حين تعرض البطل المك نمر للإهانة على يد إسماعيل باشا، لم يختر الصمت، ولم يقبل أن تُداس كرامته. كان رده قاسيًا، فأشعل النار في الغازي وجنوده، لتبدأ واحدة من أكثر صفحات التاريخ السوداني دموية. عاد الدفتردار من كردفان لينتقم لمقتل صهره، فاجتاح القرى، وأحرق المدن، وقتل الآلاف، وساق من نجا من الموت عبيدًا إلى مصر. إنها جريمة لا تسقط من ذاكرة الشعوب، حتى وإن حاول الزمن أن يغطيها بالغبار.
لم يكن ذلك سوى فصل من فصول الحكم التركي المصري الذي أثقل كاهل السودانيين بالضرائب، ومارس الاسترقاق، وأهدر كرامة الإنسان. لذلك، عندما أعلن الإمام محمد أحمد المهدي ثورته، لم يكن الناس بحاجة إلى كثير من الإقناع. فقد كانت الثورة، بالنسبة لهم، طريقًا للخلاص من واقع لم يعد يُحتمل، فتقاطروا من كل أنحاء السودان حتى أسقطوا حكمًا ظن نفسه خالدًا.
التاريخ لا يرحل بعيدًا. فهو يعود كلما تشابهت الوقائع، وكلما شعر الناس أن كرامتهم تُمس مرة أخرى.
ما جرى مؤخرًا للمعدنين السودانيين على الحدود مع مصر أعاد هذه الذاكرة إلى الواجهة. مئات القتلى والجرحى، سقطوا وهم يبحثون عن لقمة العيش داخل أرضهم. ان الأمر لا يتعلق بحادث حدودي عابر، بل بقضية تمس سيادة الدولة وحق مواطنيها في الحياة.
يزيد من مرارة المشهد أن ملف حلايب وشلاتين ما يزال مفتوحًا منذ سنوات، بينما لم تُظهر الحكومات السودانية المتعاقبة الحزم الذي ينتظره المواطنون في الدفاع عن الأرض والسيادة. ويظل هذا الملف، بالنسبة لكثير من السودانيين، رمزًا لعجز الدولة عن حماية حقوقها التاريخية.
استمعت إلى أحد الخبراء المصريين وهو يتحدث عن استضافة مصر لملايين السودانيين خلال سنوات الحرب، وكأن ذلك يمنح السلطة المصرية حق تجاوز كل ما سبقه أو أعقبه. الحقيقة أن السودانيين لم ولن ينسوا مواقف الشعب المصري الكريم، الذي فتح أبوابه واستقبلهم في أصعب الظروف. لكن العلاقات بين الشعوب شيء، وسياسات الحكومات شيء آخر.
ولو عدنا إلى صفحات التاريخ، لوجدنا أن السودان احتمل وجود المستعمر التركي المصري لنحو ستة عقود، ودفع خلالها أثمانًا باهظة من الدماء والموارد. وبعد الاستقلال، تنازل عن مدينة وادي حلفا التاريخية لصالح مشروع السد العالي، وواجه خلافات متواصلة حول مياه النيل، بينما يرى كثيرون أن الميزان التجاري ظل يميل بصورة كبيرة لصالح مصر. كل ذلك يجعل سؤال “من يدين لمن برد الجميل؟” سؤالًا مشروعًا في نظر كثير من السودانيين.
أما ما يثير الدهشة فهو الموقف الرسمي السوداني. ففي وقت كان ينتظر فيه الناس تحركًا قانونيًا ودبلوماسيًا قويًا للمطالبة بالتحقيق ومحاسبة المسؤولين عن مقتل المواطنين، ورفع القضية لمجلس الأمن، جاءت التصريحات الرسمية، في نظر كثيرين، أقل من حجم المأساة، واكتفت بالدعوة إلى عدم الاقتراب من الحدود، وكأن المشكلة في الضحية لا في الجريمة.
الدول تُقاس بقدرتها على حماية مواطنيها، والدفاع عن سيادتها، لا بالصمت أمام الأزمات. فالكرامة الوطنية ليست شعارًا يُرفع في المناسبات، وإنما مسؤولية تُترجم إلى مواقف وإجراءات.
قد يختلف الناس في السياسة، وقد تتباين قراءاتهم للتاريخ، لكن شيئًا واحدًا يبقى ثابتًا: الشعوب لا تنسى. ولذلك، فإن روح المك نمر، وروح الإمام المهدي، ستظلان حاضرتين في الوجدان السوداني بوصفهما رمزين لرفض الإهانة والدفاع عن الكرامة. والتاريخ يعلمنا أن الأوطان قد تصبر طويلًا، لكنها لا تتخلى عن حقها في الحرية والسيادة والعدالة. حواء الثورة السودانية (ولّادة) وسوف يظهر هؤلاء الابطال مجددا في ثورة تدك عروش الطواغيت.
محمد حسين – فرنسا
aeshaq055@gmail.com
