هل تدفع المؤسسة العسكرية ثمن تحالفاتها مع التنظيمات الإسلامية المدرجة على قوائم الإرهاب؟

أواب عزام البوشي

في خطوة وصفت بالأكثر تأثيراً منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، أعلنت وزارة الخارجية الأمريكية في 9 مارس 2026 تصنيف “الإخوان المسلمين في السودان” كـ”إرهابيين عالميين، مع الإعلان عن نية إدراجهم رسمياً على قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية اعتباراً من 16 مارس .

هذا القرار، الذي شمل تحديداً “الحركة الإسلامية السودانية” وجناحها العسكري “لواء البراء بن مالك” ، لم يضع التنظيم الإسلامي وحده في مرمى العقوبات فحسب، بل وجه ضربة قاسية إلى حاضنته الأساسية: المؤسسة العسكرية السودانية بقيادة عبد الفتاح البرهان. فبعد سنوات من التحالف العضوي والتاريخي، يجد الجيش نفسه اليوم أمام معادلة صعبة قد تحدد مصيره محلياً ودولياً.

تصنيف يفضح “الاختراق” العضوي

لم يأت القرار الأمريكي من فراغ. فوفقاً لبيان وزارة الخارجية، فإن الحركة الإسلامية السودانية، وبالتحديد لواء البراء بن مالك، تنشر أكثر من 20 ألف مقاتل في صفوف الجيش السوداني . هذه القوات، التي انخرطت في القتال إلى جانب الجيش منذ الأيام الأولى للحرب مع قوات الدعم السريع، تتهمها واشنطن بتنفيذ “إعدامات جماعية للمدنيين” على أساس العرق أو الانتماء السياسي .

الأكثر إدانة من الناحية الاستراتيجية، هو الكشف عن عمق العلاقة مع إيران. فقد أكدت وزارة الخارجية الأمريكية أن هذه الجماعات تلقت دعماً وتدريباً من الحرس الثوري الإيراني . هذا الكشف يحول الجماعات الإسلامية من مجرد حلفاء محليين للجيش إلى “أذرع إيرانية” على الأراضي السودانية، في وقت تشهد فيه المنطقة تصعيداً حاداً بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى .

البرهان بين الإنكار والمواجهة

محاولات الفريق البرهان للتهرب من هذا الإرث بدت متعثرة. فقبل أيام قليلة من إعلان التصنيف، ظهر عضو الحركة الإسلامية، ناجي عبد الله، مرتدياً الزي العسكري للجيش معلناً استعداد “المجاهدين” السودانيين للقتال إلى جانب إيران إذا تعرضت لهجوم بري من أمريكا أو إسرائيل .

هذا التصريح وضع البرهان في موقف بالغ الحرج أمام حلفائه الخليجيين، الذين أكد تضامنه الكامل معهم . ورد الجيش باعتقال ناجي عبد الله وإصدار بيان نفي رسمي ، لكن الضرر كان قد وقع بالفعل. فالفيديو كشف للعالم ما تؤكده تقارير معهد الشؤون الخارجية الإثيوبي من أن الجيش استوعب في صفوفه قرابة 15 ألف مقاتل من الميليشيات المرتبطة بالإخوان ، وهي نسبة تقدّر بـ 75% من المتطوعين الذين يعتمد عليهم الجيش لسد النقص في صفوفه .

ضغط الحلفاء: السعودية ومصر تطالبان بفك الارتباط

في تطور زاد من تعقيد موقف البرهان، كشفت مصادر دبلوماسية أن المملكة العربية السعودية وجمهورية مصر العربية، الحليفان الإقليميان الأبرز للجيش السوداني، طلبتا بشكل عاجل من قائد الجيش التملص من التنظيمات الإسلامية في أقرب فرصة ممكنة.

هذا المطلب لم يأت من فراغ، بل يعكس قلقاً عميقاً في الرياض والقاهرة من تداعيات التصنيف الأمريكي على استقرار المنطقة برمتها. ففي بيان مشترك صدر في 3 مارس 2026، أي قبل أيام فقط من قرار التصنيف، انضمت السعودية ومصر إلى الولايات المتحدة والإمارات في الدعوة لهدنة إنسانية في السودان، مع التأكيد على استبعاد “الجماعات المتطرفة العنيفة المنتمية أو المرتبطة بشكل واضح بالإخوان المسلمين” من أي عملية انتقالية مستقبلية .

المصادر تشير إلى أن الرسالة السعودية المصرية كانت واضحة وحاسمة: استمرار التحالف مع الإسلاميين المصنفين دولياً سيكلف البرهان ثمناً باهظاً، قد يصل إلى فقدان الدعم السياسي والاقتصادي من الرياض والقاهرة. فالسعودية، التي تعتبر استقرار البحر الأحمر أولوية قصوى لأمنها القومي، لا يمكنها المخاطرة بعلاقاتها مع واشنطن بسبب تحالفات البرهان مع تنظيمات تتهم بالارتباط بإيران . ومصر، الجارة الشمالية الأكثر تأثراً بالأزمة السودانية، ترى في استمرار النفوذ الإسلامي داخل الجيش تهديداً مباشراً لأمنها القومي على حدودها الجنوبية.

هذا الضغط المزدوج من الحليفين الإقليميين الأقرب للخرطوم وضع البرهان في موقف لا يحسد عليه. فمن جهة، يواجه ضغوطاً دولية من واشنطن عبر التصنيف، ومن جهة أخرى، يتلقى إنذارات من حلفائه التقليديين بضرورة فك الارتباط. الرسالة التي وصلت إلى بورتسودان كانت واضحة: “إما الإسلاميون، أو الدعم العربي”.

الثمن الباهظ: من جيش وطني إلى كيان معزول

الآن، وبعد التصنيف، أصبحت هذه التحالفات تشكل عبئاً وجودياً على المؤسسة العسكرية. الخبراء والمحللون يرون أن الثمن يتخذ أشكالاً متعددة:

  1. الثمن القانوني: بموجب قوانين مكافحة الإرهاب الأمريكية، فإن أي دعم عسكري أو لوجستي تقدمه القوات المسلحة السودانية لهذه الجماعات المصنفة يجعل قادتها عرضة للملاحقة القانونية والعقوبات الثانوية .
  2. الثمن الاقتصادي: قرار التجميد يشمل جميع ممتلكات وأصول الحركة الإسلامية في الولايات المتحدة . والأخطر أن المؤسسات المالية الدولية ستتجنب أي تعامل مع الجيش السوداني خوفاً من العقوبات، مما يشل قدرته على تمويل المجهود الحربي ويعزل السودان اقتصادياً.
  3. الثمن السياسي: التصنيف يقوّض الرواية الرسمية للحكومة في بورتسودان التي تصف نفسها بأنها الطرف الشرعي الوحيد في مواجهة “الميليشيا المتمردة”. بل إن قوى مدنية مثل “تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية (تقدم)” و”تجمع المهنيين السودانيين” رحبت بالقرار، معتبرة إياه “خطوة على طريق تفكيك مشروع الإسلام السياسي”. وفي تطور لافت، رحبت قوات الدعم السريع نفسها بالقرار، معتبرة إياه “اعترافاً دولياً بمعاناة الشعب السوداني” .

القرار الأمريكي لم يعد مجرد ورقة ضغط، بل تحول إلى واقع قانوني وسياسي يضع المؤسسة العسكرية السودانية على مفترق طرق خطير. فالثمن الذي تدفعه الآن نظير تحالفاتها الممتدة لعقود مع تنظيمات باتت مصنفة إرهابياً، قد يكون أغلى مما تتحمله. إما أن تنتصر لمصلحتها العليا وشرعيتها الدولية، وتستجيب لضغوط حلفائها العرب، أو تبقى رهينة تحالفاتها العقائدية التي تتحول بسرعة إلى كابوس يهدد كيانها.

awabazzam456@gmail.com

عن أواب عزام البوشي

أواب عزام البوشي

شاهد أيضاً

هناك فرق شاسع بين الدولة… وزريبة الغنم

أواب عزام البوشي في الأيام الأخيرة، كان لافتاً ذلك السيل من الرسائل التي يتداولها السودانيون …