الشامي محمد
لم يكن الذين سقطوا يوم السبت في جبل العقيدات جنوداً ولا مهربين. كانوا شباباً وآباء خرجوا من قرى الشمال ودارفور وكردفان، وحملوا أدوات بسيطة إلى الجبال الحدودية ليعودوا بشيء من الذهب يسد حاجة أسرهم، في بلد دمرت الحرب مزارعه وأسواقه ومصانعه. هؤلاء استقبلتهم طائرة نفاثة في الثامنة صباحاً، فتحولت مواقع عملهم إلى مقابر مفتوحة.
تقول مجموعة (محامو الطوارئ) إن 72 معدّناً على الأقل قُتلوا في الغارة، وتوجه الاتهام صراحة إلى الجيش المصري، وتؤكد (شبكة أطباء السودان) وجود عشرات المصابين. والناجون الذين وصلوا إلى سوق الأنصاري يتحدثون عن رفاق لم يُعرف مصيرهم بعد، لأن الفارين تبعثروا في الصحراء.
وما يزيد الأمر خطورة أن المنطقة نفسها تعرضت لضربات مماثلة في يونيو الماضي راح ضحيتها 23 معدّناً، ثم جاءت حملات الاعتقال والترحيل التي أعادت آلاف المعدّنين عبر معبر أرقين. وكل ذلك جرى دون تحقيق معلن، ودون أن تقدم القاهرة تفسيراً يتعلق بمكان العمليات أو بالضحايا السودانيين.
وفي الداخل، اكتفت السلطة في بورتسودان بوعود لم تتحقق، بينما تشير منظمات حقوقية إلى ضغوط مورست على المعدّنين لمحو ما صوروه من مشاهد. سلطة تطلب من مواطنيها إخفاء دليل قتلهم لا تقف إلى جانبهم، وإنما تقف في الصف الآخر.
من هنا تقع المسؤولية على السودانيين في الخارج، فهم وحدهم اليوم من يملكون حرية الحركة والقدرة على الوصول إلى صانعي القرار في العالم. والمطلوب منهم واضح:
أن تبادر الأحزاب وروابط الجاليات والنقابات ومنظمات المجتمع المدني إلى مخاطبة الأمم المتحدة ومجلس حقوق الإنسان والمنظمات الدولية، بمذكرات موثقة تطالب بتحقيق دولي مستقل في غارتي يونيو وأكتوبر، وبحماية المعدّنين في المناطق الحدودية.
وأن تخرج وقفات سلمية أمام السفارات المصرية في أوروبا والدول الغربية، تعلن رفض استهداف المدنيين السودانيين وتطالب بوقفه فوراً.
وأن تنظم وقفات أخرى أمام السفارات السودانية في الخارج، تقول لسلطة الأمر الواقع إن السكوت على دماء المواطنين والتنسيق مع من سفكها أمر مرفوض، وإن حماية الأرض والناس واجب لا يقبل المساومة.
أسر الضحايا في الشمال لا تستطيع أن تقف أمام سفارة أو تكتب إلى الأمم المتحدة، لكن أبناء السودان في الخارج يستطيعون، وعليهم أن يفعلوا ذلك الآن.
