بقلم : حسن أبوزينب عمر
كانت أرض السودان خلال الاسبوع المنصرم هدفا لمسيرات ميليشيا الدعم السريع التي استباحت جلها وبصورة أساسية ومكثفة محطات الطاقة والكهرباء التي لا تختلف حولها عنزتان انها ليست مواقع وقواعد عسكرية بل محطات خدمة هشة سهلة العطب يتم مباصرتها من حين لآخر لخدمة الانسان السوداني في حدوده الدنيا ويصلح وصفها للمقاربة بالحمى التي أصابت ابو الطيب المتنبي في مصر فقال فيها
جرحت مجرحا لم يبق فيه…مكان للسيوف ولا السهام
فمن ضمن المناطق التي استهدفتها ميليشيا الجنجويد مؤخرا منطقة (هيا) التي لا نستطيع اعتبارها مدينة ولا الركون عليها بأنها قرية فهي خاطفة لونين وتقع في منطقة صحراوية بائسة ولأنها مكشوفة من الغطاء النباتي فهي هدف دائم لريح صرصرعاتية تردمها شتاء وتدفن الكثبان الرملية أسوار بيوتها .. تقع هيا على طريق بورتسودان عطبرة وعلى بعد حوالي 200 كيلومتر من الميناء وهي من البلدات التي نشأت وترعرعت على خط السكة حديد واكتسبت شهرتها كمنطقة تقاطع بين عطبرة وكسلا الا أنها لم تنعم كثيرا بموقعها فقد جاء طوفان الانقاذ الذي دمر مرفق السكة الحديد على امتداد السودان.. كان من الممكن أن ينعكس اكتشاف الذهب على أطرافها في مجالات التنمية والمعمار كما هو الحال في عطبرة لكن معظم سكانها ينشطون في مجال العمالة وليسوا رجال أعمال فعادت الى بؤسها وشقائها وتردي خدماتها الضرورية من ماء وكهرباء وبيئة ولذلك أقول بالفم المليان ان عصابات الدعم السريع ارتكبت خطأ مروعا وخسائر فادحة وهي تستهدف هذه المنطقة التي يرثى لها بثلاثة مسيرات دفعة واحدة كما قالت التقارير اذ ان تكلفة مسيرة واحدة تغطي (براحة) انشاء ثلاثة محطات كهريائية .
(2)
الميليشيا التي صنعها البشير ونفخ فيها البرهان وهي تواصل وتنفذ مشروعها الاجرامي التخريبي منذ انطلاق الحرب في 15 أبريل 2023 لم تحد عن برنامجها فلم تترك شيئا الا وتركته رمادا تذروه الرياح .. هناك ممتلكات ومعينات تم احتسابها والبحث عن تعويضها واعادة بنائها حتى لو شيدت بحصاد العمر.. ولكن الذي لا يحتسب ويستحيل تعويضه والتي ستظل جرحا ينزف في القلب حتى يرث الله الأرض ومن عليها هي مقتنيات القصر الجمهوري من العربات التأريخية ومنها عربة استقلتها الملكة اليزابيث ابان زيارتها في بداية الستينات وكلها من فصيلة (الرويزرويس) القدبمة ومنها هدايا من السيوف والتحف الذهبية وتماثيل من عهد غوردون وقد استباحها الرصاص المجنون .. ينسحب هذا أيضا على مقتنيات المتحف الوطنى الذي اختفتى منه كل ماغلى ثمنه وخف وزنه وشوهت طلقات الرصاص الوجوه والأجساد بعد الاعتداء الصارخ على تماثيل بعانخي وترهاقا والحضارة الكوشية .
(3)
السؤال الذي يطرح نفسه هنا لماذا كثفت العصابات المتوحشة استهدافها لمحطات الطاقة والكهرباء وهي محطات يصدق فيها قول ( ليست ميتا فيقبر ولا مريضا فيشفى ) فقطوعات الكهرباء كانت تمتد وقت الذروة لعشرة ساعات وأكثر خلال موسم الصيف الحارق وسبعة ساعات في موسم الشتاء ..أقول لماذا التركيز عليها الآن ؟
الجواب ان آل دقلو الذين خسروا الأرض وخسروا المقاتلين الذين انضموا للجيش يستهدفون ارسال رسالتين أولها الى الشعب السوداني بقصد صب مزيد من الزيت على نيران السخط الجماهيري من ارتفاع الاسعار وصفرية القيمة الشرائية للجنيه وغياب الحدمات وندرة المحروقات حد العدم فضلا عن السيولة الأمنية حتى تخرج هذه الجماهير الى الشارع مطالبة البرهان بايقاف الحرب والقبول بالهدنة والتفاوض وقد تجسدت تجلياتها حتى الآن في كلمة (اختانا) .
(4)
أما الرسالة الثانية فهي موجهة الى العالم الخارجي وتقول ( أنا أدمر اذن أنا موجود ) وهي تحريف لمقولة الفيلسوف والرياضي الفرنسي رينيه ديكارت التي تقول (أنا افكر اذن أنا موجود ) ولكن رغم عبثية الفكرة وضحالة الطرح فهو وبسند ودعم من بعض الدول وعلى رأسها الكفيل يخطط لتسويقها لاقناع العالم ان هذه المأساة الانسانية لن تنجلى عبر المواجهات العسكرية الدموية وانما بالمفاوضات السلمية وعليه فلا مخرج سوى وقف اطلاق النار والدخول في هدنة . هذه الرسالة يتبناها حميدتي وهو رجل مرفوض غير معترف به داخل منظومة الكون العريض وتنطبق عليه العبارة الدبلوماسية شخص غير مرغوب فيه وترجمتها الحرفية باللاتينية
Persona non grata
وهي عبارة تلجأ اليه الدول حينما تقدم على طرد دبلوماسي من أرضها ولكنه يكابس في الساحة السياسية محمولا على رافعة دولة اختارت الانحياز له ودعمه بكل أسلحة الدمار الشامل حربا لجماعة الأخوان المسلمين الذين صنعوه والذين كانوا حتى الأمس القريب أولياء نعمته ولكنه قلب عليهم ظهر المجن تعلقا بالشماعة الأكثر رواجا في عالم اليوم وبالأخص لدي الكبارأصحاب النفوذ .
(5)
هناك خطوط تماس مشتعلة على الحدود الشرقية بين أثيوبيا والسودان الذي يتهم أديس أبابا بمنح ملاذ آمن لمليشيا الدعم السريع لاطلاق المسيرات من أراضيها نحو السودان وآخرها المسيرات التي استهدفت أكثر من 10 محطات للكهرباء كما أكدت وكالات الأنباء العالمية فاذا كان الأمر هكذا فكيف تنسى وتستبعد وتأمن أثيوبيا ردود فعل الآخرين وبيتها من زجاج وهي تواجه معارضة شرسة تتمثل في سبعة حركات سياسية مسلحة هي الحركة الوطنية لفانو الأمهرية وجيش تحرير أرومو وجبهة تحرير تيجراي والجبهة الوطنية لتحرير أوجادين والجبهة الثورية للوحدة الديموقراطية وحركة تحرير شعوب بني شنقول والحركة الديموقراطية لشعوب غوموز.
