بقلم عبدالفتاح عبدالسلام *
13 أبريل 2026
سردية “تهافت الهاربين”
الحلقة السادسة عشرة و الأخيرة
لا أدري لمَ استولي عليَ حزن غريب في آخر ليلة لي في القاهرة ، رغم أني تشاغلتُ عنه بلملمة ملابسي و أغراضي القليلة في حقيبة السفر الصغيرة التي هربتُ بها من أمدرمان قبل شهور . قد يكون مردُ ذلك الحزن أولا إلي حالة البلبلة التي اعترتني عقب ورود خبر نهب بيتنا في أمدرمان القديمة ، و ثانيا ربما أنني لم التقي و لو مصادفة بأشخاص لديهم نفس الشغف باستكشاف المدن و البحث في تاريخها القريب عن أماكن كتّابها و مبدعيها ، خصوصا أولئك الذين رحلوا عن عالمنا و تركوا بصمتهم تتحدث عنهم …
كنت نادما بعض الشئ …
ربما لأنني لم أسعي كما كنت أتمني دائما بالبحث عن أمكنة كتّاب مصر العظام و شعرائها و مسرحييها و مخرجي و ممثلي سينمتها المبدعين ، و مغنيها ذوي الأصوات الفخمة من الجنسين …
بل كان يجدر بي ، لو كانت الأحوال هي الأحوال ، أن أزور ولو لنصف ساعة ، مبني ماسبيرو حيث هنا القاهرة وصوت العرب و إذاعة الشرق الأوسط التي طالما سمعناها في الزمن الماضي و نحن في سنوات النشوء الغضّة …
نعم … تلك الألحان و الأصوات المصرية و غيرها التي كانت تُبث من ” هنا أمدرمان ” و التي كان المستمعون من أهل المدن و الحواضر يطلبونها ، و تصدح بها الراديوهات في البيوت و دكاكين الأحياء و مقاهي الأسواق ، و حتي في دور سينما الخرتوم عموم التي كنا نغشاها في الأعياد و نحن صغار ، قبل ما يسمى بـــ ” المناظر ” و قبل عرض الأفلام و التي هندست أسماعانا حديثة التكوين بأصوات عبدالحليم و فايزة أحمد و وردة الجزائرية …
• سيدات في منتهي الاحترام صادفنني
و لا أدري أيضا لم مر شريط سريع علي ذاكرتي باستذكار سيدات ساعدنني بكل ود لدقائق أو أقل ، و أنا أحاول استكشاف دروبي في القاهرة الملايينية ، و كنّ للمفارقة من أرق البشر ، رغم أني يصعب علي الآن استحضار ملامحهن من بين تلكم الومضات العابرة …
واحدة في الميكروباص في الشارع الذي يوازي حي الهرم كانت جالسة بجانبي ، و أذكر أنني كنت من أول الراكبين فبادرتُ بتسليم الأجرة للسائق و التي كانت حوالي خمس جنيهات من العملة المعدنية و عندما امتلأت المركبة و بعد تحركها بمسافة ليست طويلة اشار إليَ السائق أن أدفع الأجرة فقلت له انني دفعتُ له و لكنه أنكر ، فهمست الجالسة بجانبي أن اتخطي وجع الدماغ لأنه من الجائز انني سهوت ، فقلت دون وعي وقد تملكتني الحيرة و بعض الغضب : ” لقد دفعتُ الأجرة …” و لكني قلتُ ذلك بلغة الإنجليز …
و لا أدري حقيقة لم تلفظت بتلك اللغة في مقام غير مناسب، و واصلتِ الجارة المهذبة حديثها للتخفيف من عنادي البادي ، و لكني آثرت لجم حيرتي و أخذت مبلغا آخر من جيبي و دفعته و الدهشة تغوص بي ! …
المرأة المصرية الثانية كانت في بص متوسط الحجم ذي مقاعد مرتفعة عن مستوي السائق و ينطلق أيضا من نواحي حي الهرم ، و كنت في المقدمة و صدف أن جلستُ في المقعد المجاور لسيدة أنيقة لا تلبس حجابا علي عادة نساء القاهرة و تبدو في أواسط عمرها . و توقف البص فجأة لمدة طويلة عند ميدان صغير به عدة اتجاهات (أظنه ميدان البساتين) و هناك كبري علوي طائر ، فانتابتني الحيرة و تسآلتُ دون أن التفت للمراة : ” هو واقف ليه ؟ ” فأجابت بسرعة ” فيه إشارة ! ” تقصد إشارة مرور حمراء ، و اضطررتُ لخفض رأسي حتي تبينت الإشارة المعلقة فوق مستوي نظر الركاب مع أني كنت في المقدمة . لم أقل شكرا لأن الموقف لا يتطلب الشكر بل هو تحصيل حاصل و من الواضح أنها تكلمت بعفوية نحوي كأجنبي لا يعرف شوارع المدينة ، و هذه حقيقة ، و لم تُشعرني لوهلة بأنني أهبل لا يعرف ماذا تعني إشارة المرور …
يقول ماركيز في إحدي اعترافاته : ” لن يمكنك فهم حياتي دون تقدير للدور الهام الذي لعبته المرأة فيها . لقد قامت بتربيتي جدتي و العديد من الخالات … و خادمات … و أحببت الذهاب إلي المدرسة لمجرد أن أتمكن من رؤية معلمتي الجميلة التي علمتني القراءة و الكتابة . ” …
ماركيز تمتع بطفولة مخلتفة كثيرا عن طفولتي – أو بالأحرى طفولتنا – فلم يكن هناك جدات أو خالات أو عمات و لا حتي خادمات ! يعشن معنا في بيت واحد صغير او كبير ، فقد كان الجدان من ناحية الأم يعيشان في البلد في النصف الثاني من اواسط منحني النيل الكبير في الشمال و علي ضفته الشمالية جغرافياً ، أما جداي لأبي فقد كانا في حي يبعد نوعا عن حينا في الخرتوم عندما وعينا للدنيا . أمّا أن تعلّمك معلّمة القراءة و الكتابة في المدرسة ، فنحن بالطبع سلالة مجتمع ذكوري ممتد … و قد يكون الإحساس بجدارة المرأة تعلمته ببطء شديد بعد سن العشرين في حياتي الجامعية و كذلك عقود من العمل مع الخواجات و الخواجيات في بلدان الخليج . كنتُ في بداياتي في أوربا أنظر مدهوشا إلي إمرأة قوية الساعدين متوسطة العمر و هي تقود التروللي باص الكهربائي !! ، أو واحدة أخري متقدمة في السن تسوق الترماج !! …
و لا أنسي أنني التقيت أيضا و في القاهرة بسيدتين سودانيتين في غاية النبل ، و لا شك أنهن هاربات مثلنا أيضا من وحل الحرب ؛ الأولي سيدة صغيرة نزلت من عمارتها المحايذة لمحل عم أحمد ” بتاع ” العيش و جاءت تشتري رغيفات و حيتني باحترام في اللحظة التي كنت أسال عم أحمد عن محل لشراء كارت شحن للموبايل ، فتطوعت بمرافقتي للمحل ، و حكت أنها هربت من العاصمة بأطفالها الصغار و أن زوجها يعمل بأحدي بلدان الخليج وأنهم سيلتحقون به متي سنحت التأشيرة …
أما الثانية ففي محطة مترو فيصل علي ما اعتقد و كنت متوجها إلي محطة الجيزة فطفقتُ أسال موظفي المحطة دون طائل ، و إذا بتلك السيدة التي كانت هناك مصادفة تبادر باصطحابي إلي حيث عربات المترو في أسفل المحطة و تشير إلي بأن الجيزة علي بعد محطة واحدة ، فشكرتها علي صنيعها الكريم …
• في الطريق إلي مطار القاهرة
في الصباح الباكر كنت استقل الأوبر إلي المطار و مازال ذلك الإحساس الثقيل لم يبارحني . و هئنذا في مسيرة الهروب إلي مكان آخر ، ألا و هو مدينة الرياض التي عشتُ و عملتُ فيها زمنا ممتدا ثم ودعتها علي أمل العودة من آن لاخر لزيارة ابنتي المقيمة هناك . طبعا لم يدُر بخيالي أبدا أنني سأجئ إليها هاربا …
و أنا في انتظار الأوبر أسفل العمارة تطلعتُ بأسى نحو تلك العمارات المتلاصقة ، أو بالأحرى صناديق الكرتون الضخمة كأنها مضغوطة من فوق بفعل فاعل ولا سنتمترات بينها ، منظرها بنوافذها … ألا تشبه أبراج العصافير ؟ … و حين وجد بعض الهاربين أنفسهم موزعين علي هذه الأعشاش أو الشقق الضيقة أمسوا و العزلة سواء ، و العزلة مرادفة للموت البطئ المفضي بدوره للنسيان و التلاشي المطلق … و عندما يثرثر نفر من الهاربين ، إن اُتيحت لهم الثرثرة ، يُحصي بعضهم في مذاكرة يومية يشوبها الخبث أيُ الهاربين خسر بيتا أو مركبة أو معدات منزلية أكثر !!! …
و الأوبر ينطلق مسرعا في صباحات القاهرة شرد ذهني إلى أولئك الذين لم يقدروا علي الهروب مثلنا و منهم شقيقي الذي يكبرني و أسرته الذين اضطروا للنزوح من بيتهم في حي غزة في نواحي جنوب غرب الخرتوم إلي منزل خالٍ لأحد أقرباء زوجته في شرق حي السجّانة ، و من حسن الطالع أني كنت علي تواصل معهم في أيامي الأخيرة في القاهرة عن طريق الواتساب ، و أخبروني أن شقيقنا الأكبر و عائلته قد فرّوا إلي إحدي نواحي الجزيرة التي لا تبعد كثيرا عن العاصمة حيث لجأوا إلي أهل زوجة إبنه . و هناك مئات الألوف وربما أكثر بكثير من أهل العاصمة لم تسمح لهم أحوالهم المادية أو غيرها بالمغادرة فمكثوا في أتون الحرب و ويلاتها …
لهمنغواي مقولة قديمة في إحدي قصصه استذكرته و هو طالما رمَز لانفصاله عن الحروب التي شارك فيها بلا مبالاة واضحة ، بل ربما كان يمقتها من صميم وجدانه . يقول في ذلك المقطع بسيطُِ الكلمات ، غنيِ المعني:
” في الخريف ظلّت الحرب دائرة هناك ، غير أنّا لم نعد نشارك فيها .”
و ابتسمتُ و أنا أقلبُ السطر عمدا : في الصيف اللاهب في العاصمة كانت الحرب الأهلية “مولّعة ” هناك ، و لكننا هربنا ، لأننا ببساطة لم نكن طرفا فيها ! …
شدّني سائق الأوبر هو يقول : كانت أسرة الست فلانة ، و ذكر اسما لا أتذكره ، التي اعتادت المجئ لمصر من السودان في الصيف ، كريمة معه دوما و بعد كل مشوار معهم كانت الست الكبيرة تحرص ” وتديني فلوس مش شويه …” و أحيانا تنفحه سلة فواكه و حلويات و تورتات .. و رأيتُ من الذوق أن استمع لحكاباته و لكني لم أوفق لمعرفة الأسرة التي ذكرها ، فلم اكن قد سمعت بها …
لم أقل له طبعا أنني خالي الوفاض و أننا هاربون و لاجئون ، و طبعا لن يصدق و قد يظن أن من يأخذ أوبر للمطار لا يمكن أن يكون هاربا أو لاجئا !! …
قد يكون ذلك السائق لم يسمع بحربنا أصلاً … و أحسست بخيبة أمله و أنا انقده الأجرة و أنا أترجل عن عربته ، و ربما زدتُ عليها جنيهات قليلة لا تكفي لساندويتش .
• الوداع الأخير
علي غير العادة كان صوتي محتدا قليلا مع موظفة الكاونتر و كان حدث شئ مشابه لزوجتي و هي في طريقها للرياض قبل ثلاثة شهور …. إذ طلبوا منها تذكرة العودة للقاهرة أو شيئا من هذا القبيل و اضطُرت للانتظار أكثر من ساعة و الطائرة علي وشك الإقلاع حتي أرسلت لها ابنتنا صورة بالواتساب من تلك التذكرة ..
و أعتقد أن الموظفة طلبت مني مستندا آخر لأني كنت جهّزتُ صورة من تذكرة العودة و عندما لاحظت إصراري علي أن كل شي “في السليم” تراجعت و ناولتني البوردنغ باس دون كلام ….
و أخيرا كنت في الطائرة و علي المقعد المجاور للنافذة ، و لاحظتُ أنني ربما السوداني الوحيد بين الركاب ، و فجأة اكتشفت أن بنطلوني الأزرق الجميل ، به مزقات في الجانب الأيمن : هل هو الترزي أسفل العمارة التي سكنتها أول أيامي في حي الهرم ، و الذي أشرت إليه بتضييقه لأني فقدت قدرا معتبرا من وزني في رحلة الهروب الطويلة ، أم الدراي كلين قبل سفري بيومين ؟؟؟؟ ذلك التساؤل انقذني من رهاب الطيران و التحليق في هذا الأنبوب المعدني بين الأرض و السماء … غير أني تجاهلتُ كل ذلك و الطائر الميمون يهبط بسلام ملامسا مدرجات مطار الرياض .
انتهت الحلقات بحمدالله …
• تنويه واجب
في ختام هذه الحلقات أود أن أنوه بالرسائل التي وردتني علي بريدي من القراء الذين نالت استحسانهم و علي رأسهم الطبيب العلامة الدكتور عبدالمنعم عبدالمحمود العربي إبن مدينة بربر العريقة ، إذ كان من أول من لفتَ النظر إلي هذه الحلقات ضمن مقال ضاف في سودانايل بعنوان ” هروب بلا وداع – سردية النزوح من حرب نشبت بلا قضية ” ، و بتاريخ 24 يناير 2026 ، بل حفظ أولاها و أرسلها إلي أقربائه و محبيه ، فله مني كل التقدير و الاحترام … و لبقية القراء الكرام كل الود و الإكبار …
*
fattah71@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم