ود قلبا … الوردة ستطارد السكين حتى آخر التراب

نزار عثمان السمندل

ليل أديس أبابا حمل سكينه إلى جسد المعنى. يدٌ امتدّت من عتمة المراقبة لتطعن صوتاً اعتاد أن يربك الطغاة بالحساب والوثيقة. هشام علي، «ود قلبا»، خرج من مواجهة أخرى مع الموت، فيما بقي السؤال معلقاً فوق المدينة: من يطارد الكلمة حين تفضح المال والسلاح؟
مساء الثلاثاء لم يكن عادياً. رجل انتظر، راقب، حمل ورقة فيها صورة، واقترب باندفاع محسوب. مقاومة خاطفة بددت عنصر المفاجأة، فكانت الطعنة في اليد، ثم محاولة أخرى صوب البطن. دم سال، وإسعاف حضر، وغرفة عمليات أغلقت الجرح، بينما تركت الواقعة ندبة في الذاكرة العامة.
كتب هشام لاحقاً أنه بخير، محاطاً بالأصدقاء والأسرة، كأن النجاة صارت فعلاً يومياً في حياة من قرر أن يقول كل شيء.
ذاكرة الخطر ليست جديدة. جدة عام 2017، وأديس أبابا عام 2024، والخرطوم عام 2018. محطات في طريق واحد عنوانه صراع الكلمة الحرة مع أدوات القمع العابرة للحدود. ما جرى أقرب إلى حلقة ضمن حرب خفية تشترك فيها سلطة السلاح مع اقتصاد الفساد، حيث تُدار الرسائل بالسكاكين حين تفشل البيانات.
قبل عام، تحولت ظهيرة مزدحمة إلى فخ. عيون لحقت به إلى أديس أبابا ذاتها، وأقدام قطعت الطريق. أربعة أشخاص رسموا المشهد: غطاء رسمي بزي الشرطة، وظلان مدنيان ملثمان، ورسالة واحدة: لا ملاذ لك.
تعرض لضغط نفسي داخل سيارة رسمية قادته إلى قسم الشرطة، وسط تلميح صارخ بقدرة الوصول إليه في أي مكان.
داخل القسم، لم تكن المخالفات الإدارية موضوعاً، بل بلاغات جاهزة باسم نافذ سوداني. هكذا انتقلت القضية من إجراء إثيوبي محلي، إلى تصفية حسابات سودانية مؤجلة.
مثوله أمام القضاء في اليوم التالي كشف عن هشاشة البناء. غياب الشاكي ومحاميه أسقط الرهان على الترهيب، وفتح باب الإفراج عن هشام بضمان شخصي، تحت ضغط إعلامي وحقوقي. بقيت الخلاصة ثقيلة: المنافي وعدٌ هشّ بالأمان.

لماذا هذا الاستهداف؟
لأن هشام لمس العصب. في أسابيع سبقت محاولة اختطافه العام الماضي في عاصمة إثيوبيا، كان قد نشر «سلسلة الشيطان». تفكيك موثق لاقتصاد الحرب. تسريبات صوتية، أرقام، مسارات وقود ودقيق ومواشٍ، ومكالمات تفضح التخطيط لإشعال القتال وعرقلة التحول المدني.
ما فعله هشام ضربة أصابت سردية «حرب الكرامة» في صميمها، وكشفت عن معركة الموارد والنفوذ. عند تلك النقطة، صار الخلاف صفقة حياة أو موت لمصالح بمليارات.
الخوف منه قديم. محاسب استقر في السعودية منذ 2010، تحوّل بعد مجزرة سبتمبر 2013 إلى صائد أرقام. في 2016، كان من عقول العصيان المدني، وصفحته غرفة عمليات للرأي العام. أُعتقل في جدة في 2017، وجرى ترحيله قسرياً إلى الخرطوم عام 2018. هناك فُتحت أبواب التعذيب والاختفاء، ولم يغلقها سوى سقوط البشير في أبريل 2019.
خرج هشام من السجون بنَفَس أطول، واستمر في كشف الالتفافات وفضّ الاعتصام، وصولاً إلى اقتصاد الحرب.
الحادثة الأخيرة تضع إثيوبيا أمام اختبار حساس. استضافة لاجئين سودانيين تتقاطع مع نفوذ أمني ومالي يسعى لتصفية خصوماته على أرضها. هذه الأرض المشاع؛ التي حاول الكيزان فيها اغتيال حسني مبارك.
المخاطر لم تعد نهباً عشوائياً، بل ملاحقة سياسية في وضح النهار، ومعادلة دبلوماسية دقيقة بين الصمت والتصدي. ونجاة «ود قلبا» لا تطوي الصفحة، بقدر ما تشير إلى بداية فصل جديد أكثر قسوة، في صراع ثورة بلا حواضن آمنة.
المخاطر في المدن الأفريقية حيث لجأ المناضلون السودانيون كبيرة. أديس أبابا، كمبالا، طرابلس، القاهرة، جميعها خرائط حذر، حيث يختبئ الموت في وضح النهار، ويُلاحق اللاجئ السياسي بكل شراسة.
ومع ذلك، يظل هشام علي، في مواجهة السكاكين، شاهداً حياً على أن الحقيقة، حين تتسلح بالوثيقة والجرأة، لا تموت، وأن الوردة ستظل تطارد السكين حتى آخر التراب.

عن نزار عثمان السمندل

نزار عثمان السمندل

شاهد أيضاً

إطفاء المدن بالنار… إلى متى؟

تتصاعد الحرب في بلدنا المنكوب كأنها تمتحن قدرة الأهالي على الاحتمال الأخير، فيما تتكاثر الاتهامات …