باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الخميس, 23 يوليو 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
عبدالله الفكي البشير عرض كل المقالات

نحن والتراث… تصاهل الأفكار على أرض الثورة الجزائرية

اخر تحديث: 23 يوليو, 2026 10:52 صباحًا
شارك

نحن والتراث… تصاهل الأفكار على أرض الثورة الجزائرية
قراءة في حلقة من برنامج “مدار الفكر”، أدارها الأستاذ جدي كريم واستضاف فيها الأستاذ عبد العزيز غرمول

بقلم الدكتور عبد الله الفكي البشير
نقلاً عن جريدة الخبر الجزائرية، 21 يوليو 2026

حين يتأمل الباحث المتابع للفضاء الجزائري، ويتفحص طبيعة الحوارات وتصاهل الأفكار على منصاته، ونوعية الموضوعات المطروحة، يدرك بأن الثورة الجزائرية، لا تزال حاضرة، وبقوة. فهي لم تبقَ حدثًا تاريخيًا يُستدعى في المناسبات الوطنية، وإنما تحولت إلى مكوّن من مكونات الوعي الجزائري، وإلى مرجعية فكرية وأخلاقية تستبطنها الثقافة العامة. ويستطيع المراقب، أن يلمس حضورها في الحوارات التي يخوضها المثقفون، وفي الإنتاج الفكري، وفي الأسئلة الكبرى التي تشغل الفضاء الثقافي الجزائري. فهي حاضرة في طريقة التفكير، وفي مناهج قراءة التاريخ والراهن، وفي النقاشات المتعلقة بالهوية والتراث والتجديد، حتى غدت الثورة جزءًا من التكوين الفكري للجزائري، لا مجرد صفحة مضيئة في سجل الماضي. ولعل هذه الخصوصية هي التي تجعل الحوار الفكري في الجزائر مختلفًا؛ فهو لا ينطلق من ذاكرة حضارية فحسب، بل من تجربة تحررية ما تزال تنبض في الوجدان، وتلقي بظلالها على كيفية فهم الماضي، والتعامل مع التراث، واستشراف المستقبل. وانطلاقًا من هذه المرجعية الثورية، تغدو الحوارات التنويرية التي دأب الأستاذ كريم جدي على قيادتها وبنائها، عبر سنوات من الاشتغال الفكري والإعلامي، ومن خلال منصات متعددة كان آخرها برنامجه “مدار الفكر” على قناة الوطنية TV، تعبيرًا عن استمرارية الروح التحررية للثورة الجزائرية في مجال الفكر والثقافة. فهي لا تستحضر الثورة بوصفها ذاكرة وطنية فحسب، وإنما تستلهمها باعتبارها مشروعًا مفتوحًا لتحرير الإنسان والوعي، وإعادة بناء المجال العمومي على أسس العقلانية والنقد والمسؤولية. ومن ثم، فإن هذه الحوارات التي يقودها الأستاذ كريم تجسّد الإرث الثوري للجزائر، وتمثل أحد امتداداته الأكثر عمقًا، حيث يتحول الفعل التنويري إلى ممارسة تحررية في الحاضر، كونه مواصلة لما بدأته الثورة الجزائرية في ميدان التحرير الوطني، ولكن بأدوات المعرفة والحوار ومصاهلة الأفكار وإنتاج المعنى.
وكما أننا نعيش اليوم في عصر المسؤولية والحرية، حيث لا تُقبل وصاية المحتل على الأرض، فلا ينبغي أن تُقبل وصاية أي فهم تاريخي على العقل، كما لا ينبغي الانصياع لسلطة التراث الإسلامي، دون اعمال للنقد والحاجة للتنقيح. ذلك لأن الإسلام أوسع من التراث الذي أنتجه المسلمون عبر التاريخ، وأرحب من اجتهادات رجاله، ولأن كل جيل مدعو إلى التحرر من سجن القديم إلى رحابة الراهن ومواجهة تحدياته. وبهذا المعنى ومع جملة من الأسئلة دفع الأستاذ كريم بقضية نحن والتراث للحوار، مستضيفاً الأستاذ الكاتب والصحفي والروائي الأستاذ عبد العزيز غرمول. وقد جاء استخدامنا لتعبير “مصاهلة الأفكار” للدلالة على ذلك الحوار الحي الذي تتجاوب فيه الرؤى وتتفاعل، لا لتتنافى أو تتطابق، بل لتنتج معنى جديدًا. وقد كانت حلقة «مدار الفكر» دعوة لتحويل الحوار إلى فعل معرفي يستنطق الماضي لاستشراف المستقبل. ومن هذا الأفق الفكري تابعت الحلقة بشغف، مترقبًا مقاربات الأستاذ عبد العزيز غرمول، وذهني مشدود إلى الثورة الجزائرية، ولا سيما ونحن نعيش هذه الأيام الذكرى الرابعة والستين للاستقلال. وكان يقيني، وأنا أتابع الحوار، أن إرث الثورة الجزائرية لا يزال يعلّمنا أن التحرر قيمة لا تتجزأ، وأن المقاومة فعلٌ متجدد لا ينقطع؛ غير أن المستعمِر لم يعد جيوشًا تحتل الأرض، بل صار جهلًا يستعمر العقول، ويعطل طاقات الإنسان، ويحول بينه وبين وعيه بذاته وتاريخه.
كان مدخلي إلى الثورة الجزائرية هو المفكر السوداني محمود محمد طه (1909- 1985)، صاحب الفهم الجديد للإسلام. فهو لم يلفت انتباهي إليها، بوصفها حدثًا عسكريًا أو انتصارًا سياسيًا فحسب، بل بوصفها فعلًا للتحرر، وتجسيدًا لإرادة الإنسان في كسر الوصاية، سواء وصاية المستعمر على الأرض والشعب، أو وصاية سجناء الماضي على العقل، أو وصاية الجمود على الفكر. لقد أولى المفكر محمود محمد طه كفاح الشعب الجزائري ضد الاستعمار الفرنسي، اهتماماً خاصاً. فقد كتب عن ثورته محتفياً بها، ومتابعاً لمسيرة كفاحه الباسل، ووصفه بـ “الشعب الصادق”. (صحيفة أنباء السودان، الخرطوم، 4 أكتوبر 1958). وعندما تمكن الشعب الجزائري أثناء مقاومته الباسلة من اعلان حكومته في المنفى عام 1958، حياه المفكر محمود محمد طه، قائلاً: “حيا الله شعب الجزائر وبياه [أي بوّأه مكانًا حسنًا]. فقد وصل المرحلة الأخيرة من مراحل كفاحه الباسل ولقد كان إعلان حكومته في المنفى بمثابة تدرج لهذا الكفاح الباسل الذي ظل طريداً مبعثراً يلوذ بأطراف الأرض رغم دقة نظامه وقوة بأسه”. (صحيفة أنباء السودان، الخرطوم، 18 أكتوبر 1958). وأضاف مناشداً الأحرار بالاعتراف بهذه الحكومة، والقيام بالواجب تجاهها، فكتب، قائلاً: “وسيلقي علينا جميعاً اعترافنا بهذه الحكومة واجب إعادتها إلى أرضها وشعبها”. كذلك دعا طه الشعوب المسلمة والعربية وأحرار العالم إلى مناصرة الشعب الجزائري، ودعم ثورته. كما طالب الشعوب المستعمَرة في العالم أن تترسم أثر الشعب الجزائري الباسل، وتقود المصادمة للمستعمِر، من أجل التحرير وتحقيق كرامة الإنسان. ولهذا، لم أقرأ الثورة الجزائرية باعتبارها صفحة من التاريخ، أو مجرد ملحمة وطنية خاضها شعب باسل ضد استعمار استيطاني، وإنما باعتبارها فكرة تكشف عن قدرة الإنسان على تحويل الإيمان بالحرية إلى فعل مستمر، والفكرة لا تزال قادرة على إلهام الحاضر. وأزداد وعيي بها عمقًا حين كان مدخلي إليها مفكرًا حمل همَّ الحرية والواجب تجاه الإنسان، ودفع حياته ثمناً لمواقفه، ودعا إلى مقاومة الاستعمار بوصفها واجبًا أخلاقيًا قبل أن تكون خيارًا سياسيًا.

أسئلة الراهن.. بنكهة الثورة الجزائرية

استهل الأستاذ كريم جدي حلقة «نحن والتراث» بطرح أسئلة الراهن، مستدعيًا كبار المفكرين وأصحاب المشاريع الفكرية الكبرى. فاستحضر قراءة الراحل جورج طرابيشي (1939- 2016)، لما خلّفته هزيمة حزيران/يونيو 1967 من جرح غائر في الوعي العربي والإسلامي، حين رأى أن الإنسان العربي، ولا سيما بعد وفاة الرئيس جمال عبد الناصر (1918- 1970)، لجأ إلى التمركز حول التراث، واتخذه «الأب المثالي» تعويضًا عن الإذلال النرجسي والنفسي الذي أصاب الذات الجمعية. ومن هذا المدخل، انطلقت الأسئلة الكبرى التي شكّلت العمود الفقري للحلقة: إذا كان التراث، وفقًا لطرابيشي، قد تحول إلى “الأب المثالي”، فكيف ينبغي أن نقرأه؟ وإذا كان، كما يقول عبد الكبير الخطيبي (1938- 2009) في كتابه: النقد المزدوج، استدعاءً للمنسي، فكيف نستعيد ذلك المنسي دون أن نستنسخ الماضي؟ وإذا كان، بتعبير مالك بن نبي (1905- 1973)، يختزن منظومات معرفية وأخلاقية وجمالية، تضم أفكارًا حية، وأخرى ميتة، وثالثة مميتة، فلماذا نهمل الأفكار الحية، ونستعيد الأفكار الميتة، بل ونعيد إنتاج الأفكار المميتة في واقعنا المعاصر؟ وتوالت الأسئلة بإيقاع متصاعد: لماذا ظل العقل العربي والإسلامي أسيرًا لسلطة القراءة التراثية الجامدة؟ وهل أصبح ينظر إلى الحاضر بعيون الماضي؟ ولماذا يُكثر من استظهار نصوص السابقين، بينما يتردد في تأسيس قراءة جديدة، عقلانية ونقدية، تستوعب التراث دون أن تستسلم له؟ ومتى نتحرر من سلطة ووصاية هذا التراث بغثِّه وسمينِه وبأفكاره الحية؟ فما التراث؟ وكيف نقرأه؟ أي علاقة مع التراث، أهي علاقة تكاملية أو علاقة جدلية أو علاقة نقد وسؤال ومراجعة؟
كانت تلك الأسئلة إعلانًا عن طبيعة الحوار؛ فهي لم تستهدف محاكمة التراث أو تمجيده، وإنما سعت إلى تحرير العلاقة به من ثنائية التقديس والقطيعة، تمهيدًا لإعادة بنائه بوصفه رصيدًا معرفيًا يخدم الحاضر بدل أن يقيده. ولعل هذه الأسئلة، في عمقها، هي ذاتها التي طرحتها الثورة الجزائرية على وعي الإنسان الجزائري؛ إذ لم يكن التحرير فيها تحريرًا للأرض فحسب، بل كان أيضًا دعوةً إلى تحرير الإنسان من كل أشكال الوصاية والجمود. ومن هنا ظل السؤال حاضرًا: كيف نصون ذاكرتنا دون أن نستحيل إليها؟ وكيف نجعل من تراثنا رافعةً للتحرر والتجديد، لا قيدًا على العقل، وجمود الفكر، إمكانات المستقبل؟
ومن هنا بدأ الأستاذ عبد العزيز غرمول في بسط مقاربته للإجابة عن هذه الأسئلة.

“نحن الآن نعيش عصر آخر”

كانت هذه العبارة، التي أطلقها الأستاذ عبد العزيز غرمول، بمثابة الفكرة المركزية التي انتظمت حولها مقاربته لقضية التراث. فالقول إننا نعيش عصرًا آخر ليس مجرد توصيف زمني، وإنما هو إعلان عن ضرورة تغيير أدوات القراءة، ومناهج الفهم، ومعايير التقويم. ومن هنا دعا إلى تنقيح التراث، لا إلى هدمه، وإلى مساءلته، لا إلى الارتهان له. ومن هذا المنطلق طرح سؤالًا بالغ الدلالة: ماذا ننتظر من هذا التراث؟ وماذا ننتظر من تلك الأفكار؟ ثم أوضح أننا تعاملنا طويلًا مع التراث من زاويته الفقهية والدينية، بينما أغفلنا أبعاده الفلسفية والعلمية والجمالية والإنسانية، وهي الأبعاد التي يمكن أن تمد الحاضر بأسباب النهوض والتجديد. وفي هذا السياق، تتقاطع رؤية الأستاذ عبد العزيز مع أطروحة المفكر السوداني محمود محمد طه، ومع الدكتور طه حسين (1889م- 1979م). يقول المفكر محمود محمد طه إن التطور، هو الأصل، وهو قانون الوجود، ويرى أن فهم التراث لا ينفصل عن «حكم الوقت» ومتطلبات العصر. ولذلك دعا إلى إعادة النظر في التراث، لا بقصد نقضه، وإنما لفهمه فهمًا جديدًا يواكب تحولات الإنسان والمعرفة. فالتراث، في نظره، لا يقتصر على التراث الإسلامي، بل يشمل التراث الإنساني بأسره، بما يزخر به من علوم وآداب وفنون، باعتباره خبرةً تراكمية تسهم في الارتقاء بالوعي الإنساني. وكل هذا التراث الإنساني، عنده، هو وسيلة من وسائل المعرفة بالله، كونه يمثل تنزلات الله في مراحل تاريخية مختلفة، تعبر كل مرحلة عن التطور أوانئذ. ولهذا فإننا كلما عشنا في عصر جديد، كما أشار لذلك الأستاذ عبد العزيز، نحن نحتاج، كما يقول محمود محمد طه، لنفهم التراث فهماً جديداً، وفقاً لمعطيات العصر وتطور آيات الآفاق. يقول الله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ ۗ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾. (سورة فصلت: 53). ويرى محمود محمد طه أن التطور في آيات الآفاق، وكلما يأتي العلم بجديد، ينعكس على العقول، فيجعلها تفهم القرآن فهماً جديداً. وهنا يكون الأستاذ عبد العزيز محقاً في سؤاله: ماذا ننتظر من تلك الأفكار؟ ذلك لأن الأفكار المنتجة اليوم وفقاً لتطور آيات الآفاق، تكون مخاطبة للراهن، ومستجيبة لمتطلبات العصر، وملبية حاجة الإنسان المعاصر. (يعد كاتب هذا المقال في كتاب بعنوان: قراءة في رؤية محمود محمد طه تجاه التراث والحداثة).
وعندما دفع الأستاذ كريم بسؤاله: أأنت مع القطيعة؟ أجاب الأستاذ عبد العزيز، قائلاً: لا ليس قطيعة نهائية.. هناك علامات مضيئة في تراثنا يجب ألا نتجاهلها، وعلينا إحيائها.. ثم استشهد بابن رشد، متسائلًا: ماذا استفدنا من هذا العقل الفلسفي الكبير؟ وهل استلهمناه في إعادة قراءة الدين على ضوء العقل؟ وأجاب بأننا ما زلنا نخشى فتح باب العقلانية والحوار، ولذلك أصبحنا نتعامل مع الدين تعاملاً استهلاكيًا، بدل أن نجعله منطلقًا للتفكير والإبداع. ودعا الأستاذ عبد العزيز إلى تجاوز القديم بعد تنقيحه، كما ذكرنا بحاجتنا إلى فقه جديد، وهذا ما يتطلب العمل الذي بدوره يتطلب التحرر من الكسل العقلي. ولم يكن هذا الموقف بعيدًا عما دعا إليه طه حسين، الذي رفض الاستسلام للموروث لمجرد قِدمه، وعدّ الشك المنهجي والبحث الحر شرطين لإنتاج المعرفة. فقد كتب في الشعر الجاهلي، قائلاً: “وهم يريدون بعد هذا أن نؤمن ونطمئن إلى كل ما يتحدث به القدماء… نعم نستطيع أن نؤمن وأن نطمئن لو أن الله قد رزقنا هذا الكسل العقلي الذي يحبب إلى الناس أن يأخذوا بالقديم تجنباً للبحث عن الجديد. ولكن الله لم يرزقنا هذا النوع من الكسل، فنحن نؤثر عليه تعب الشك ومشقة البحث”. في إشارة إلى أن التجديد لا يولد من الاطمئنان إلى المألوف، وإنما من جرأة السؤال وإرادة الاكتشاف. وقد دعا الأستاذ عبد العزيز إلى العمل من أجل الجديد على ضوء معطيات العصر الذي نعيش فيه، وباستصحاب العلامات المضيئة في تراثنا. ويخلص الأستاذ عبد العزيز إلى نتيجة واضحة مفادها: ليس المطلوب قطيعةً مع التراث، ولا ارتهانًا له، بل غربلته، واستبقاء عناصره الحية وعلاماته المضيئة، وتجاوز ما تجاوزه الزمن، والعمل على إنتاج فقهٍ وفكرٍ جديدين، قادرين على الاستجابة لمقتضيات العصر. فوفاء الأجيال لتراثها لا يكون بتكراره، وإنما بتحويله إلى طاقة معرفية تدفعها إلى الأمام، تمامًا كما حوّلت الثورة الجزائرية ذاكرتها إلى مشروع دائم للتحرر، لا إلى ماضٍ يُكتفى بالاحتفاء به.

كيف نقرأ التراث؟ ودروس الثورة الجزائرية: التحرر قيمة لا تتجزأ

عندما دفع الأستاذ كريم جدي بسؤال: كيف نقرأ التراث؟ استدعى جملة من المشاريع الفكرية الحديثة التي حاولت مقاربة التراث من زوايا ومناهج مختلفة. فأشار إلى أن حسين مروة (1910-1987) قرأ التراث من خلال الجدلية المادية، وأن محمد أركون (1928-2010) اعتمد المقاربة الإبستيمية، بينما وظّف محمد عابد الجابري (1935-2010) المنهج الإبستمولوجي في مشروعه النقدي للعقل العربي. كما أشار إلى تحول تجربة حسن حنفي (1935-2021) من التأثر بفيورباخ إلى توظيف المنهج الظاهراتي، وإلى اعتماد نصر حامد أبو زيد (1943-2010) المنهج الهرمينوطيقي، ومحاولة عبد الله العروي قراءة التاريخ العربي من منظور تاريخاني، في حين اعتمد فهمي جدعان منهج التاريخ المقارن.
ومن هذا العرض المتعدد للمقاربات، انتقل الأستاذ عبد العزيز غرمول إلى تقديم رؤيته الخاصة، مستحضرًا، بنكهة الثورة الجزائرية، درسًا جوهريًا من دروسها: أن التحرر قيمة لا تتجزأ؛ فكما تحرر الإنسان الجزائري من الاستعمار الخارجي، فإنه مطالب أيضًا بتحرير وعيه من كل أشكال الجمود والارتهان. وفي معرض إجابته، انتقد الأستاذ عبد العزيز القراءات التي تستورد أدواتها من خارج التراث وتطبقها عليه دون مراعاة خصوصيته، قائلًا: “كل هؤلاء الذين أسميتهم الآن جاءوا بنظريات من خارج التراث، من خارج النص، وأرادوا أن يقرأوه بأدوات ليست منه، ولهذا تكون دائمًا قراءة مضللة وقراءة غير أصيلة”. ويرى الأستاذ عبد العزيز أن المدخل السليم لقراءة التراث يبدأ من فهمه داخل سياقه وأدواته الخاصة، لا بقصد البقاء داخله، وإنما بقصد تحويله إلى موضوع تاريخي ومعرفي. فالإنسان العربي والمسلم، في نظره، ينبغي ألا يكون “كائنًا تراثيًا” تحكمه سلطة الماضي، بل إن التراث يجب أن يصبح جزءًا من وعيه ومعرفته الشاملة، إلى جانب العلوم والتكنولوجيا والفلسفات وأسئلة العصر. ولكيما نحول التراث إلى هذه المعرفة، كما يرى عبد العزيز، يجب أن ندرسه بأدواته ونضعه في تاريخه وسياقه، ونستفيد منه فقط في تلك ما أسميناه سابقا بالعلامات المضيئة.. ومن هنا فإن دراسة التراث بأدواته، ووضعه في سياقه التاريخي، يسمحان بتمييز عناصره الحية واستعادة علاماته المضيئة، بعيدًا عن تحويله إلى مركز وحيد للمعرفة. وفي هذا السياق استحضر الأستاذ عبد العزيز نموذج ابن رشد، باعتباره علامة مضيئة لا تزال قابلة للقراءة والاستثمار، ولا يزال صالح للتداول، لما يمثله من حضور العقل والحوار بين الفكر والدين.. وختم الأستاذ عبد العزيز رؤيته بالتأكيد على أن الحاجة ما تزال قائمة إلى مفكر أو مفكرين كبار يعيدون قراءة التراث من داخله وبأدواته، قراءة تحرره من الجمود، وتعيده إلى موقعه الطبيعي باعتباره جزءًا من المعرفة الإنسانية، لا بديلًا عنها. قائلاً: “أنا أعتقد نحن لا نزال في انتظار مفكر أو مفكرين كبار يقرأون التراث من خلاله وبأدواته”.

الثورة الجزائرية… ونسف الحواجز الاستعمارية

في تقديري إن الحوارات العلمية الجريئة التي يقودها الأستاذ كريم جدي تمثل امتدادًا لأحد أهم معاني ومعالم الثورة الجزائرية؛ فالثورة لم تكن مشروعًا لتحرير الأرض فحسب، بل مشروعًا لتحرير الإنسان والعقل والوعي. وكان المفكر محمود محمد طه، قد قال: “إن الاستعمار سيخرج من الأرض ولكنه سيبقى في العقول”. ومن ثم، فإن استكمال الاستقلال يظل رهينًا باستمرار معركة التنوير، وتحرير العقول، وبناء فضاء معرفي حر، قادر على مساءلة الموروث، والانفتاح على العصر، وإنتاج المعرفة. وفي هذا الأفق، لا تقتصر قيمة حوارات الأستاذ كريم على الفضاء الجزائري، وإنما تتجاوز حدوده لتسهم في تنمية الوعي داخل الفضاء العربي والإسلامي والإفريقي، بل وفي الفضاء الإنساني الأرحب. فحين يطرح الأستاذ كريم جدي أسئلة الراهن، ويستضيف أصحاب الرؤى المختلفة، فإنه لا يدير حوارًا إعلاميًا فحسب، بل يفتح مجالًا للتفكير المشترك، ويستنهض المسؤولية الفكرية والأخلاقية للمثقفين، بوصفها جزءًا من مشروع التحرر والتغيير. كما تتيح هذه الحوارات الفرصة لتعارف العقول وتبادل الخبرات، بعد أن أقامت المعرفة الاستعمارية، لعقود طويلة، حواجز بين شعوب المنطقة، ورسخت صورًا نمطية وحدودًا ذهنية لا تقل أثرًا عن الحدود السياسية. ومن هنا تستعيد الثورة الجزائرية راهنيتها، لا باعتبارها ذكرى وطنية فحسب، بل باعتبارها مصدر إلهام لمواصلة تفكيك البنى الاستعمارية في المعرفة والوعي، وبناء شراكات فكرية وثقافية جديدة، قوامها الحوار والاعتراف المتبادل، والشراكة في صناعة المستقبل. وإذا كانت الثورة الجزائرية قد نجحت، بالأمس، في إسقاط الحواجز التي فرضها الاستعمار على الأرض، فإن التحدي اليوم هو إسقاط ما تبقى من حواجز في العقول؛ فاستقلال الأوطان يكتمل باستقلال الوعي، والتحرر يظل قيمة لا تتجزأ، تتجدد مع كل جيل، وتتخذ في كل عصر أدواتها وأسئلتها.
الرحمة والخلود لشهداء الثورة الجزائرية الذين صنعوا هذا الإرث التحرري العظيم، والتحية للشعب الجزائري وهو يواصل حمل رسالته في ميادين الفكر والثقافة كما حملها من قبل في ميادين الكفاح. كما يطيب لي أن أجدد تحية المفكر السوداني محمود محمد طه للشعب الجزائري الصادق، كما وصفه، وحياه، قائلاً: “حيا الله شعب الجزائر وبيّاه”، وأن أتقدم للأستاذ كريم جدي بخالص التقدير على جهوده العظيمة في ترسيخ ثقافة الحوار، وفي سبيل تنمية الوعي، وخدمة التنوير، وأنسنة الحياة، وتعزيز القيم الإنسانية التي تجعل من المعرفة سبيلًا للتحرر، ومن الحوار جسرًا للمستقبل.

abdallaelbashir@gmail.com

Author

عبدالله الفكي البشير

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
ضحية غالية مجهولة لحرب البرهان والكيزان..!
تقارير
رهان الخطر… حين تتحول براغماتية ولي العهد مع الإخوان إلى عبء على مستقبل السعودية
منبر الرأي
المماليك في السودان: أ. أي. روبنسون … ترجمة: بدر الدين حامد الهاشمي
منبر الرأي
سلمان .. دعم مباشر فى الوريد .. بقلم / طه أحمد أبوالقاسم
منبر الرأي
النجوم الساطعة … بقلم: فرانسيس مييك

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

وقفة مع الذات السودانية! .. بقلم: د. مرتضى الغالي

د. مرتضى الغالي
منبر الرأي

صمود في إسطنبول !! .. بقلم: د. مرتضى الغالي

د. مرتضى الغالي
منبر الرأي

حول الانقسامات الحزبيه: من بابكر بدري الي ميشيل عفلق وبالعكس .. بقلم: عبد العزيز حسين الصاوي

عبد العزيز حسين الصاوي
منبر الرأي

حسين خوجلي، نصف عبقري!! .. بقلم: الطيب الزين

طارق الجزولي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss