هل نفت أبوظبي للموانئ «مشروعها الفاسد» مع أسامة داؤود؟ .. بقلم: عبدالرحمن الأمين


لوهلة، سيتراءى البيان الذي اصدره المحامي إيْمِيْل بِلِيسر Emil Pellicer ، ممثل شركة أبوظبي للموانئ ، عن صفقة الميناء الجديد مابين الامارات وحكومة الانقلاب ، وشركة دال الشريك الإستيلثي الخفي ، وكأنه نفي للتقرير المُدّوِ الذي بثته وكالة رويترز امس . بيد ان البيان ، حقيقة، لم يكن سوي فذلكة قانونية في جانبه العام ، وتدليسا لغويا مقصودا في مراميه واهدافه ، في الترجمة العربية !
ففي بيان اللغة الانجليزية ( أكد ) البيان (حقيقة )الصفقة بعد ساتر كثيف من التلاعب اللغوي ، بينما تعمد التغبيش على الحقيقة في الترجمة العربية!
فالنص الانجليزي يؤكد السبق الصحفي لزميلتنا السودانية المتفوقة، الاستاذة نفيسة الطاهر ، مراسلة وكالة رويترز . أما الترجمة العربية التي أرفقتها الادارة القانونية في (أبوظبي للموانئ) لذات البيان فقد تعمدت التخليط والتدليس والتغبيش ببهار زائف المذاق .

يظهر جليا أن الادارة القانونية وادارة الاتصالات والعلاقات العامة في شركة (أبوظبي للموانئ) سعت لاطفاء حريق خبر وكالة رويترز . ولأن الخبر صحيح فما من استراتيجية أكثر ملاءمة من توظيف الترجمة لتوفير الهرجلة المفهومية Conceptual confusion المبتغاة . فمضت لترجمة بيانها ترجمة غير دقيقة لها مذاق النفي ، وما هو بنفي !
إقرأ قولهم باللغة الانجليزية (However, there are preliminary discussions taking place with the relevant authorities in Sudan as the Company is always exploring new opportunities and projects.
فالترجمة الحرفية (المفترضة ) لهذا الكلام كان في تقديرنا ان تكون ما نصه :
( بيد ان هناك مشاورات مبدئية تجري مع السلطات المختصة في السودان إذ أن الشركة تظل دوما تستكشف مشاريعا وفرصا جديدة ) .
ولأن مثل هذا الصدق لن يخدم مخطط التشويش ، فانها إستعاضت بهذه الترجمة الخادعة :
( أن الشركة بصدد مناقشات مبدئية مع الجهات المعنية في السودان وذلك في ظل سعيها المستمر لدراسة وتقييم مشاريع جديدة. ) .

الان مطلوب منك الانتباه لعدم أمانة الترجمة .. فعندما صاغ المحامي المستر إيْمِيْل بِلِيسر ( خريج جامعة ماقيل McGill University الكندية العريقة الناطقة بالانجليزية ) نصه الانجليزي قال ان النقاشات المبدئية التي تقوم بها شركته ، (أبوظبي للموانئ) ، تجري ( فعلا) taking place مع السلطات السودانية المختصة . اما الترجمة فإستخدمت كلمة ( بصدد ) وتعني نية القيام بالمشاورات لم تبدأ !! وهنا يكمن الكذب البواح فالصفقة قد انطلقت محادثاتها فعلا !!
ملفت للنظر ان النص تعمد عدم ذكر شركة دال بالاسم ، فاسم الشريك هو بمثابة فرض الكفاية ، تسقط الحاجة لتعريفه ان نطق رفيقه . ولعلنا نضيف ان المشروع ولكونه يتعلق بصفقة تفوح نتانة فسادها ، من شأنه ان يجعل الشريك السوداني حريصا علي التخفي خشية ماسيصيبه من غضب شعبي عارم يبدد فخره بهذا النسب الخاسر .

معلوم ان الترجمة ، كغيرها من أدوات الخبر الصحفي ، يمكن توظيفها للعبث بمدلولات المحتوي . هذا التلاعب ممكن بإختيار ترجمة عربية غير دقيقة لمعاني المفردات الانجليزية ، أوغيرها من اللغات . البعض يحتفي بهذه الظاهرة ويستدل بها علي جزالة اللغة العربية وتنوع مخزونها اللغوي . فلغة الضاد تتوفر علي الكثير من المترادفات البديلة للمفردة الواحدة ، عكس غيرها من الألسن ذات المفردات اليتيمة التي لا تصف سوي شيئا واحدا .
ويرد آخرون فيقولون ان تعدد المفردات الواصفة للشئ الواحد يفرز سلبيات عديدة اهمها عدم دقة الترجمة إذ يقترب الباحث من المعني دون ان يبلغه !
بيان المواني الاماراتية يقدم نموذجا عمليا شاخصا لما قلناه .

من صاغوا البيان الاماراتي لابد وأن أدركوا أمرًا أخر لم يخلقوه لكنهم حتما إستفادوا منه .فمثلا ، إن أجاب مسؤولا بما نصه ( لا تعليق ) ، وترجمتها الانجليزية (No comment )، نقلنا الخبر للناس وكأنه أمرًا موجبا وإعترافا مبطنا . وعادة لا يبذل الصحفيون جهدا لتصحيح هذا الخطأ . بل ان كثيرا منهم فهموا عبارة ( لا تعليق ) كإثبات واعتراف كامل الاركان ، شأنهم شأن كثير من العوام . هذا القصور رسّخ مفهوماََ خاطئا لدي من يستهلك الاخبار في مجتمعاتنا فحواه ان الامتناع عن التعليق يعني تأكيد الخبر!!
إستتباعا ، لابد وان نعترف بمساهمتنا ، كإعلاميين ، في ذلك الخلل جرّاء تقصيرنا في التقيد بضوابط مهنتنا واهمالنا شرح بعض الادوات التي نستخدمها ( عند عرض نصوصا مترجمة للغة العربية )

بعد فضيحة خصخصة ميناء بورتسودان في يناير 2019 ، أجمع شعبنا البطل علي عدم السماح بتسلل ماركنتايل المستعمرين الجدد لنهب خيراتنا . لكنهم عادوا تحت نظام سياسي اكثر لصوصية مما كان عليه الامر في حكومة محمدطاهر إيلا ، وهاهم يفرضون علينا صفقة دُبرت في عتمة الليل ، أكثر إجحافا وظلما . فإن أسقطنا مخططهم الجهنمي لخنق سيادتنا رغم قبول المخلوع البشير وقبضه ثمن تأجير ثغر بلادنا الوحيد لهم ، فمن المنطقي ألاّ نرضي اليوم بشق قصبتنا الهوائية جراحيا لفتح ممر لإمعاء بلادنا ! ويعزز رفضنا ان هذه الجراحة القاتلة سيجريها جرّاحا مستعارا ، تغربت مصالحه عنا ، وهجرنا وتبعته إستثماراته لتقيم معه حيث اصبح واحدا من ” أهل بيت الكفيل ” في بلده بالتبني ، يتقبل التعازي في اتراحهم والتهانئ في أفراحهم !
أجد عذرا ، وأواسي كل من يحس بمرارة حارقة وخيبة امل مُبكية ان شركة دال ، التي كنا نفاخر ونحتفل بنجاحاتها كنموذج في ريادة الاعمال الوطنية ، قد غابت عن المسرح تماما وتحصنت بالصمت وتركت كل الحديث والتبرير والتوضيح لشركائها في موانئ دبي !!
السؤال مشروع : لماذا تعمدت دال تلك الاستراتيجية وهي تعيش بيننا ، وتحمل جنسية بلدنا، فضلا عن انها صنعت امجادها وتوسعت اعمالها بسبب هذا البلد المعطاء ؟
لماذا تستقوي علينا ، ووطنا يتكاثر عليه اللئام واللصوص ، فتصطحب غرباء الوجه واليد واللسان الي بيتنا ، منتهزة عقوق حراسنا وإنشغالهم نهب السلطة والانعام والمحاصيل والذهب وكل الوطن؟ فيا تري من يستثمر في بلد بلا حكومة ؟ وبأي حق إستباح لصوصنا الحاكمين إسمنا وسرقوه وقاموا ، دون تخويل ، بتوزيع شهادات بحث مزورة لشواطئنا وجبالنا ومزارعنا وأنهارنا للأغراب ؟؟! أين برلماننا أو الجهة السيادية التي تبت في أمرنا ؟ هل سمعتم ببلد واحد في هذه الدنيا إدعي إزدهارا في إستثماراته وهو بلا حكومة ؟ ووزارته ودوره الرسمية يؤمها وزراء عصابات تحرسهم تاتشرات فصائلهم المدرعة ؟ وزراء مسلحون نهبوا أقلام التوقيع واشترطوا علي الاغراب إتمام إجراءات البيع الفوري وتسليم شهادات الملكية في صالات مصارف دبي .
آه علي وطن معروض للبيع في مزادات مغلقة للأغراب !
أين مصالح بلادنا ،و لماذا هذه العجلة و السرعة المحمومة لانهاء عمليات الشراء والبيع لموارد بلادنا في هذا الفراغ السياسي ؟ لماذا الحرص علي تشليح الوطن وسلبه بينما الشعب مشغول بإقتلاع طغمة الفساد الماثلة ؟ لماذا تحرص (دال ) علي اكمال صفقات مليارية بعيدا عن عيون الرقابة الوطنية وهل يعقل ان تكون الصدفة هي المسؤولة عن تزامن وتكاثر صفقاتها إبان هذا الفراغ السياسي ؟هل يعقل ان تكون الصدفة هي التي صاغت عرض الإستحواذ علي شركة الهاتف السيّار (زين) ، وتكررت في عرض “مشروع” التنازل عن الفقشة لقاء تطويرها ، والان ميناء بديل يحطم بورتسودان الذي يقضم إمتدادا شاطئيا خصما من أرضنا وسيادة بلادنا وأمنها القومي !
ماذا يقول اسامه داود ؟ حسنا فهذا هو النص الحرفي لما قاله لرويترز

‏”The UAE wants a stable Sudan so they can do more and more of these investments, but we are not waiting for everything to be perfect,” he added.

( تريد الامارات سودانا مستقرا حتي يتمكنوا من القيام بأكثر من هذه الاستثمارات والمزيد منها لكننا لن ننتظر حتي يصبح كل شئ مثالياً)
المختصر المفيد : لن ننتظر حكومة تمثل إرادة شعب السودان تمثيلا حقيقيًا !
ياعيب الشوم .

عبدالرحمن الأمين

‏ aamin@journalist.com
الاربعاء 22 يونيو 2022
واشنطن
صحيفة التغيير


أعجبك المقال؟ شارك الموضوع مع أصدقائك!

1 تعليق, 1 شارك

تعليق واحد