هروبنا من أمدرمان القديمة …. “بدأ بخطوة واحدة” (13)

بقلم عبدالفتاح عبدالسلام*
17 يناير 2026

سردية “تهافت الهاربين”

الحلقة الثالثة عشرة

” عندما يُغلق بابٌ ، يٌفتحٌ بابٌ آخر “
أليكساندرغراهام بيل

• إرهاص بتوديع القاهرة

لاحت انفراجة سفري إلي الرياض السعودية للالتحاق بعائلتي أخيرا عندما تعين عليّ التوجه إلي مكتب ” تأشير” ، الكائن في حي بعيد عن حي الهرم في منطقة جديدة تسمي ” البساتين الشرقية ” مرتبطة بالطريق الدائري …
كان المزاج معتدلا و إن تناوشته من حين لآخر دوامة الحرب و تراجيديا الهروب الكبير ، غير أن زحام القاهرة و ملايينها فوق العشرين و و ضجيجها النهاري و الليلي قد تكفّل بالإبقاء علي آلام النفس و البدن في قاع أو هوة ” مؤجّلة ” عانيتُ حتي أطوّح بها بعيدا ، مع إدراكي المبهم أنها قد تعود بين لحظة و أخرى في أي سانحة أو في كل منعطف ! …
و لكني ظننت أني قد اقتربت من استكهناه معني ما لكل هذا ، رغم الخطب الكبير الذي ألَمَ بمئات الآلاف إن لم يكن بملايين من البشر هناك جنوبا ، و الجنوب دائما مصابٌ ، هكذا سواء بمقدمات يقول بعضهم أن للضحايا يدُ بما حاق بهم من عذاب لأنهم ساهموا فيه – بلامبالاتهم و ربما بجهلهم ! و انسياقهم وراء كل مدعٍ أثيم فارغ يحتكم للعنف كتجار المخدرات ! … و آخرون يرون أن الحكمة تكمن في تجريد كل خطاب فاقد للمعني ، و من ثم وضعه علي الطاولة و تشريحه ، و تالياً الوصول لخيوط القذارة الكامنة في تلافيفه !…خصوصا إذا كانت سردية الخطاب بائنة الانكشاف و موثّقة بالبينة و القرائن ، ليظهر كل هذا الصخب وفق مسرحية تاريخية مكررة و سخيفة … لا تعدو أن تكون نهما هدفه النهائي التسلط و حيازة الثروة و نهب الأموال !! ….
و لكن … أوليست هذه المباني التي ترتفع كصناديق الكرتون المتلاصق و ما فيها من ملايين البشر في هذا الحي المدهش ، في هذه المدينة اللغز ، دعوة صريحة للثبات و المعافرة لإثبات أن المرء لن يعجز عن تحسس مصيره ، و ما عليه سوى المضي قدما مهما كان و ما سيكون …
فقد انطلقت‘ مبكرا ذلك الصباح من جوف تلك المباني … و كان لا مناص من استخدام الأوبر ، لأضمن علي الأقل وصولي في الوقت المناسب …
غير أن وصولي كان مبكرا جدا ، فالدخول إلي مكتب ” تأشير” لا يتم إلا في العاشرة صباحا ، إذن أمامي ساعة و نصف … فسالت عن أقرب مقهي أو كافيتيريا أتناول فيها شيئا …
حيُ ” البساتين الشرقية ” يختلف قطعا عن حي الهرم حيث أسكن وسط الزحمة ، أما هنا فالناحية تبدو أحدث و مبانيها ذات طابع أوروبي قريب من نكهة ” مصر الجديدة ” مع رونق أهدأ و دون عمارات عالية متلاصقة .. و في كافيتيريا في الهواء الطلق و فطور صباحي و دردشة مقتضبة مع زبون يدخن الشيشة و يحدق في الموبايل يجلس وحيدا علي بعد خطوات من طاولتي … استفسرته بفضول صحفي قديم عن هذا الحي … فاجاب باختصار من يفضل عدم الانشغال عن صور و حكايات الموبايل … ثم جلست هناك و بصري يجول في الشارع الواسع الخالي و المنازل و المباني الرائعة بصمتها الموحش في ضفته المقابلة …

• الصمت قد يكون صِنواً للمكر أحياناً

سوداني ذو ملامح مصرية سافرة و يرتدي مثلي جلابية بيضا و طاقية و يبدو أن تجاوز الستين بسنوات … و قف هناك علي الحاجز في انتظار الدخول المنظّم لمكتب التأشيرة . علي الأقل سنتبادل الحديث ريثما نلج إلي داخل المبني ، كان معه ما بدا أنها ابنته صغيرة السن ، و إن كانت لا تشبهه و سمتُها ليس مصريا بالمرة بل سودانيا و معها ولدين صغيرين لا يشبهانها أيضا ! …
تذكرت أني صادفت أناسا مثله ، قد لا يتعدون الخمسة ! … و بنفس الملامح و الشبه تقريبا في أمدرمان أو بحري خلال السنتين السابقتين للحرب القذرة ، و هي كما ذكرت في حلقات سابقة ، هي كل الفترة التي قضيتها في بلاد السودان بعد غياب طويل امتد لعقود من الزمن . أيكون هاربا مثلنا و لاجئ هنا ؟ لم لا ، فأكثر من نصف أو ثلثي سكان العاصمة المثلثة قد هربوا ! ابتدرته بالتحية و خُيّل لي أنه لم يرد !! … و رغم الإبهام شرعتُ كعادتي في التمهيد لمدخل لتبادل الحديث و لكنه كان ينظر من جانب عينيه في ارتياب مستطلعا وجهي وهيئتي كانه يتساءل … من أكون !!! و استعصم صاحبنا بصمت هائل يدعو للحرج أنقذنا منه صوت عنصر السيكيورتي و هو يقول ” الدخول فقط لصاحب التأشيرة بالإسم ” و بدا أن صاحبنا هو المعني إذ سُمح لما افترضتُ أنها ابنته و طفليها بالدخول و تنحي هو جانبا إلي ظل المبني …

• بلاد كوكتيلٍ من السُحنات

في داخل المبني اصطحبني أحد المشرفين إلي غرفة لأخذ بصمة العين و هناك كان يجلس خلف طاولة وبعض المعدات شاب صغير السن شديد البياض (كبياض الأوربيين الشماليين) ، ذو شعر أجعد شديد السواد كأنه مصبوغ ، فاختلط عليَ تباين ملامح المصريين ، خصوصا إذا تفحصتهم عن قرب ، و كنت أحسب نفسي علي إلمام بحقب التاريخ المتوالية لوفود أو ” غزو ” غير أصحاب البلد الأصليين لمصر ، منذ الهكسوس الأوائل فالإغريق و عهد ابتولمايوس “بطليموس” ثم الرومان فالعرب فالأيوبيين الكورد فمماليك وسط آسيا فالأتراك العثمانيين و أتباعهم من أرناؤوط و شركس و أبخاز ، و ألفيت نفسي مندفعا للسؤال عن هوية متعهد البصمة ، كسؤالنا المعتاد عندما نلتقي مصادفة بسودانيين في الخارج : ” و الأخ من وين في السودان ؟” و كنت سألقي السؤال بنفس المنوال مع تغيير الشطر الأخير إلي ” من فين في مصر؟ لولا أنه قفز فور دخولي و بآلية عجيبة إلي معداته الإلكترونية ، و بسرعة أعجب لا تتعدي دقيقة أو دقيقتين كانت بصمة عيني قد أرسلت الي جهة أخري في نفس المبني …
و في سيري في الممرات إلي حيث موقع اكمال الإجراءات كنت أضحك في سري من منظر متعهد بصمة العين … مما ذكرني بالروائي المصري الكبير رؤوف مسعد …حينما حكي في روايته ” بيضة النعامة ” وهو طالب في بولندا: “أنا هنا لست أبيض بدرجة كافية ، و حين كنت صغيرا و يافعا في ود مدني لم أكن أسمر بصورة كافية أيضا ” ، الأمر الذي أحزنه في الحالتين …

• في الحروب و الكوارث قد يخشي البعض من التفاعل مع الآخر الحميم

في الطابور ذي الحاجز وقفتُ منتظرا دَوري . و في الصف المجاور كانت السيدة السودانية الصغيرة ذات الطفلين الذين لا يشبهانها تقف محتارة وقد تعثرت في توضيح موقفها للموظفة ، و عندما رأتني توجهت إليَ بسؤال بلهجة عاصمية ، لم أعد أذكره – في الغالب حول إجراء أو ورقة ما مطلوبة – و لا أذكر كيف أجبتها ، و وقفت السيدة تبحث في حقيبتها عن بعض الأوراق حتي عثرت علي واحدة ، قدمتها للموظفة و مر الأمر بسلام فيما أعتقد …
الموظفة اللطيفة فاجأتني بأن هناك خطأ في كتابة انتهاء جواز سفري علي واحدة من الأوراق فاصابتني الحيرة و قلت لها متأسفا أن هذه هي المرة الثالثة التي أفشل فيها ، و الآن بسبب خطأ لم أتسبب فيه ( خمنتُ أن الخطأ ربما كان من إحدي موظفتين صغيرتين بائستين في المكتب التمهيدي الأول قبل أقل من شهرين) ، و لكنها قالت بلهجة واثقة أن الموضوع بسيط و ما عليَ سوي الإتصال بمكتب ” انجاز ” حيث يمكنهم تعديل الخطأ و إرسال الورقة الجديدة إلكترونياً إلي رقمها . و هذا ما تم في غضون أقل من نصف ساعة …
أسرعتُ بمجرد خروجي من مكتب تأشير ، و أنا اتنفس بعمق هواء حي البساتين النقي و قد تأكّد لي أنني مغادرٌ القاهرة العريضة بعد أيام ، نعم أسرعتُ إلي ظل البناية الذي وقف فيه صاحبنا السوداني الأبيضاني الصامت الذي تخيلتٌ أنه قد يكون هاربا من مكان ما من العاصمة المثلثة ، و لكن كل ذلك انقطع و ضاع ، فقد اختفي و اختفت معه ابنته المفترضة و طفليها فأحسست بحزن و أسف ، رغم فضولي القديم لاستنباط معرفة ما ، معلومة ما عن أناس عديدين قد تصادفهم في شتي المنعطفات …
قد يكون بالرجل علة ما ، أخذتُ أفكر .. قد يكون فاقدا للسمع و النطق (و إن كنت استبعد هذا الافتراض) .. أو أنه قاسي أهوال الحرب و الهروب اللعينة فاحس التهديد من هذا الآخر الحميم و لو نسبيا ؟!، انطلاقا من مقولة التونسي ” صالح بشير ” في مقال قديم للكاتب محمد جميل …
ربما يكون ذلك هو التفسير الأنسب لصمت البعض و عزوفهم عن التفاعل أو التعاطي مع حس أو ” مفهوم ” المواطنة الملتبس شديد التعقيد و الذي أخذ بالتلاشي في العقود الثلاثة و نيف الأخيرة في بلاد السودان و أضحي لغزا الآن بفعل كارثة الحرب و إحباطاتها من منظور الأقليات و ” الأغلبيات ” إن جاز التعبير …..

• أمام مقهي أم كلثوم

لم أدر كيف استعادت روحي بعض شغفها القديم عند مروري بمقهي أم كلثوم الكائن في حي الهرم ، و أنا عائد آخر النهار من مشواري البعيد في مكتب حي البساتين و الذي أحسست فيه ببعض الإنجاز ، و ربما عزز من ذلك أن الموظفة اللطيفة أكدت لي أن جواز جواز سفري سيصلني بــــ ” كورير ” البريد السريع علي عنواني بالهرم و معه التأشيرة مطبوعة و مختومة ! . و رحتُ أردد أن بمصر كثير من المتناقضات ، قليل منها يشدها نحو المستقبل ، بينما كثير منها متعلق بالماضي و جموده …
جاءتني خاطرة و أنا في حي الهرَم في طريقي للشقة أن أتناول قهوى بالحليب في مقهي أم كلثوم الشهير ، فوقفتُ برهة ً لأول مرة لأتأمل المقهي من الخارج حيث انتصب تمثال صغير من السيراميك الأبيض لـ” الست ” كما يناديها المصريون ، رغم أنني كثيرا ما مررت بها في طريقي من و إلي مخبز الرغيف ، و كان صوت أغانيها ، و معظمها من الأحدث نسبيا يشدو من مكان ما بالداخل ، إلاّ أنني تسمرتُ هناك و ترددت كثيرا ، ثم اكتفيت بالتطلع إلي البهو الداخلي حيث بدا المكان خاليا من الزبائن وفكرتُ أنهم ربما يردون بعد حلول الليل …
و لم أدخل إلي مقهي الست …
و قد يكون السبب أنني قديما شغفت ببعض أغنياتها لفترة قصيرة من الزمن و أنا بعيد هناك في أوروبا … ثم مللتها لسبب غير معلوم … ثم عاد الشغف مرة أخري و لكن هذه المرة بسبب المسلسل الخاص بها ، و الذي عُرض في أواخر التسعينات أو بداية الألفية علي ما أذكر …… و تكمن المفارقة الآن ، و أنا أمام مقهاها المتخصص ، أنني كنت أتابع المسلسل الرمضاني آنذاك فقط من أجل سماع أغانيها القديمة التي بدأت به مشوارها في القاهرة في العشرينات و الثلاثينات …
ولكنني لم استطع الدخول …
لا أدري … فقد تناوشتني مجددا أطياف الرعب الذي انتابنا و نحن في أول خطوات الهروب من أمدرمان … بل مر في خاطري بسرعة صدى الأغنيات – أكثرها سودانية من تسجيلات الإذاعة الماستر و قليل منها غربية – التي جمعتها على مر السنين ، حتي نجحت و بعد جهد ( بعد انتشار الفلاش عوضا عن الكاسيت و الــ سي دي و الـ DVD ) في الاحتفاظ بها في فلاشات . تركت تلك الفلاشات و بعضها ضم مقالات لي و قصصا و حكايات منشورة في مختلف الدوريات و الصحف ، و كتبا إلكترونية ، دعك من الصور و الشهادات و ملفات عمل …. تركت كل ذلك في الكيس الداخلي الصغير في حقيبة ملابس كبيرة في بيتنا بأمدرمان . و الآن و بعد ما وردني في الأسبوعين أو الثلاثة الماضية من ما جري لمنزلنا من ” نهبوت و غنيموت ” فأنا موقن بأن تلك الحقيبة قد ” طارت ” بعيدا مختفية للأبد ، بفعل فاعلين … لا كما طارت ” ريميديوس الجميلة ” بملائتها البيضاء في حكاية ماركيز الشهيرة …
و قلت لنفسي لن تنفعني قهوة أم كلثوم و لن تعيد لي أغنياتي و ذكرياتي القديمة ، فتلك الأغاني و تلك الذكريات قد ضاعت . فهل مازالت تقبع بعيداً هناك في أحياء طفولتي ، في الخرتوم القديمة ؟! …..

….. يتبع
*
fattah71@gmail.com

عن عبدالفتاح عبدالسلام

عبدالفتاح عبدالسلام

شاهد أيضاً

هروبنا من أمدرمان القديمة …. “بدأ بخطوة واحدة” (11)

بقلم عبدالفتاح عبدالسلام*12 ديسمبر 2025 سردية “تهافت الهاربين” الحلقة الحادية عشرة • ” الدنيا كدا …