامة مختلفة عن شخصيته الحقيقية. بقي قليل الكلام، حذرًا في ظهوره، مرتبطًا بعائلته ومدينته وأصدقائه القدامى. لم يحوّل حياته كلها إلى عرض متواصل، ولم يسمح للعلامة التجارية بأن تلتهم الإنسان تمامًا. في عصر أصبح فيه بعض الرياضيين مشهورين بما يقولونه خارج الملعب بقدر شهرتهم بما يفعلونه داخله، حافظ ميسي على مركزية الكرة في حكايته.

وقد يكون هذا أحد أسباب اتساع محبته؛ الناس لا يشعرون بأنهم أمام بطل يطالبهم بالانبهار به، بل أمام رجل يبدو كأنه لا يزال مندهشًا قليلًا من كل هذا المجد. المعجزة في ميسي ليست أنه لم يفشل. لقد فشل وخسر وأضاع ركلات جزاء وبكى واعتزل وعاد، وتعرض للسخرية والاتهام. المعجزة أنه لم يسمح للفشل بأن يعيد تعريفه. لم يحوّل الألم إلى كراهية، ولم يجعل النقد حجة للتخلي عن المنتخب، ولم يعامل موهبته كضمان أبدي للنجاح. لهذا فإن حكايته أكبر من العبارة السهلة: طفل فقير تغلب على المرض وأصبح بطلًا. هذه صيغة عاطفية تختصر تعقيد التجربة. ميسي لم ينتصر على نقص هرمون النمو مرة واحدة في طفولته؛ لقد ظل طوال مسيرته يهزم الأحكام المبكرة التي تبنى على المظهر والجسد والصوت والشخصية. كان قصيرًا في لعبة تزداد بدنية، وهادئًا في عالم يعشق الاستعراض، وانطوائيًا في صناعة تتغذى على الضجيج، وأعسر القدم في منظومات تحاول دفع اللاعب إلى الحلول المتوقعة. وحوّل كل ما عُدَّ نقصًا فيه إلى جزء من تفوقه. قصر قامته خفّض مركز ثقله، وصمته جعله أكثر مراقبة، وابتعاده عن الاستعراض حفظ تركيزه، وتجربته مع الضعف منحته ربما قدرة استثنائية على الاحتمال. لم يصبح عظيمًا رغم كل صفاته، بل استخدم كثيرًا من تلك الصفات ليصبح عظيمًا.

وحين يدخل ميسي نهائي كأس العالم أمام إسبانيا، فإن المسألة لم تعد تتعلق بإكمال سجل يحتاج إلى الإكمال. لقد فاز بكل ما يمكن تقريبًا أن يفوز به لاعب، وتوثق فيفا أنه دفع برشلونة إلى أربعة وثلاثين لقبًا، ثم أضاف نجاحاته في فرنسا والولايات المتحدة، إلى جانب إرثه الكامل مع الأرجنتين. إن فاز، لن يبدأ مجده يومها. وإن خسر، لن ينتهي شيء من الحقيقة التي صنعها. فالنهائي ليس محاكمة أخيرة لمسيرته، وإنما فصل إضافي نادر في كتاب تجاوز منذ زمن حاجة صاحبه إلى إثبات أنه من أعظم من لمسوا الكرة.

لقد منح ميسي برشلونة أجمل حقبة في تاريخه، ومنح الأرجنتين الخلاص من سنوات القلق والانتظار، ومنح كرة القدم قاموسًا جديدًا لفهم العبقرية. لكنه منح الناس شيئًا أبعد من البطولات؛ منحهم البرهان على أن الضعف الظاهر ليس حكمًا نهائيًا، وأن الجسد لا يحدد دائمًا سقف الروح، وأن الإنسان قد يبدأ حياته بحقنة يومية وخوف من ألا يكبر، ثم يكبر إلى درجة يصبح معها عصر كامل من كرة القدم جزءًا من اسمه. لهذا لا يبدو ميسي لاعبًا مرّ بتاريخ اللعبة، بل زمنًا كاملًا مرّت اللعبة من خلاله. وعندما يرفع إصبعيه نحو السماء بعد هدف جديد، يعود للحظة ذلك الطفل الصغير في روزاريو؛ الطفل الذي آمنت به جدته قبل أن يؤمن به العالم، والذي لم يكن يعرف أن قدمه اليسرى ستعيد رسم حدود الممكن. تلك هي معجزة ميسي الحقيقية؛ أنه جعل الأشياء التي لا تتكرر تبدو، أمام أعيننا، عادية من كثرة ما كررها.

ومهما تكن نتيجة النهائي أمام إسبانيا، فإن كأس العالم الحالي قد رسّخ حقيقة يصعب إنكارها؛ ليونيل ميسي لم يعد لاعبًا يسعى إلى صناعة مجده، بل أصبح المجد نفسه جزءًا من اسمه. فإن رفع الكأس مرة أخرى فسيضيف فصلًا جديدًا إلى أعظم مسيرة فردية عرفتها كرة القدم، وإن خسر فسيغادر البطولة مرفوع الرأس بعد أن أثبت، في التاسعة والثلاثين من عمره، أن العبقرية الحقيقية لا يقهرها الزمن. أما نحن، فسنبقى ممتنين لذلك الطفل القادم من روزاريو، لأنه منحنا، نحن السودانيين، وسط الحرب والخراب، لحظات نادرة من الفرح لن تُنسى.

khirawi@hotmail.com

الكاتب
علاء خيراوي

علاء خيراوي

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

الجيل الثاني من مواليد السودانيين في الغرب نموذج جديد للشخصية السودانية .. بقلم: د/عادل عبد العزيز حامد
منبر الرأي
دَوَّامة التُوهـــان: بين تعاليم الإسلام وسلوك المسلمين: الالتصاق الصفيق والبُعد السحيق: السودان نموذجاً (11) .. بقلم: محمد فقيري
منبر الرأي
“رحلات في شمال السُّودان وكُردُفان وجزيرة سيناء، وساحل الحجاز (1822م – 1827م) .. تقديم: أ.د. أحمد إبراهيم أبو شوك
الأخبار
قوات الدعم السريع تستهدف مطار الخرطوم بالمسيّرات لليوم الثاني
الأخبار
مجلس الوزراء يناقش مبادرات الوساطة بشأن الموقف مع إثيوبيا

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

لكشف أباطيل الغلاة ومحاصرة العنصرية البغيضة .. بقلم: نورالدين مدني

نور الدين مدني
منبر الرأي

في واقعة اعتقال الترابي وإغلاق رأي الشعب ..الموقف هو موقف فولتير … بقلم: طلحة جبريل

طلحة جبريل
منبر الرأي

رعي جائر بحق الرحل: ما بيني وبين الدكتور كليف تومسون (العقل الرعوي 21) .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم

د.عبد الله علي ابراهيم
منبر الرأي

إبني لا يحب العنب !!! .. بقلم: الرفيع بشير الشفيع

الرفيع بشير الشفيع
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss