هل القضائية ممن يزيل عواره مؤسسياً: لا .. بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم


تسمع من يقول لك في التعليق على قرارات لجنة تفكيك التمكين الأخيرة في القضائية إن القضائية أولي بإزالة التمكين في عقر دارها. ويظن ذلك فصل الخطاب في استقلال القضاء. ولا يخطر له أبداً إن يسأل إن كانت القضائية أبداً أزالت بنفسها عوار نفسها منذ الاستقلال. ومتى سأل القائل نفسه هذا السؤال، وتحرى الإجابة سيجد أن تحرير القضائية من نفسها إما جاءها من ثورة نقابية داخلها أو من إجراءات من خارجها. ولن يجدها يومياً تنهض (إلا استثناء) بما قال عن إزالة عيوبها بصورة مؤسسية ومن الباطن كما تهيأ له.
كانت ثورة أكتوبر ثورة قانونيين من قضاة ومحامين للعدل بصورة نبهني لها كليف تومسن أستاذ القانون الشاب الذي عاشها بعمق مدرساً للقانون بجامعة الخرطوم، وكتب يومياته عنها التي نشرتها دار المصورات من قريب. فقال لي إن ما استرعاه في الثورة هو الحضور الطاغي لمهنة القانون فيها حتى أنه جعلها بآخرة مادة لكورس لطلاب الدراسات العليا بجامعة ويسكونسن ليقف منها الطلاب على الناشطية المهنية. وشُرفت بالحديث إلى طلابه على مرتين كشاهد عيان للثورة
جاء “استقلال القضائية” ثالث ثلاثة أو رابع أربعة من الثوابت في ميثاق الثورة. وأرادت الثورة تنقية القضائية التي وثق أبو رنات، رئيس القضاء، عراها بنظام الفريق عبود. فكان عضواً أصيلاً بالنظام في فجره. فقد شهد اللواء حسن بشير في التحقيق حول انقلاب عبود أن رئيس القضاء جاءه صباح الانقلاب بأحمد خير المحامي ليعينه على صياغة بيانات الحكومة الجديدة الأولى. وكان أبو رنات من وراء قانون دفاع السودان (١٩٥٨) الذي رأيناه يتكرر في نظم انقلابية لاحقة. وعطل القانون الحقوق المدنية والدستورية للمواطنين. وقنن الاعتقال التحفظي. وأقحم المحاكم العسكرية في النظر في قضايا تطالها قوانين البلاد السارية. فنظرت تلك المحاكم في قضية متهم فيها الشفيع أحمد الشيخ، سكرتير نقابات عمال السودان وحكمت عليه بالسجن. واستنكرت جريدة الأيام مثول المدنيين أمام تلك المحاكم، وطالبت بنشر الحيثيات على الملأ. وكان جزاؤها الإيقاف والتحقيق مع محررها محجوب عثمان تحت المادة (٤أ) من قانون دفاع السودان.
من جهة أخرى وقف أبو رنات حجر عثرة دون استكمال التحقيق في قضية “قتيل المقرن” التي قيل عن تورط عضو بالمجلس الأعلى للقوات المسلحة فيها. ولم يتورع من فصل القضاة الشباب الذين عزموا على مواصلة التحري فيها وهما علي محمود حسنين وعثمان خالد مضوي. وترأس رئيس القضاة لجنة وضع قانون المجلس المركزي (١٩٦٣) الذي أراد النظام به إنشاء مؤسسة تمثيلية يستر بها عورته الديكتاتورية بنصح من أمريكا. وحين تسمع ما نالنا في الحزب الشيوعي من أذى بسبب دخولنا انتخابات تلك المؤسسة تظن أننا لم ندخلها فحسب، بل أننا من جاء بها للعالم. وينسون المؤلف من وراء المجلس ونظامه الذي يتحسرون عليه بالعبارة الصفيقة التي صارت مثلاً في هوان النفس: ضيعناك وضعنا وراك.
ولم ينتظر أبو رنات إجراءات التطهير التي انعقدت بعد نجاح الثورة. فقد قرأ الكتابة على الحيطان. فقد كانت القضائية، مؤسسته التي سخرها للنظام، هي أنضر مسارح الثورة بموكبها المهيب.
لم تنهض القضائية كمؤسسة برعاية أمرها إلا وهي معززة بالديمقراطية. فدافعت عن استقلالها بصورة مؤسسية حين اعتدى الزعيم الأزهري، رئيس مجلس السيادة في الديمقراطية الثانية (١٩٦٤-١٩٦٩)، عليها مرتين. فلم يمتثل وحلفاؤه من حزب الأمة والإخوان المسلمين لحكم المحكمة العليا القاضي بعدم دستورية حل الحزب الشيوعي السوداني في شتاء ١٩٦٥. واشتهر وصف حسن الترابي للحكم بأنه “تقريري” لا يلزم الجمعية التأسيسية بشيء. فاستقال بابكر عوض الله، رئيس القضاء والرمز في ثورة أكتوبر، احتجاجاً على تغول السلطة التنفيذية على استقلال القضاء. وسبق ذلك التعدي للأزهري تعد آخر. فصرح مرة في لقاء بالقضاة الشرعيين، من تظلموا له مطالبين باستقلال قسمهم الشرعي من المدني في قضائية الرئاسة فيها للمدنيين، بأنه سيجعل لهم اليد العليا في القضاء. وبالفعل استصدر القانون الذي حقق لهم به مطلبهم. وفي الحالين وقفت دوائر واسعة من المواطنين في النقابات والاتحادات وسائر الناس بقوة إلى جانب استقلال القضاء.
وسنرى في عهد نميري أن نهوض القضائية بتبعة استقلالها وكفاءتها كان عملاً نقابياً لا مؤسسياً. كما سنرى مدى قصور القضائية كمؤسسة عن إصلاح نفسها بنفسها في الواقعة المعروفة بتوحيد القضائية أي توحيد القسم المدني والشرعي وقانونيهما.
(يجد طلاب القانون بعض هذا التاريخ في كتابي “الشريعة والحداثة”. ومن أراد التوسعة وجدها في “هذيان مانوي: القضائية الاستعمارية والصحوة الإسلامية في السودان، ١٨٩٨-١٩٨٥ ” (٢٠٠٨) في الإنجليزية عن دار بريل بهولندا.
IbrahimA@missouri.edu


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

1 شارك