بقلم: السر جميل
تتوقف الأرواح أحيانا عند لحظات فاصلة في الحياة، لحظات يمتزج فيها العجز البشري بالقدرة الإلهية المطلقة، وتتوارى فيها الأسباب الأرضية لتفسح المجال لمعجزات السماء. وفي سورة آل عمران، يقف التنزيل الحكيم عند مشهد يفيض بالنور واليقين، مشهد اختصرته كلمتان تختزلان حيرة اللجوء الحقيقي: “هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ”.
لم يكن “هنالك” مجرد ظرف مكانٍ يشار به إلى المحراب الشريف، ولا مجرد ظرف زمانٍ يورخ لظاهرة خرق العادات، بل كان لحظة تجلٍّ كشفت للقلب البشري عن الحقيقة الكبرى أن الذي يرزق باللاسبب، قادر على أن يعطي فوق مستوى العجب.
شاهد زكريا عليه السلام كرامة الصديقة مريم، رأى فاكهة الصيف تزين شتاءها، وثمار الشتاء تتألق في صيفها، في رزق ممتد بلا جهد ولا عناء بشري. لم يستغرق عليه السلام في الذهول البصري، ولم يستعظم الآية على قدرة القادر، بل أدرك بنور النبوة الرسالة المخبأة خلف الرزق إن رؤية نعم الله على الآخرين لم تخلق لتثير في نفوسنا الحسد أو الحسرة، بل حركت القلوب لتوقظ الأمل الغائب، وتنفض الغبار عن الدعاء المخبوء في ظلمات اليأس الظاهرة.
وهنا تتجلى العظمة الفكرية والروحية للمنهج القرآني، نبي كريم، اشتعل رأسه شيبا، وبلغ من الكبر عتيا، وزوجته عاقر لا تلد بجميع المقاييس الطبية والأسباب البشرية، يرى الصلاح الماثل في مريم عليها السلام، ولكنه لم ينبهر بشخصها انبهار المقعد بالعاجز، ولا طلب منها أن تكون واسطة بينه وبين ربه، ولم يتوسل بإشراقها الإيماني ليطلب منها الولد. لم يطرق باب المخلوق وهو يرى خزائن الخالق مفتوحة بلا غلق. لقد تجاوز الشاهد الإنساني ليتصل بالفاعل الإلهي، فلم يقل يا مريم ادعي لي، بل “دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ”.
كم هي شاسعة الفجوة بين هذا السلوك النبوي الوضاء، وبين ما تنحدر إليه بعض النفوس المعاصرة! نرى العجب في سلوكيات بعض الناس أضاعها الجهل وأرهقها الشتات. ينجذب المرء إلى شخصٍ يستشف فيه التقوى والصلاح، فيتحول هذا الانجذاب من مودةٍ إيمانية المحتد إلى اتكالٍ مطلق، يطلبون منه رفع المصائب، وفك كرب الضيق والحسد والعين، بل ويتوسلون إليه للتوسط في تيسير أسفارهم للدراسة والعمل في آفاق الأرض، معتقدين أنهم مكبلون بمكر فلان أو عين فلانة!
والأنكى من ذلك وأشد إيلاما، أولئك الذين استبدلوا بالذي هو أدنى الذي هو خير، فذهبوا إلى أدعياء الغيب والدجالين، يرجون عندهم فك السحر وتوسيع اعمالهم التجارية وزيادة الأرباح. ويا لها من مفارقة موجعة يضحك منها العقل ويبكي لها الإيمان! تجد هذا الساحر أو الدجال جالسا في بيتٍ من قش، أو غرفة من طين ضيقة لا تقي حرا ولا بردا، متوسدا عنقريبا مهشما، “من غير بمرتبة حتي” ، ويتكفف الناس أموالهم ليستجد بها رزق يومه! كيف لمن لا يستطيع أن يرفع الفقر عن نفسه، ولا يملك لنفسه نفعا ولا ضرا، أن يمنح الآخرين مفاتيح الغنى، أو يقسم للناس أقدار الزواج والتيسير؟ أي زيف هذا الذي يستنزف أموال الحيارى، وأي غفلة تلك التي تجعل العاقل يرجو الشفاء من العليل؟
إن المعضلة الحقيقية لا تكمن في قوة الدجال، بل في ضعف الضحية. تجد أحدهم لم يركع لله ركعة في مسجد، ولم يتذوق حلاوة الخمس صلوات، لم يقرأ جزءًا من كتاب الله، ونسي وصية نبيه الكريم في قراءة سورة الواقعة والاعتصام بالتدبر، ثم يتساءل بعد ذلك لماذا تحيط به الضوائق! لقد أهملنا الدروع الهية المتينة، وزهدنا في أذكار الصباح والمساء التي هي حرز مكين وحصن حصين، وضمانة نبوية صريحة تقي العبد من كل عين وحسد ووسواس.
إن حديث الرسول صلى الله عليه وسلم يقف حاسما أمام كل وهن إنساني: «من قال: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، في يوم مائة مرة… كانت له حرزًا من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي». حرزٌ إلهي لا ينفذ إليه كائن من كان! فكيف يقع المرء صيدا سهلا للمس أو الوهم، وهو يملك أن يحصن نفسه بقوة الجبار؟ إن المس الحقيقي ليس في الجسد، بل في الفكر الذي فارق منهج ربه وابتعد عن هدي نبيه.
لقد علمتنا قصة زكريا في المحراب أن الأسباب خادمة لا حاكمة، وأن مغير الأحوال يغيرها بكلمة “كن” من هنا نبدأ، ومن “هنالك” نتغلب على حيرتنا، إلى ملك الملوك نلجأ، وإليه وحده نرفع حاجاتنا، وله نفوض أمورنا. إن اللجوء الصادق إلى الله في أوقات الإقبال وفي أماكن الطهر والعبادة، بقلبٍ يتطلع إلى فضل ربه لا إلى وسائط خلقه، هو الطريق الوحيد للاستقامة والحرية الحقيقية من كل قيد وشر.
فهلا عدنا إلى مساجدنا، وهلا هتفت أرواحنا بصدق كما هتفت روح زكريا، لنرى من ألطاف الله ما يدهش العقول ويشفي الصدور ويخرجنا من الضيق والشرور؟
من سلسة مقالات للأسرة
