باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الأربعاء, 22 يوليو 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
الوليد محمد الأمين
الوليد محمد الأمين عرض كل المقالات

لماذا ليس هناك أمل في صلاح قريب للتعليم العالي في السودان (2)

اخر تحديث: 22 يوليو, 2026 11:50 صباحًا
شارك

لماذا ليس هناك أمل في صلاح قريب للتعليم العالي في السودان (2)
واقع البحث العلمي

ب. الوليد محمد الأمين

كنت كتبت الجزء الأول من هذا المقال ونشرته في سودانايل الالكترونية في 11 يونيو 2022م. لقد مرت مياه كثيرة تحت الجسر منذ ذلك الوقت. واندلعت الحرب في الخرطوم ومن ثم انتشرت لبقية البلد. ولا تزال البلاد تحت وطأة الحرب ومضاعفاتها. كتبنا بعدها مقالا عن مستقبل التعليم العالي في السودان بعد الحرب كان عنوانه “أي مستقبل للتعليم العالي في السودان بعد الحرب؟” (11 أكتوبر 2023م، سودانايل الالكترونية). وبالطبع فقد كتب الكثيرون غيرنا وعقدت العديد من الورش والنقاشات، الإسفيرية وعلى الأرض، من المهتمين بهذا المجال من السودانيين في داخل السودان وفي خارجه.
أود هنا أن أواصل في المقال الأول بذات العنوان، مع الأخذ في الاعتبار ما أفرزه واقع الحرب وتداعياتها المستمرة، والتي ستستمر لفترة غير قصيرة حتى إن توقفت الحرب. وذلك بالطبع دون إغفال فرضية أن تستمر الحرب لسنوات طويلة، أو الفرضية الأخرى؛ أن تراوح البلاد في حالة اللاسلم واللاحرب لسنوات أو لعقود قادمة.
أناقش في هذا المقال الجزئية المتعلقة بالبحث العلمي في الجامعات والكليات والمعاهد ومراكز البحوث السودانية، ولماذا لم، ولا، ولن تقدم هذه الجامعات والمراكز بحوثا يعتد بها أو تسهم في النهضة المرجوة للبلاد.
انعدام أو عدم وجود رؤية مركزية أو موحدة أو سياسة واضحة للبحث العلمي في السودان:
ونعني بذلك عدم تحديد الأولويات البحثية للدولة، وعدم وجود سياسة واضحة لتحقيق ما هو مطروح نظريا. صحيح أنه تمت بعض المحاولات من قبل هيئة البحث العلمي والابتكار، وعلى الأخص في فترة مديرها الأسبق البروفيسور أحمد حسن فحل، لوضع أولويات للبحث العلمي في البلاد، بل تم وضع نحو 33 من الأولويات وقتها، شملت وغطت عددا من المحاور والمجالات المهمة. ولكن قائمة الأولويات هاته خلت من مجالات البحوث الإنسانية البحتة، من مثل علم الاجتماع والفلسفة والتاريخ على سبيل المثال.
ولكن بغلة إبريقنا في السودان لم تكن أبدا في وضع السياسات بل في تنفيذها. والأولويات هذه ذاتها كانت إطارا عاما أكثر منها برنامجا تفصيليا، وذلك بالطبع هو ما يفترض أن تكون عليه الأولويات. وأضيف هنا أن غالب المشاريع التي تقدمت للحصول على التمويل المرصود لهذه الألويات، والذي مثّل اختراقا كبيرا وقتها- على محدوديته، عانت هذه المشاريع من الضعف الشديد في جوانب عدة، كنتيجة حتمية لضعف ثقافة البحث العلمي، وضعف المتقدمين أنفسهم ممن يعدون أنفسهم من الباحثين، عدا في حالات محدودة.
غير أن الأمر الأكثر تأثيرا هنا بحسب وجهة نظري هو في افتقادنا للرؤية الكلية ولغياب التنسيق المؤسسي من قبل الدولة. يمكنك ربط ذلك بغياب الدولة ذاتها في معناها الأشمل. فالدولة السودانية ظلت ولفترات طويلة بلا عقل حاكم، ولعل ذلك لازمها منذ بداية تكونها كدولة وطنية مصنوعة بواسطة الاستعمار الذي أنشأها وشكلها وفقا لمصالحه. لقد انتهت هذه الدولة في السودان آخر الأمر وآلت إلى محض جهاز جبائي مدعوم بالقوة القهرية. وهذه القوة القهرية التي تعتبر دالة ولازمة لمفهوم الدولة الحديثة باعتبارها محتكرة للعنف في المجتمع والدولة، هذه القوة القهرية نفسها تنازلت الدولة عن احتكارها الكامل لها مجبرة، لصالح الحركات المسلحة المتمردة مرة، ولصالح الجيوش والجماعات المقاتلة الموازية تحت رعاية الجيش الوطني ذاته مرات أخرى، قبل أن تتمرد عليه هي ذاتها. هذه الجماعات المسلحة أنشأت بدورها ومارست مفهوما للدولة عماده فرض الاستحواذ على المناصب بقوة السلاح وفرض ثقافتها – بالمعنى الواسع للثقافة بشمولها لطريقة العيش والحياة- بذات السلاح. وقبل ذلك فرض رؤيتها للسلام وللاستحواذ على- أو تقاسم الثروة والسلطة بذات منطق السلاح. فأي رؤية للبحث العلمي يمكن تصورها في مثل هذه الظروف والأحوال؟ وفي دولة بهذا العقل الحاكم؟ قادنا لهذا الاستطراد ما ذكرناه عن غياب العقل الناظم للدولة السودانية. وغياب العقل هذا هو ما نشهد ارتداداته وتمظهراته الآن، وشهدناه قبلا، في تسنم المشهد من قبل شخصيات أقل وصف لها هو الهشاشة الفكرية والتوهان المعرفي.
في قطاع البحث العلمي يفتقد السودان الرؤية الوطنية الناظمة، وهي رؤية يفترض بها أن تلم بحاجات البلاد في قطاعاتها المختلفة ودور البحث العلمي في ذلك. يتطلب مثل هذا الأمر في الحقيقة مفكرين ومنظرين وواضعي سياسات ذوي مقدرة ومعرفة، ولا يتطلب مجرد علماء وباحثين – إن وجدوا- مبرزين في مجالاتهم. أوجب من ذلك بالطبع أن هذه السياسات والرؤية لا ينبغي- ولن يتمكن من- أن يضعها وزير أو لجنة وزارية محددة بأشخاص كل بذلهم التدرج المهني والوظيفي دون رؤية ودون خلفية معرفية وفكرية. وبالطبع فأنا هنا لا أعني وزيرا معينا أو لجنة معينة، ببساطة لأن ذلك لم يحدث، ولكني ذكرته كطريقة أو عقلية يعمل بها عقل الدولة السودانية المعطوب في هذا المجال وفي غيره.
غير ذلك ستظل الأبحاث العلمية عندنا هي محض إعادة اختراع للعجلة. أضف إلى ذلك، ذلك الوهم المعشش لدينا، نخبا وأناسا عاديين، بتفردنا في المجالات كلها، وأخص هنا البحث العلمي بالطبع. بينما الحقيقة أنك لن تجد لدينا عالما واحدا نال جائزة علمية مرموقة من الطراز الأول، لا أقول جائزة نوبل بالطبع. كما أنك لن تجد جامعة سودانية في مصاف الجامعات العالمية الأول، لا أقول المائة، بل وحتى الألف في معايير التصنيف المرموقة.
والناظر إلى الأبحاث الصادرة أو التي تجرى في جامعاتنا ومراكز البحوث لدينا، يجدها في الغالب أبحاث ذات مردود ضعيف إن وجد. ففي الجامعات على سبيل المثال لا يبذل الأساتذة الجامعيون جهدا كبيرا للقيام بالأبحاث المطلوبة منهم كشرط للترقي في ظل السهولة النسبية لشروط الترقي وفي ظل ما هو معلوم من حال الجامعات ومن بؤس أحوال الأساتذة أنفسهم – المادي على وجه الخصوص. وفي الحقيقة فالترقي ذاته لا يرتبط بالأبحاث والبذل المعرفي بالضرورة، بل بالنشر العلمي، وهذا مجال فيه من الحيل ما فيه لأجل استيفاء شرطه، كان ذلك في السودان أم في خارجه، ولكن وضعنا أكثر سوء. لا يبذل غالب الأساتذة الجامعيون والباحثون عموما جهدا معتبرا في البحث العلمي المرموق، ولا ينتجون أبحاثا على درجة عالية من الجودة لأسباب عديدة، منها بالطبع غياب التمويل وغياب المعينات البحثية من الأجهزة والمعامل البحثية في حالة البحوث التطبيقية. ولكن عوز المعينات هذا لا ينطبق إلى حد معقول على البحوث في المجالات الإنسانية. بالطبع لا يعني ذلك توفر المعينات للبحوث الإنسانية، فالمراجع المهمة غير متوفرة، ولا التمويل المطلوب متوفر. نحن إذن أمام عائق آخر هو تدهور مستوى البحوث لدينا وضعف المهارات البحثية لدى قطاع مقدر من الباحثين. والأخيرة هذه تتعدد أسبابها، منها على سبيل المثال الأسلوب التلقيني لا الجدلي والمحفز للنقاش في طريقة التدريس لدينا في المراحل قبل الجامعة وفي الجامعة ذاتها. أضف إلى ذلك استشراء ثقافة الطبول الفارغة وسهولة وصول المتملقين في كل المجالات للمناصب الأعلى في ظل هذا التوهان العقلي للدولة السودانية.
من نتائج ذلك ما نراه من الاستسهال الغريب في خروج العينات السودانية إلى خارج البلاد إلى مراكز الأبحاث الأجنبية مثلا بحجة التعاون ونقل الخبرات، وهي المسألة التي لا تتعدى سفر الباحث للدولة المضيفة دون أن يوازي ذلك ما تحصل عليه هذه الجهة المضيفة من المعلومات والعينات. بينما إن رغبت أنت نفسك كباحث سوداني في الاستفادة من هذه العينات فيما بعد، طولبت بدفع آلاف الدولارات. وعموما فلا توجد في البلاد قوانين وسياسات ضابطة مفصلة توضح وتحكم هذه المسألة، فأنت قد تجد بعض العموميات. ثم فيم الاستغراب في ذلك؟ وأنت قرأت ورأيت بأم عينك خروج إناث السلالات السودانية من الإبل والخراف وغيرها عيانا بيانا مرات، وغُمُتي غمتي مرات أخر! وفي ذلك مثال جيد لما أشرنا إليه بغياب العقل الناظم للدولة، ففي مسألة تصدير إناث الخراف جاء في صحيفة آخر لحظة (17 مايو 2017م) ما نصه أن الدكتور وزير الدولة بوزارة الثروة الحيوانية وقتها السيد مبروك مبارك سليم، وصف قرار تصدير إناث الإبل بأنه “سليم (100%)، لأنه مدروس ويراعي مصلحة الوطن والمواطن”! وتابع الدكتور المذكور بالقول: “إن قرار مجلس الوزراء للعام 2008 الذي يسمح بتصدير إناث الحيوانات تم إصداره بعد دراسات علمية مستفيضة بجانب مروره بمراحل قانونية فضلا عن تكوين لجنة فنية (من) القطاع الاقتصادي وخبراء ومختصين في المجال”، وتابع، وهو الأمر الأكثر أهمية لنا هنا: “أن التحورات والجينات الوراثية في الذكور وليس الاناث”! بالطبع لا صحة لمثل هذا القول الغريب عن التحورات الجينية وقصرها على الذكور دون الإناث، ناهيك بالطبع عن علاقة ذلك بمسألة تصدير السلالات السودانية! ثم انظر للاستسهال في لوي عنق الحقائق العلمية لصالح الكسب السياسي! وفي ذات السياق صرح وزير الثروة الحيوانية وقتها السيد بشارة جمعة أرور بأن القرار صحيح لسبب “تكدس الثروة الحيوانية بالبلاد بسبب حظر صادرات الماشية من دول القرن الإفريقي في وقت سابق بسبب مرض حمى الوادي المتصدع”، مضيفا أن “تصدير الإناث يعود بالفائدة للثروة الحيوانية بالبلاد، لإحداث توازن بين عدد الإناث الـ(65%) والذكور الـ(35%) من جملة الثروة الحيوانية”. هذا المثال هو واحد من أمثلة كثيرة يصعب عدها عن غياب العقل الناظم في الدولة السودانية، وعن مآل الدولة حين يصبح أصحاب القرار فيها من السياسيين الذين غاية كسبهم السياسي هو المعارضة للحكومات، بالسلاح في غالب الأمر وبالعمالة والارتزاق أحيانا أخرى. وقبل ذلك بالطبع فهو مثال لما بلغته تكتلات جماعات المصالح والفساد في الدولة.
لا يوجد لدينا في السودان ما صار يعرف منذ زمن بالبنوك الحيوية، ولا يوجد لدينا كذلك تسجيل وحفظ حقوق الملكية للسلالات السودانية، لا الحيوانية منها ولا النباتية بالطبع. دعك من كل ذلك، إن تمثالا فرعونيا من حضارات السودان القديمة لا يزال مرميا تحت شمس الصحراء في منطقة شمال السودان تتبول عليه الحيوانات والبشر ويكتب عليه العابرون تذكار من فلان الفلاني! إن وزراء الثقافة والسياحة عندنا لفي شغل شاغل لا وقت لديهم للاهتمام بآلهة الفراعنة وملوكهم، ولكنهم بالطبع مستعدون لما لا داع لذكره من الصغائر والتفاهات.
أذكر هنا القصة المعروفة عن ضابط المخابرات الإسرائيلي الذي سأل أحد الضباط السودانيين العاملين في مشروع تهجير الفلاشا إلى إسرائيل في النصف الأول من الثمانينات، سأله إن كان يطلب شيئا. فطلب الضابط السوداني دراجة لابنه! ما أثار استغراب الضابط الإسرائيلي الذي كتب عن ذلك في مذكراته أو في غيرها. الحكمة في هذه القصة أن الضابط السوداني لم يكن يقدر حجم ما قام به، وفي حقيقة الأمر فالمسألة لم تقتصر على الضابط، فالرئيس جعفر النميري نفسه، والدولة السودانية برمتها، لم تحصل مقابل تلك العملية على ما يوازيها، ذلك بالطبع دون الدخول في جدل أخلاقية ذلك من عدمه.
خلاصة القول أنه لا أمل لنا في النهوض بالبحث العلمي في غياب سياسات واضحة ينتجها ويقف خلفها ويتابعها عقل ناظم عماده الأساس المفكرون والمنظرون وواضعو السياسات من العلماء السودانيين المرموقين أصحاب الرؤية الوطنية والعارفين بحجم نحن فيه. يتطلب ذلك وضع استراتيجية من قبل هذا العقل الناظم لا تتأثر بالتقلبات السياسية أو بتغير الأنظمة.
ضعف التمويل الداخلي والاعتماد على التمويل الخارجي:
لا تتوفر الجامعات السودانية ومراكز الأبحاث جميعها وبلا استثناء على ميزانيات يؤبه بها مخصصة للبحث العلمي. بل إنها في أغلب المؤسسات البحثية لا تتوفر هذه الميزانية من أساسه. وفي الجامعات القليلة التي اجتهدت في تخصيص جعل من المال لصالح تمويل البحث العلمي، فهذا المال المخصص لا يمكنه حتى التكفل بتمويل مشروع بحثي واحد ذو قيمة حقيقية، ولكنها تظل محاولات أفضل من العدم.
كما لا تتوفر في البلاد، وهذا هو الأهم والأكثر تأثيرا، أي صناديق تمويل مستقرة ودائمة لدعم المشاريع البحثية الوطنية طويلة الأمد.
تشير آخر الإحصاءات في هذا المجال إلى أن الإنفاق على البحث العلمي في السودان لا يتعدى 0.01% من الناتج القومي الإجمالي، أو أنه يتراوح بين 0.01 و0.02 % في أحسن الأحوال. هذه النسبة هي من الأدنى في المنطقة إقليميا؛ عربيا وإفريقيا. وهي كذلك نسبة تقل كثيرا عن المعدل العالمي المقدر بالمراوحة بين 1 إلى 2% من الناتج القومي، مع وجود دول تنفق أعلى من هذا المعدل دون شك. فبينما تصل النسبة إلى 3.45 % في الولايات المتحدة الأمريكية، نجدها تصل إلى 6.3% في إسرائيل كأعلى نسبة عالميا. أما في الدول الأقرب فنجد الانفاق يصل إلى 1.02 % في الجمهورية المصرية، وإلى 0.27% في جمهورية أثيوبيا الفدرالية، والنسبة المتاحة فيما خص أثيوبيا هنا قديمة بعض الشيء، إذ تعود للعام 2017م- وربما كان ذلك هنا راجعا بدرجة أو أخرى إلى اعتماد أثيوبيا على التمويل الخارجي الكبير للبحث العلمي، وكذلك الشراكات البحثية مع الجهات المانحة والممولة بدرجة كبيرة، الأمر الذي يجعل قياس الانفاق المحلي أكثر تعقيدا.
دفع هذا الواقع المتردي للإنفاق على البحث العلمي في السودان الباحثين السودانيين إلى طلب التمويل من الجهات المانحة الخارجية، كان ذلك من المنظمات الإقليمية أو الدولية. وهذه المسألة في واقع الأمر ليست بدعا، فالمشروعات البحثية المشتركة يعمل بها في كل العالم، ولكننا في حالتنا نكون دائما في وضع اليد السفلى والطرف الأكثر ضعفا. أضف إلى ذلك أن الحصول على هذا التمويل يصطدم هو ذاته بالحصار المفروض على البلاد، وصعوبة التحويل إلى البنوك السودانية إن تحصل الباحثون على التمويل القليل الذي قد يتاح للسودانيين. وهذا يحدث حتى على مستوى التمويل من المنظمات الأممية التي ينتمي السودان إليها. ومن آثار هذا الحصار المتطاول أن الجهات المانحة الأكبر في مجال تمويل البحوث هي جهات أمريكية، فبالتالي لا يتمتع السودان بميزة الوصول إليها أو التعامل معها إلا عبر استثناءات معقدة وإجراءات عقيمة. أما التمويل من الجهات الأوروبية مثلا، فهو على قلته بالمقارنة مع الجهات الأمريكية، فهو كذلك تكتنفه وتعيقه قوانين المقاطعة والحصار. تمتد آثار هذا الوضع فتؤثر على الامدادات الخاصة بالمواد والمستهلكات البحثية، وبالطبع قطع الغيار وحيوانات التجارب، إلى درجة الانقطاع الكامل لفترات قد تطول وقد تقصر. أدي ذلك – مترافقا مع ضعف الإنفاق على البحث العلمي، إلى أن تصبح معظم مختبراتنا البحثية قديمة في طابعها، وتحتوى على أجهزة قديمة بعضها صار خارج الخدمة فعليا، إما بتهالكه وإما بظهور طرز أحدث تعطي نتائج أكثر دقة وموثوقية.
مسألة أخرى هي أنه في غياب التمويل الوطني للبحوث، واعتماد البحوث لدينا على التمويل والدعم الخارجي، فهذا التمويل بالطبع سيكون وفق أولويات الجهات المانحة. صحيح أنها في بعض جوانبها وأحيانا في كلها، تخدم بعض حاجاتنا الوطنية، إلا أنها بالمقابل في إطارها العام صممت لخدمة أهداف أوسع، أممية كانت أم إقليمية- ليست سيئة بالضرورة، بل هي في الغالب ذات فائدة كبيرة. وليس في ذلك ما يضير بالطبع طالما لا ضرر على البلاد منها. ولكن ذلك في آخر الأمر لا يصب في مجرى المجهود البحثي الوطني بمعناه السيادي أو قل المؤسسي، ولا يتوافق بالضرورة مع الأولويات البحثية للبلاد..
ودون الدخول في أمثلة محددة، فهناك من التمويل الأممي المقدر ما يصل إلى البلاد ضمن مشاريع رفاه الكوكب في مجالاته المتعددة، من المناخ إلى مكافحة واستئصال الأمراض إلى الغطاء الأخضر وغير ذلك. ولكن هذه المبالغ الضخمة لا تصرف في مسارها في الغالب إلا النذر اليسير، بينما يلتهم الفساد في صوره المختلفة جل هذه المبالغ. يحدث ذلك في مجالات عديدة ولا يسمع الناس بها حتى، عدا المقربون من تلك الجهات. إن أوجه الفساد المتعددة في التي ابتكرها عقل الدولة السودانية الريعي لجديرة بالبحث والنقاش هي الأخرى؛ من الرواتب غير المستحقة وحوافز السفر وبدل الإقامة وتذاكر السفر، وحيازة السيارات للأشخاص- وهي المخصصة أصلا لمشاريع المكافحة مثلا، وغير ذلك وغيره.
لا يفوتنا في هذه الجزئية من المقال الإشارة إلى البيروقراطية القاتلة التي تكتنف الإجراءات المتعلقة والمرتبطة بالعملية البحثية، من إجراءات الموافقات، واجراءات الشراء، وإجراءات السفر، أو التعاون الدولي وغير ذلك. إجراءات معقدة وبطيئة، يقوم عليها أناس بيروقراطيون هم أيضا.
عدم وجود مراكز بحثية متخصصة متطورة ومواكبة، وقبل ذلك عدم وجود بنية تحتية حقيقية:
يرتكز البحث العلمي في السودان على تاريخ معتبر في مجال البحث العلمي بصورته الأكاديمية الحديثة. فبعض الأمراض تم اكتشافها والتعرف عليها للمرة الأولى في السودان، وبعض الأدوية والعلاجات كذلك تم تطويرها في السودان، كان ذلك في فترة الاستعمار أو في الفترات اللاحقة لخروج المستعمر. ولكن كل ذلك آل إلى ما آلت إليه الدولة السودانية من الانهيار وسوء الحال. أما في مجال العلوم الإنسانية فقد توفر السودان على نفر مرموق، رغم قلتهم، في مجالات التاريخ وعلم الاجتماع، ولا ننسى بالطبع علوم الاقتصاد والدراسات الآثارية. ولكن محصلة كل ذلك تؤول إلى العدم في ظل ما نحن فيه من التخبط والهوان.
كان السودان من الدول السباقة في مجال إنشاء المعاهد ومراكز البحوث المتخصصة. فكان هناك المركز القومي للبحوث الذي أنشيء في السبعينات، ومراكز متخصصة أخرى مثل معهد طب المناطق الحارة، ومعهد الأمراض المتوطنة وغيرها من بعد ذلك ومن قبله. بعض هذه المعاهد ذات طبيعة مستقلة أو شبه مستقلة، وبعضها يتبع لبعض الجامعات، مثل معهد بحوث البناء والطرق، ومعهد الدراسات الإفريقية والآسيوية، ومركز المايستوما وغيرها في جامعة الخرطوم، ومعهد أبحاث الإبل في جامعة القضارف، والقائمة تمتد ولكنها لا تطول. ولكن كل ذلك انتهى إلى ما انتهى إليه حال السودان من الفشل والسوء. هذا بالطبع غير المضايقات المتتالية من أجهزة الدولة ذاتها، كان ذلك من أجهزتها الأمنية، أو حتى من إدارات الجامعات التي شرع بعضها في بعض أوقاتها في إصدار قرار بحل المعاهد بالجامعة! كذلك لا تخلو تلك المضايقات من حسد الأكاديميا السودانية وصلفها وقصر نظرها الإداري، وتلك تفاصيل لا يسع المجال لذكرها هنا، ثم أنه لا داع لها، فذلك باب في حسد الأكاديميا السودانية طويل وعريض. لا يسع المجال هنا لسرد تفاصيل التدهور الذي حاق بمؤسسات بحثية عريقة في السودان، ولكن يمكنك فقط السؤال والبحث عن كيف انتهت محطة أم بنين لتحسين سلالات الماعز
لا يقوم أي من معاهد البحوث في السودان على بنية تحتية يؤبه بها. وبالمقارنة بمعاهد البحوث في الدول المجاورة، مثل معهد أهري في إثيوبيا على سبيل المثال، أو كي سي آر آي KCRI في تنزانيا ، أو معاهد البحوث المرموقة في كينيا، وذلك على سبيل المثال لا الحصر، بالمقارنة مع هذه المعاهد فنحن في السودان لا وجود لنا البتة. في الحقيقة لا يسعنا إلا التفاخر بالإمكانات العالية لباحثينا وتميزهم العلمي، ولكن هذه الميزة ذاتها تصبح غير ذات جدوى في عالم اليوم ما لم تتوفر البيئة المناسبة. وعلى ذلك فليس من المستغرب أن يحرز السودانيون نجاحا معقولا في خارج البلاد بينما لا يستطيعون ذلك في داخلها. أمر آخر هو الميزانيات المرصودة لهذه المعاهد والمراكز البحثية، فبينما تتوفر ميزانية معهد أهري في إثيوبيا على نحو 8 ملايين من الدولارات الأمريكية (كمنحة من البنك الدولي- منحة وليس قرض)، لا تتوفر ميزانية ذات اعتبار لأي مركز أبحاث بالسودان.
ويشمل ضعف البنى التحتية هنا كذلك ضعف البنية التحتية الرقمية، وهو ضعف يصل في بعض الأحيان حد العدم. فغير خدمات الانترنت الضعيفة وغير المتوفرة في أحيان كثيرة، فالوصول لقواعد البيانات مدفوعة القيمة غير متاح أو أنه مكلف. غير ذلك فلا توجد قاعدة بيانات وطنية أو مستودع رقمي للبحوث السودانية أو أي وسيلة أخرى تمكن الباحثين السودانيين من الاطلاع على المنتوج البحثي السوداني في المجالات المختلفة.
سياسة الابتعاث غير المرشدة:
يمثل ابتعاث الأساتذة والباحثين إلى خارج البلاد واحدا من أهم آليات نقل المعرفة والتقانات إلى البلاد. أضف إلى ذلك أهميته في تطوير المهارات البحثية المتقدمة، وبناء والانضمام إلى شبكات علمية دولية، ما يؤدي في المحصلة إلى رفع جودة البحث المحلي، وتعزيز قدرة الدولة على الابتكار والتنافسية العالمية.
دار جدل كثيف على أيام الفترة الانتقالية فيما يخص المبتعثين من الجامعات الحكومية وتأخر صرفهم لاستحقاقاتهم المالية. وكانت هذه المسألة من القضايا التي صعدتها الجهات النقابية والمطلبية للأساتذة في الجامعات ضد وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، بل وتناولتها الصحافة ووسائل التواصل كل حسب ما يرى وينطلق، لا حسب الحقيقة ونشدان العدالة. لقد كانت تلك فترة جديرة بالتأمل هي الأخرى، فنحن في السودان تعلو أصواتنا المطلبية والناقدة في فترات الديمقراطية النسبية الهشة بينما تخفت هذه الأصوات في فترات الدكتاتورية والتعيين السياسي رغم الفساد البائن. قادنا لهذا الاستطراد مسألة الابتعاث وعدم تحقيقها للجدوى المرجوة منها.
لا توجد لدى الدولة السودانية على وجه العموم، ولا لدى وزارة التعليم العالي والبحث العلمي على وجه الخصوص، سياسة محددة للابتعاث تحدد أولويات الابتعاث بما يحقق الفائدة المرجوة للبلاد. والإعلانات التي ترسلها الوزارة مدبجة بالخطابات الواردة من وزارة الخارجية وأحيانا من سفاراتنا بالخارج، لهي دليل فشل وسوء تخطيط أكثر منها دليل عافية وتعاون خارجي كما توحي بذلك صيغة المراسلات. فهذه الفرص للابتعاث التي يتنافس عليها أساتذة الجامعات اليائسين من انسداد الأفق وأبواب الترقي العلمي الحقيقي، هي في واقع الأمر ما تمنحه الدول الصديقة للبلاد كهبات أو منح، ولكنها في حقيقتها لا فائدة تذكر منها على الجامعات أو البلاد. وجدير بالذكر أن هذه المنح هي في مجملها من دول مثل الصين والهند وماليزيا وكذا، في غياب كامل للدول الأوروبية والولايات المتحدة الأمريكية. لا يعني ذلك أن هذه الدول لا تتوفر بها الإمكانات البحثية المرموقة، خاصة إن قورنت بالسودان، ولكن ذلك يكشف بعض عزلتنا في هذا المجال.
إن الدول أو الجامعات التي توفر هذه المنح إنما تفعل ذلك في إطار سياستها هي وما يناسبها هي، لا ما يناسبنا نحن أو ما يناسب أولوياتنا نحن. ولا يمكنك بالطبع أن تطلب من الآخرين ذلك وأنت في موقف الضعف. يعود المبتعث من هذه المنح وقد حاز معرفة – إن حدث ذلك، لا مكان لها في واقعنا السوداني، كان ذلك لعدم توافقها مع التخصص الذي يقوم بتدريسه الأستاذ المعني، أو كان ذلك لعدم توفر الإمكانات اللازمة ليواصل هذا الأستاذ في المجال الذي حاز معرفة فيه.
هناك بعض المنح والابتعاث التي يتحصل عليها الأساتذة بمجهوداتهم الذاتية ومراسلاتهم مع الجامعات ومراكز الأبحاث الخارجية، وهذه في العادة تكون أكثر تنافسية وذات مردود أفضل. ولكنها في المقابل وفي ظل عدم وجود سياسات بحثية ومراكز بحوث مرموقة لدينا، يجد المبتعث عند عودته أنه لا مكان له في جامعته الأصلية لتطوير أبحاثه أو العمل عليها، مما يجعل الخيار الأفضل أمامه هو العودة من حيث أتى، أو الاغتراب إن توفر. وهذه المسألة في غاية الأهمية، فاللوم الذي يلقى على الكثير من المبتعثين بأنهم لا يعودون للبلاد بعد انتهاء فترتهم، مرده في بعض الأحيان إلى هذه المسألة، أي أن عودة هذا المبتعث تعني نهاية حياته العلمية والبحثية. ينبهنا ذلك، أو قل يعيد تنبيهنا، إلى وظيفة الأستاذ الجامعي من الأساس، ففي الجامعات المرموقة والمحترمة، يقوم الأستاذ بتدريس المقررات بينما هو في ذات الوقت لديه أبحاثه فيها. عندنا يُدرِّس الأساتذة المقرر كما درسوه هم أيام طلبهم، ومع التطور التقني صاروا يضيفون إليه بعض المعلومات من شبكة الانترنت. وعلى كل حال فالراجح والشائع أن الغالبية العظمى من هؤلاء المبتعثون لا يعودون من أصله في أنانية واضحة واستغلال لموارد الدولة، ثم هم بعدها يتصدرون المنابر في الخارج كخبراء وعلماء في نقد هذه الدولة ذاتها.
أود أن أختم هذه الفقرة عن الابتعاث بتوضيح السياسة المتبعة في الابتعاث من الجامعات الحكومية. فعلى الرغم من أنه من المعلوم والثابت أن الابتعاث يتم من قبل وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، وأن الوزارة هي المسئولة عن التحويل المالي للمبتعثين، فالمسألة ليست بهذا التجريد. فالسائد والمعمول به كان أن تقوم الوزارة باستقطاع 10% من الميزانية الشهرية المرصودة لكل جامعة حكومية لصالح المبتعثين. أي أن ما تحوله الوزارة للمبتعثين بالخارج هو مال مستقطع من ميزانيات الجامعات الحكومية وليس من ميزانية الوزارة. ما حدث في الفترة الانتقالية أيام الوزيرة البروفيسور انتصار صغيرون هو أن هذه التحويلات تعثرت لجملة من الأسباب، منها الانهيار في سعر الصرف للعملة الوطنية مقابل الدولار، ومنها سياسات التحويل للخارج المتأثرة بالعقوبات الأمريكية على البلاد ونظام السويفت في البنوك العالمية. وقد كانت الحكومات السابقة في عهد الإنقاذ تتحايل على ذلك بطرق مختلفة ولكنها خارج الإطار الرسمي والرقابي لبنك السودان في سياساته لتحويل الأموال، ولم يكن أمامهم في الحقيقة غير ذلك، فأوقفتها الحكومة الانتقالية دون بديل آخر وقتها. نعود لمسالة الاستقطاع، ففي اجتماع لمديري الجامعات طرحت الوزارة أن يتوقف الاستقطاع وأن تتولى كل جامعة الصرف على مبتعثيها من مواردها بعد إرجاع المال المستقطع لصالح الجامعات. كان ذلك ليكون حلا مثاليا في نظري، ولكنه وافقت عليه جامعة واحدة أو اثنتين فقط، بينما الجامعات الأخرى رفضت ذلك باعتبار أن هذه مسئولية الوزارة، وأسباب أخرى ذكروا منها مسئولية حكومة الثورة وغير ذلك! لقد حدث ذلك الرفض من جامعات لا مبتعث واحد لديها بالخارج، وجامعات لديها مبتعث واحد أو اثنان. وفي الإحصائية أن نحو 80% من المبتعثين هم من جامعتي الخرطوم ومن بعدها الجزيرة بفارق كبير، فالحاصل أن الجامعات الأخرى تقوم بتمويل مبتعثي جامعة الخرطوم بالأساس. كان ذلك قبل اندلاع الحرب بالطبع، ولا علم لي بما هو حاصل الآن في هذه المسألة.
ذكرت ذلك للتدليل على خطل سياسة الابتعاث في جوانب عديدة وليس في جانب واحد. ومع التشديد على أهمية الابتعاث الذي يتحسر عليه منسوبو الجامعات الآن، فالمسألة أكثر تعقيدا مما تبدو. وحتى في جانبها الأفضل يصبح السؤال عما قدمه أغلب من عاد من هؤلاء المبتعثين مشروعا، في ظل ما نراه من الانهيار الماثل في جامعاتنا. ويمكنك أخذ كلية الزراعة على سبيل المثال، وهي الكلية التي تحتوى على عدد مهول من المبتعثين العائدين، خاصة في فترة الإنقاذ الأولى حيث تسنموا قيادة العدد الأكبر من الجامعات الناشئة وقتها. وهذا العدد الكبير من المبتعثين في مجال الزراعة كانت بعض أسبابه، وربما سببه الرئيس، ما وفرته المعونة الأمريكية من المنح الدراسية في مجال الزراعة في بعض عهد الرئيس الأسبق جعفر نميري، حسبما ذكر الأستاذ إبراهيم منعم منصور في مذكراته.
غياب الحوكمة البحثية وتشتت المجهود البحثي وضعف الباحثين؛ البيئة الطاردة:
توجد في السودان معاهد بحثية متخصصة، ورغم تاريخها، أو قل سيرتها الحسنة، في بداياتها، فقد عانت هذه المراكز من ذات علل وأدواء الدولة السودانية؛ من غياب التخطيط وتخبط السياسات وطغيان الرغبات الشخصية. ففي مرحلة من المراحل تم استحداث وزارة باسم وزارة العلوم والتكنولوجيا. قامت هذه الوزارة بضم العاهد البحثية غير المنتمية إلى جامعات، بضمها تحت مظلتها. كان ذلك ليكون منطقيا لو تبع القول العمل فيما قيل عن أهمية الوزارة والدور المنوط بها والمرجو منها. ولكن هذه الوزارة ما لبثت أن أنشأت لها جامعة تحت مسمى أكاديمية السودان للعلوم والتكنولوجيا، تم وصفها بأنها جامعة للدراسات العليا! ومن القليل المتاح عنها الآن نجد توصيفها بأنها مؤسسة تعليمية حكومية سودانية مخصصة للدراسات العليا والبحث العلمي، تأسست في عام 2004م، وأنها عبارة عن اتحاد فيدرالي يجمع بين مختلف المعاهد والمراكز البحثية الوطنية في السودان لمنح درجات الماجستير والدكتوراة بالبحث. انتهى الأمر إذن بالوزارة المذكورة إلى أن تنشيء هي ذاتها جامعة أو أكاديمية تقوم بأحد أوجب واجبات الجامعات القائمة أصلا. وربما كانت واحدة من الفوائد التي تحدث عنها منسوبو تلك المعاهد وقتها، أن الأكاديمية أتاحت لهم الاشراف على الطلاب في درجتي الماجستير والدكتوراة، وهو ما لم يكن متاحا لهم بدرجة كبيرة قبلها باعتبارهم لا يتبعون رسميا للجامعات المنوط بها منح الدرجات العلمية. شيئا فشيئا انتهى أمر الأكاديمية وغاب اسمها وأثرها. ولعله سيكون مفيدا أن يكتب عنها وعن وزارة العلوم والتكنولوجيا من كانوا أكثر التصاقا بهما، ومن كانت لهم معلومات أكثر مما هو مبذول عنها.
واحدة من مظاهر غياب الحوكمة والتخبط هنا ما ظل يعانيه الباحثون والعاملون في المراكز البحثية المتخصصة، والتي تتبع الآن للمركز القومي للبحوث. فقد ظلت تجابههم لعشرات السنين مشكلات من مثل الهيكل الوظيفي والهيكل الراتبي وأنظمة الترقي وغير ذلك.
ليس بخاف إذن، بل وليس من المستغرب والحال كذلك، أن نجد أن هناك المئات بل وربما الآلاف من الباحثين السودانيين الذين يعملون بالخارج باختلاف تخصصاتهم ودرجاتهم المهنية والعلمية. وبالطبع مرة أخرى فلا يمكننا التأمل بأن تكون للدولة السودانية إحصائية بأعدادهم أو قاعدة معلومات توضح تخصصاتهم وأبحاثهم. يحدث ذلك في هذا العصر الذي صارت المعلومة فيه سلاحا قائما بذاته. ولعدد من الباحثين والعلماء السودانيين بالخارج من القصص ما تشيب له الولدان من متابعة بعض أجهزة الدول المعادية لهم، ويشمل ذلك الباحثون في مجالات لا يتوقعها المرء لداعي سلميتها.
في الداخل، ترافق مع ضعف البيئة البحثية معضلات أخرى، مثل قلة التدريب المتخصص، وغياب برامج التدريب المتخصصة المحوكمة والموجهة. وثمة مسألة أخيرة هنا في هذه الجزئية، وهي مسألة لا ترد في التقارير الرسمية لصعوبة ضبطها أولا، وللبيئة العامة للعمل التنفيذي في السودان ثانيا. أعني هنا إيكال الأمر إلى غير أهله لأسباب مختلفة، سياسية واجتماعية وقبلية وشخصية. أحد مظاهر ذلك أن اللجان العديدة التي تتكون للارتقاء بالنشاط البحثي أو للنظر في وضع المؤسسات البحثية أو حتى أعضاء اللجان الوطنية في المنظومات البحثية المختلفة داخليا أو خارجيا، هم ذات الأشخاص الذين يتم تدويرهم. ظهرت هذه المسألة بصورة أوضح خلال فترة الإنقاذ الطويلة، ولكنها استمرت بعد ذلك. يقوم الوزير أو الشخص المسئول بتعيين معارفه أو منسوبي حزبه أو جماعته أو حتى أحد طلابه في لجان يفترض بها وضع السياسات أو متابعة تنفيذها. لا يعني ذلك أن هذا الطالب السابق للمسئول أو غيره من المختارين بعيد عن المجال، ولكنه ليس لديه من الكفاءة الفكرية والخبرة المهنية والحكمة ما يؤهله ليكون عضوا في مثل هذه المجموعات. بالطبع يمكنك قبل ذلك السؤال عن كفاءة المسئولين أنفسهم في العديد من الحالات. ونتيجة لذلك ظلت هذه الدوائر محتكرة في غالبها لأعضاء ذوي قرب سياسي من الوزير أو الحزب الحاكم، ولشخصيات معروفة اجتماعيًا أو ذات علاقات داخل الوزارة المعنية، إضافة إلى أكاديميين محددين ومعروفين. لا يعني ذلك بالضرورة سوء هؤلاء النفر، ولكن ضعف قدراتهم هو المعضلة.

استقلالية الجامعات المفقودة كمعوق للبحث العلمي:
لطالما تحدث الكثير من أساتذة الجامعات عن استقلالية الجامعات المفقودة كمعوق لتطور البحث العلمي في البلاد، بل كمعوق لانطلاق الجامعات ذاتها. فما المقصود باستقلالية الجامعات؟ في الإطار العام تشير استقلالية الجامعات إلى حريتها في إدارة شئونها دون تدخل من الدولة أو أي من وسائل السلطة. يشمل ذلك تمتع الجامعة بالاستقلالية المالية واستقلاليتها في وضع سياسات القبول، ويشمل ذلك أيضا حرية البحث العلمي دون تدخل خارجي. ولكن هذه الاستقلالية ليست مطلقة، فالجامعات عموما تخضع لمعايير أكاديمية ومهنية ضمن إطار تشريعي ورقابي أوسع يضمن الالتزام بمعايير الجودة في التعليم العالي ويسعى للاعتماد الأكاديمي، كما تسعى هذه التشريعات لضمان الشفافية المالية والالتزام بالقيم المجتمعية. الاستقلالية إذن ليست مطلقة بالضرورة، ولعل ما برز في السنوات الأخيرة من تضييق في بعض الجامعات الأمريكية ضد من أبدوا رأيا سياسيا معينا تجاه قضايا إنسانية معينة في الشرق الأوسط مثلا، لعل ذلك مثال واضح على تهافت فكرة الاستقلال الأكاديمي أو قل البحثي.
في السودان، ظلت مسألة الاستقلالية بمعناها الكبير والمطلق مفقودة على الدوام في الجامعات والمؤسسات البحثية السودانية. فالجامعات الحكومية ومراكز الأبحاث الحكومية بلا استثناء، تتلقى ميزانيتها من الدولة عبر وزارة المالية تحت بند يسمى الدعم. ولكني أجادل هنا بأن فقدان هذه الاستقلالية ليس بالضرورة سببا رئيسا في ضعف منتوجنا البحثي والعلمي. وأجادل بأنه وفي ظل هذه الاستقلالية المفقودة، أو المنقوصة في أحسن الأحوال، خاصة في الشق الأكاديمي، فقد كان هناك على الدوام هامش كاف للتحرك فيه، ولكن ذلك لم يحدث. إن ضعف منتوجنا البحثي في أغلب الأحوال ناتج في الأساس من ضعف القدرات قبل ضعف الإمكانات. أقول في الغالب لأن هناك بعض الاستثناءات القليلة التي لا تصلح كمعيار للقياس. فأنت إن نظرت للدراسات الإنسانية في بلد كالسودان على سبيل المثال، لن تجد تفسيرا مقبولا لتهافت عناوين رسائل الماجستير والدكتوراة لتصبح في غالبها الأعم على شاكلة” أثر كذا أو كذا على رضا العاملين في البنك الفلاني، أو أثر توفر الترحيل على أداء العاملين في روضة كذا! (وأرجو ألا تكون هناك دراسة بهذا العنوان، فقد نحته من بنات أفكاري). كما أنك لن تجد تفسيرا لكون البحوث والرسائل الجامعية في مجال التربية من شاكلة دور معلم مرحلة الأساس في تعليم الحروف الأبجدية! تحفل عناوين المكتبات الجامعية بالعديد من البحوث عن الحبة السوداء وبول البعير وغير ذلك، ولعل ذلك كان ليكون ذا أثر لو كانت هذه الدراسات رغم ضعفها البائن تتبع الأساليب الصحيحة وإعمال الفكر والتدبر، فالمعلومة هي المطلوبة في النهاية غض النظر عن أهميتها إن نظرنا للأمر بمنظار التجريد. ما أود قوله أن مسألة استقلالية الجامعات لا يجب أن تكون حجر عثرة في سبيل الارتقاء بالبحث العلمي، وبقليل من التدبر سوف نجد أن كل دول الجوار القريب والبعيد من حولنا، والتي يقارن باحثونا منتوجنا بهم، كلها بلا استثناء، أكثر بؤسا منا في مسألة الاستقلالية هذه.

تأثير الوضع السياسي والوضع الاقتصادي على البحث العلمي:
العملية البحثية مثلها مثل غيرها من العمليات المرتبطة بالكوادر العاملة والعمل المؤسسي، تتأثر بالوضع العام في البلد المعني. ففي حالة عدم الاستقرار السياسي، لا سيما في دولة مثل السودان عانت وتعاني من اختلالات هيكلية في مفهوم الدولة ذاته، في مثل هذه الحالات يؤثر عدم الاستقرار السياسي على الجامعات والمراكز البحثية في عدد من مجالاتها، مثال ذلك التمويل والسفر للأغراض البحثية وحضور المؤتمرات. ومن جهة أخرى فمع ضعف الاقتصاد يصبح البحث العلمي رفاهية لا تحتاجها الدولة في ظل اقتصاد معيب يركز على اليومي وتوفير أبسط متطلبات استمرار الدولة. ذلك هو الوضع في حال عدم الاستقرار السياسي والضعف الاقتصادي، فما بالك بما يمكن أن يحدث عند تلازم الشرطين معا، ثم أن يترافق كل ذلك مع حرب كان واحد من أهدافها منذ اليوم الأول استهداف البنى التحتية للدولة، على ضعفها وهزالها، ومن ضمنها الجامعات والمراكز البحثية والمتاحف.
خلاصة ما ذكرناه أن المعوقات للبحث العلمي في السودان عديدة وذات طبيعة متشابكة ومركبة. بعضها مرتبط بالبيئة العامة في البلاد، من الفساد المستشري، وضعف الاقتصاد، وعدم الاستقرار السياسي، والهشاشة الأمنية، وتدهور النية التحتية العامة، والتي تشمل بالطبع البنية التحتية للبحث العلمي. أما ضعف التمويل البحثي فيعبر عنه بوضوح المبلغ الزهيد الذي كان موجها للبحث العلمي قبل الحرب، فما بالك بما بعدها. تعرضنا كذلك للمعوقات المرتبطة بالباحثين والكوادر البحثية على وجه العموم، وهذه الكوادر في الحقيقة هي بعض الثروة الوطنية، ولكنها عانت وتعاني ما تعاني من الإهمال. لا يخلو الأمر كذلك من المعوقات المؤسسية والإدارية. يتضح ذلك أكثر ما يتضح في غياب السياسات البحثية الوطنية الواضحة.
إن هذه المعوقات والمعضلات كلها قابلة للحل، وليس من الصعب رغم كل ما ذكرنا أن يتم النهوض بالبحث العلمي في السودان. إن ما هو صعب في الحقيقة هو أن تتغير طريقة تفكير الدولة، وأن تتغير أولوياتها. والأكثر صعوبة ربما، أن يتولى الأمر الوطنيون من السودانيين الصادقين ذوي الفكر المستنير والنزاهة والتجرد.

wmelamin@hotmail.com

الكاتب
الوليد محمد الأمين

الوليد محمد الأمين

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
تجربة مؤتمر الخريجين (1938 – 1947) .. بقلم: تاج السر عثمان
منبر الرأي
لماذا تتخلى مصر من هويتها وتاريخها الاصلي الذي يمتد الى سبعة الف سنة ؟؟؟
الحقيقة تقال ولا تخفى حتى لو كانت ضد امنياتك وتوقعاتك .. بقلم: وجدي كامل
بيانات
رئيس حركة تحرير السودان – المجلس الانتقالي يهنيء الشعب السوداني والأمة الاسلامية قاطبة بحلول عيد الأضحى المبارك
Uncategorized
السودان بين إصلاح الدولة وتأسيسها من جديد

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

فتنة كسلا بين اندفاع الشبل وحكمة الاسد .. بقلم: حسن ابوزينب عمر

طارق الجزولي
منبر الرأي

دمعة واحدة تكفي .. شعر/ فضيلي جمّاع

فضيلي جماع
منبر الرأي

المعركة برؤية محايدة .. بقلم: عبدالله علقم

عبد الله علقم
منبر الرأي

ما بين دكتور عبد الله الربيعة ودكتور حسين أبو صالح … بقلم: سارة عيسى

سارة عيسى
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss