نيالا وبورتسودان ، الأولي كانت عروس الغرب والثانية كانت عروس الشرق حتي السبعينات ، والآن جار عليهما الزمان والمسيرات فعم الحريق وانطفا بريق حسنهما الاخاذ!!..
ghamedalneil@gmail.com
زرتهما معا في السبعينات ولفت نظري في سوق نيالا هذا الاتساع والنظافة وحسن الهندام عند البشر والمباني والأزقة والحواري وبالطبع عند الشوارع الرئيسية واللغة المتداولة التي تقطر حميمية والأدب الجم والذوق الرفيع !!..
زرت نيالا مع ثلة من الزملاء المعلمين من مدرسة ( أبوزبد الوسطي ) وقصدنا كان السياحة في نيالا أرض الخير والبركة والنماء في داخلها وحولها والأمل في الوصول إلي جبل مرة بمياهه المتدفقة الساخن منها والباردة في نوافير متراصة جنباً الى جنب في مشهد بديع يسر الناظرين وفواكها التي تتواصل صيفا وشتاء والحياة الفطرية غاية في الجمال مع وداعة الإنسان هنالك وترحيبه الاثير بالزائرين !!..
نزلنا في ميز معلمي المرحلة الوسطي في ديم كوريا عند ضفة وادي نيالا المزدان علي مدار العام بالخضرة تجعله يضاهي سواد العراق والمياه الجارية في الخريف وفي غير الخريف يمكن الوصول إليها بمجرد الحفر بسهولة باليدين فقط فينبع الماء صافيا رقراقا .
مدرسة نيالا الوسطي كانت أول مدرسة وسطي علي نطاق السودان تشيد بهندسة فريدة مع كافة مرافقها بما في ذلك الداخليات ومسكن الناظر والمعلمين المتزوجين ومساكن المعلمين العذاب ( الميزات ) .
وقد تم تعميم نفس تصميم مدرسة نيالا الوسطي علي بقية المدارس الحكومية الوسطي التي شيدت فيما بعد في بقية أنحاء القطر وقد جاءت كلها علي غرار ( Nyalla Tybe ) .
حرص مستضيفوننا من المعلمين إن نأخذ جولة في سوقها الكبير ونتعرف علي بعض التجار هنالك وقد كنت سعيدا إن قابلت في هذه الجولة الخاطفة تجارا أحبوا نيالا واتخذوها مصدراً لكسب عيشهم عن طريق التجارة وهم من بلدنا الغالي المسلمية وبالتحديد من قرية ( ابو قدوم ) وهي تعتبر حي من أحياء مدينة المسلمية التاريخية التي عرفت بالتجارة مابينها ومصر الحبيبة وبرز فيها تجار معروفون انتقلوا إلي نيالا والجنينة وصاروا من مكونات المجتمع هنالك في نسيج فريد وتاخي كان مضرب المثل لمتانته وصدقه والجميع يضعونه في حدقات العيون !!..
بالمناسبة قرية ( ابو قدوم ) أنجبت شاعر السودان الكبير محجوب شريف … وفي سوق نيالا التقيت بابن المسلمية الذي أقام في ضاحيتها الغربية الساحرة حيث كان يمر قطار القطن في رحلته مابين مارنجان والحصاحيصا … التقيت بالإنسان البشوش المرح فتح الرحمن محمد الطيب وصحبه الكرام الذين شرفونا مع نيالا واهلها بحسن تعاملهم وقمة أخلاقهم وذوقهم الرفيع .
هذه الضاحية غرب المسلمية توجد أمامها غاية جميلة تزيد من جمال المكان سمعنا فيما سلف من الايام إن هذه الغابة ترقد في بحيرة من البترول ولكن الي الان لم نري أي حراك في المنطقة لآليات الكشف والتنقيب عن هذا الذهب الأسود عله يعوض عن الذهب الأبيض الذي ضاع بسبب ضياع المشروع والذي قال عنه د. البوني:
( مابين البروف والبروف المشروع طلع اوف ) .
انتهي كلام د. البوني.
ياحليل مكي عباس ، مكاوي سليمان أكرت وابن المسلمية عبد الله الزبير هؤلاء الخبراء التكنوقراط الذين تعاملوا مع المشروع بكل ما عندهم من حنكة وخبرة واحترموا المزارع واحترموه وتجولوا بين المزارع بعربة ( المورس) وكانت جولاتهم في الغيط للارتقاء بالمشروع وليس باي قصد سياسي أو طمع حزبي أو تحيز لاي فئة أو مجموعة وانما كان الجهد والبذل من أجل رفعة الوطن الحبيب .
ولاننسي في قيادة ( الفبارك ) هذا الجنرال الجنتلمان الرياضي المطبوع عمنا عبدالمجيد عبدالرحيم وغيره في بركات ومرنجان يوم كان المشروع يدار من بركات وليس من الخرطوم !!..
تحية لنيالا الحبيبة وقد زرتها في السبعينات وأعجبت بكل شيئ فيها حتي شجرتها الفارهة التي تتوسط ساحة السوق وتحتها عدد من ( الازيار ) الجامبو التي بمجرد رؤيتها يحس الإنسان بالارتواء مهما كان به من عطش دام لساعات طوال .
نيالا الحبيبة وقتها كانت تغني العرسان عن الذهاب الي جدة لشراء ( شيلة الزواج ) فقد توفرت في أسواقها العامرة اجمل الملبوسات والثياب والعطور الباريسية القادمة عن طريق تشاد من فرنسا رأسا .
اليوم أين انت يا نيالا وفي اي جمر تتقلبين وقد مضت الأيام الماضية بكل مافيها من جمال وخير ومحبة وسلام يوم كان الضيف يكرم بالذبايح ويوم كان الخير باسطا جناحيه واليوم لانري إلا المسيرات والحريق والنزوح واللجوء !!..
نواصل مع بورتسودان الحلقة القادمة إن شاء الله سبحانه وتعالى .
حمدالنيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي.
معلم مخضرم .
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم