هل ينفصل الشمال؟ 

 


 

فؤاد العجباني
2 أغسطس, 2021

 

لست انفصاليا ولا من دعاة الانفصال، ولكن يدهشني أن جميع أقاليم السودان طالبت أو تطالب بالانفصال (وقد ناله الجنوب) ما عدا شمال السودان ووسطه، مع أن هذا الإقليم هو، بحساب المكاسب والخسائر، أحق المناطق بالمطالبة بالانفصال. علما بأن تقرير المصير حق مشروع لجميع الشعوب والإثنيات.

فهذا الإقليم، المتجانس عرقيا إلى حد بعيد، يمتلك الموارد الطبيعية والبشرية والخبرات اللازمة لتأسيس دولة مستقلة ذات علاقات ممتازة مع بقية السودان (الفَضَل) وكذلك مع جمهورية مصر العربية الشقيقة، التي تربطه معها علاقات أزلية ممتدة عبر آلاف السنين.

كما يتيح له موقعه الاستراتيجي الممتاز أن يسيطر على التجارة بين شمال المنطقة وجنوبها، وبين شرقها وغربها، وبين بقية السودان ومصر، وبين أقاليم السودان الأخرى نفسها، وهذا وحده كفيل بأن يوفر للإقليم إيرادات تجارية هائلة، هذا طبعا إلى جانب استفادة الإقليم نفسه من التكامل الاقتصادي والتبادل التجاري مع مصر الذي يحقق فوائد اقتصادية جمة للإقليم، إلى جانب حق الإقامة والعمل لمواطني الإقليم، الذين توجد اعداد هائلة منهم بالفعل في مصر. وينطبق نفس الأمر على التكامل الاقتصادي مع بقية السودان.

كما أن من شأن انفصال الإقليم أن يشجع أبناءه المنتشرين في جميع أنحاء العالم على تكريس جهودهم وخبراتهم الكبيرة ومدخراتهم من العمل في الخارج لتطوير الإقليم، دون تحمُّل العبء الباهظ لرفع مستوى الأقاليم الأخرى ومنحها حقوق التمييز الإيجابي في التنمية والتوظيف والخدمات التعليمية والصحية والمناصب السياسية، وهو عبء يمكن أن يجعل الإقليم كسيحا لا إرادة له إزاء أقاليم الهامش وتنعكس الآية بحيث يستجدي منها الفتات.

وبذلك يستطيع الإقليم أن يحقق انطلاقة اقتصادية قوية تشكل أداة حافزة لنهوض الأقاليم الأخرى. بينما أي جزء آخر من القطر ينفصل سيجد نفسه مضطرا إلى الانضمام إلى دولة أخرى أو البقاء كدويلة لا شأن لها، مع مواجهة مخاطر التشرذم والانقسام الداخلي بسبب العوامل القبيلة والجهوية والإثنية الداخلية. ولنا عبرة بحالة دولة جنوب السودان الآن.

كما أن السلام الاجتماعي الذي سيتمتع به الإقليم نتيجة لبعده عن مناطق الحروب والتوترات سيساعد على نهوضه الاقتصادي والاجتماعي السريع. ولا ننسى أن الانفصال سيريح أبناء الإقليم من دعاوى العنصرية والهيمنة والنخبوية و و و الخ.

في مقابل ذلك، توجد بالطبع سلبيات من أهمها فقدان الإرث العاطفي للارتباط القومي التاريخي بالسودان القديم، ولكنه إرث تهلهل على أية حال بانفصال الجنوب وحروب الهوامش وخطاب الكراهية. كذلك لا ننسى أبناء الإقليم المنتشرين في كل أقاليم السودان الأخرى، الذين سيكون عليهم اختيار البقاء كأجانب أو الانتقال إلى الدولة الجديدة، كما حدث لأبناء الجنوب.

وهذه ليست دعوة للانفصال، كما قد يتصور البعض خطأ، بل هي تنبيه للأقاليم التي تهدد من حين إلى آخر بورقة الانفصال بأنها ورقة خاسرة.

والله أعلم.

 

elagabani@yahoo.com

 

آراء