فضيلة الرفق بالحيوان في تراث الإسلام وموضعها في أتون الحرب المأساوية الدائرة بالبلاد

 


 

 

بسم الله الرحمن الرحیم

علي خلفية نفوق الحيوانات بمتحف السودان للتاريخ الطبيعي نبعث برسالة للتضامن مع أساتذتنا الأجلاء محمد عبد الله الريح وختمة العوض وزهير نور الدائم وفتحي الربعة وبقية زملائهم الأبرار
ماذا يضير منسوبي جمعية الهلال الاحمر السوداني لو هرعوا لانقاذ الحيوانات المعرضة للهلاك سيما وأن متحف التاريخ الطبيعي يقع علي مرمي حجر من مقرهم الرئيس ؟؟!!
لم لا نطمع في دخول الجنة أو إتقاء النار عبر إطعام كلب أو إخلاء سبيل قطة لتأكل من خشاش الأرض
لم أر في الشعوب الاسلامية من هو أكثر رفقاً بالحيوان واعتناءا بصحته أكثر من الشعب التركي وهذه
دعوة لاقتباس تجربة الإخوة الاتراك في الرفق بالحيوان
ضرورة الانخراط في حملة قومية مستدامة للاعتناء بالتنوع الحيوي وصيانة البيئة ودرء آثار التغير المناخي وتحقيق التنمية المستدامة في ربوع السودان

د. فتح الرحمن القاضي
TEL: +249912219666 /
E – Mail: elgadi100@gmail.com

ابتداءا فهذه لمسة للوفاء والعرفان لاساتذتنا الاجلاء في مجال علم الحيوان (ZOOLOGY) ، ويشمل ذلك ولا يقتصر علي، محمد عبد الله الريح وفتحي الربعة وزهير نور الدائم حاج نصر وختمة العوض ومن سواهم من العلماء الافذاذ أطال الله في أعمارهم ، وهذه دعوة للترحم علي من انتقلوا الي رحاب العناية الالهية ومن ضمنهم بروفور أحمد عبد المجيد ، وبروفسور مأمون داؤود الخليفة الذي انتقل مؤخراً الي الدار الاخرة مخلفاً تراثاً ضخماً من المنجزات علي الصعيد البيئي فالعزاء واجب وموصول اليي زملائه ومن قبلهم آل الخليفة عبد الله التعايشي في فقده الجلل، ثم إن العزاء موصول في حق من أثروا حياتنا وعمروها في مجال البيئة ممن لا يتسع المجال لذكرهم سائلين الله أن يدخلهم الفردوس الاعلي من الجنان.
علي أول عهدنا بالتلفاز كنا نتابع بشغف الحلقات التعليمية التي كان يقدمها بروف محمد عبد الله الريح في مجال علم الحيوان ، ومن بعد امتد شغفنا لتعلم المزيد علي ايدي نفر من خيرة الاساتذة في علم الحيوان علي ايام مبتدأ دراستنا الجامعية بكلية العلوم جامعة الخرطوم (PRELIMINARY YEAR) وفي مقدمتهم فتحي الربعة والمرحوم أحمد عبد المجيد حيث كنا نتلمس طريقنا بصعوبة ونحن نتلقي العلوم باللغة الانجليزية مع كوننا حديثي عهد بذلك فضلاً عن أن الالمام بالمصطلحات اللاتينية التي كانت هي السمة السائدة في تصنيف علم الحيوان كان أمراً بالغ الصعوبة.
ما حفزنا لاعداد هذا المقال هو الخبر الذي شاع في وسائل التواصل الاجتماعي محذراً من مخاطر نفوق الحيوانات بمتحف السودان للتاريخ الطبيعي حيث يقول نص الخبر المنسوب الي الاستاذة سارة عبد الله ما يلي :
(ماتت الحيوانات البرية الحية بمتحف التاريخ الطبيعي موتا بطيئا، جوعا وعطشا.. آخر إمداد وعناية بها كان يوم الجمعة قبل السبت بداية الحرب مباشرة..ترجينا كل من يمكن أن يصل للمتحف، وبرغم كل النيات الطيبة والوعود، لم يستطع احد الوصول للمتحف خشية على حياتهم من نيران القنص.
تواصل معي عدد مقدر من الاشخاص من مختلف الفئات حتى أفراد من الجيش طلبت منهم مد الحيوانات بالماء والغذاء محفوظ بالمخزن والثلاجات ولم يحدث اي فعل.. ترجيت كل من يستطع المرور بمحيط الجامعة ان يكسر اقفال الاقفاص ويسمح بخروج الطيور والقرود على الاقل ولم يحدث شي.. خسرنا حيوانات المتحف الحية وبها بعض الحيوانات التي يندر ان تجدها الان في بيئتها الطبيعية.. خسرنا التمساح الذي احضر كبيضة وفقس في المتحف تجربة علمية مهمة.. خسرنا عدد كبير من الثعابين والعقارب السامة التي تم جمعها بصعوبة بالغة في مشروع مشترك مع مركز أبحاث الكائنات السامة لتوطين إنتاج الأمصال بالسودان. خسرنا حيوانات وزواحف كانت مهمة جدا للابحاث بكلية العلوم وللتعليم عموما لمختلف الفئات..وجدنا استجابة من منظمة الرفق بالحيوان في شكل دعم مادي لكن لم نستلمه حتى الآن وهو بمعية إدارة حماية الحياة البرية. - متحف التاريخ الطبيعي. كلية العلوم بجامعة الخرطوم ) انتهي.
رغم المصائب والابتلاءات العظمي التي تضرب بلادنا في هذه الايام من حرب ودمار فما كان لخبر كهذا أن يمر مرور الكرام . ومع كل هذه الاهوال والمصائب المعاشة فلا نملك سوي أن نبعث برسالة للتضامن والمؤازرة لأساتذتنا الأجلاء محمد عبد الله الريح وختمة العوض وزهير نور الدائم وفتحي الربعة وسائر المشتغلين في المجال علي خلفية نفوق الحيوانات بمتحف السودان للتاريخ الطبيعي ، داعين الي العمل علي نحو طارئ لاطعام الحيوانات واستنقاذ ما تبقي منها في متحف التاريخ الطبيعي وما سواه من الامكنة التي تحتضن الكائنات الحية التي يتم اسجلابها من البرية لاغراض التعليم و إجراء التجارب العلمية.
وفيما نطلق دعوة للتضامن مع سارة عبد الله يحق لنا أن نتساءل: من يتحمل مسئولية نفوق الحيوانات وما دور شرطة حماية الحياة البرية في الاعتناء بالحيوانات، سيما وأن الاجهزة الشرطية تسجل غياباً ليس من جهة التقصير في الاضطلاع بواجباتها في رعاية الحيوان لكي نستنصر بها وإنما يمتد القصور الي عدم القدرة علي ضمان سلامة المواطنين وتأمين حياتهم وهم يقتلون وتنهب ممتلكاتهم ولا ناصر لهم؟؟!!.
وثمة تساؤل مشروع نتوجه به الي الاخوة الاحباب في جمعية الهلال الاحمر السوداني ، ونحن سنظل عاكفين نتوجه اليهم بالنصح وندعوهم الي فعل الخير الي ان يقضي الله امراً كان مفعولا، فلم لا يهرع منسوبي الجمعية بلجنة تسييرها وامانتها العامة ومتطوعيها الي استنقاذ الحيوانات المعرضة للهلاك من شدة الجوع مع العلم ان متحف التاريخ الطبيعي يقع علي مرمي حجر من المقر الرئيس للهلال الاحمر؟.
وبهذه المناسبة فهذه دعوة عامة نطلقها من هذا المنبر داعين الي ايلاء مزيد من الاهتمام بمسالة الرفق بالحيوان في أتون الحرب الدائرة بالبلاد والاعتناء بها والسعي لاطعامها واحسان معاملتها في وقت يعاني فيه الانسان والحيوان معاً الامرين مع استمرار حرب ضروس لا تكاد تبقي انساناً ولا حيواناً علي قيد الحياة؟؟.
ثم أن الالمام بعلم الحيوان والرفق بالكائنات الحية لا ينبغي أن يكون شأنا قاصراً علي المختصين فحسب لا بل أن الوعي بأهمية هذا الضرب من العلوم ينبغي أن يكون أمراً مشاعاً لدي عامة الناس ، كما ينبغي أن يكون جزءاً أصيلاً يجري تضمينه في صلب المناهج التعليمية التي يتلقاها الناشئة منذ وقت مبكر في مختلف المراحل الدراسية ، ولكن أني يتأتي ذلك والنماذج الحية للمعرفة قد تم القضاء عليها من خلال (تشليع) حدائق الحيوان في بلد يعمر بمختلف ألوان الحياة البرية وتذخر أرضها بتنوع حيوي فريد؟!!.
ورغم الجهود المبذولة علي ايدي السادة علماء الحيوان والبياطرة في بلادنا الا أن الوعي بعلم الحيوان علي المستوي المعرفي والسلوكي والاعتناء بالحيوانات والرفق بها وإحسان التعامل معها لم يزل شحيحاً ومتواضعاً للغاية مما يحتم بذل جهود مضاعفة لصياغة مناهج دراسية وأنماط معرفية أكثر تقدما للارتقاء بفهمنا وتطوير سلوكنا المجتمعي بازاء المملكة الحيوانية وكائناتها الحية. وفي هذا الصدد فاننا نثمن المجهودات المبذولة من قبل الدكتورة ختمة عبد الله المسئولة عن ملف التنوع الحيوي (BIODIVERSITY) في المجلس الاعلي للبيئة والموارد الطبيعية وزملائها الاماجد للارتقاء بوعينا وتطوير معارفنا في هذا البعد المتعلق بالكائنات الحية.
ثم أن الدعوة ممتدة علي نحو موصول للاخوة العلماء والمختصين وقادة الرأي والتنوير لكي ياخذوا علي عاتقهم مسئولية بث الروح في هذا الملف المنسي. ورغم أن هذا نداء قومي نطلقه عبر الاسافير للاعتناء بقضايا الرفق بالحيوان وصيانة البيئة ودرء مخاطر التغير المناخي بيد أننا نستنهض هنا ، بوجه خاص، مختلف القطاعات والاجيال والتخصصات من الاخوة والاخوات العاملين في محال التنوع الحيوي والبيئة والتغير المناخي للانخراط في حملة قومية مستدامة تعني بالارتقاء بواقعنا الحيوي والبيئي.
والدعوة موصولة الي الاخوة الزملاء الدكتور خالد التيجاني النور والاعلامي المعروف والدكتور محمد فضل العميد السابق لكلية البيطرة بجامعة الخرطوم ومن سواهم من العلماء الافاضل في مجال الاحياء والبيطرة للاضطلاع بهذه المهمة النبيلة. وبما أن الاعتناء بعالم الحيوان لا يمكن له أن يستقيم علي ساق واحدة قوامها العاملين في عالم الطب البيطري والاحياء فقط فالدعوة موصوله الي سائر البيئيين ويشمل ذلك، ولا يقتصر علي ، الاخوة والاخوات الأساتذة عبد الله ميرغني، وعصام وراق ، ونجم الدين قطبي، وبلقيس العشا، ومحمد يوسف مبروك، وهناء حمد الله، ومعاوية شداد، ، ومحي الدين التهامي طه، وهاجر النصري، وبشري حامد، والتيجاني الاصم، وحنان متوكل، وفاطمة أحمد سمهن، والصادق عبد الله، ودنيا حسن، وغادة، وإخلاص النمر، وإقبال ابراهيم، وزهي محمود، وندي نصر، ونوال العجيمي، وريم طمبل، وآمنة أبو الجوخ ، وخالد الشريف، وعوض عبد الظاهر، وعبد العاطي عبد الخير ، وجابر الانصاري، ومن سواهم.
والدعوة موصولة الي قروب التغير المناخي (COP 25) بعضويته النشطة من اللائي لم يرد ذكرهم باعلاه، وهذه دعوة مرسلة الي الاخوة والاخوات من أبناء جيل قروب الثمانينات بجامعة الخرطوم خاصة خريجي الكليات العلمية ذات الصلة. ولا يفوتنا مخاطبة جيل الشباب الناشط في مجال البيئة والتغير المناخي من امثال نسرين الصايم ، ومنارة أسد ، ومحمد صالح، والدكتور بكري . والدعوة ممتدة كذلك الي من هم علي اعتاب التخرج في كلية الجغرافية وعلوم البيئة بجامعة الخرطوم وما سواها من المؤسسات التعليمية المتخصصة في المجال، ، ونستحث هنا الإبناء أسامة فتح الرحمن القاضي وزملائه الاماجد محمد نور عبد الباقي دفع الله، ورحمة أسامة ، ورضوة صديق الترابي، ورنا أحمد ، وبقية زملائهم في جامعة الخرطوم. ولا ننسي الاشارة الي دور التربويين وواضعي المناهج التعليمية في مختلف المراحل الدراسية في صناعة وعي متجدد للاجيال الناشئة في هذه المجالات الحيوية.
ونحن إذ نخاطب الشخصيات المشار اليها في سائر المجالات نناشدهم بأن ينخرطوا جميعاً في إطار حملة قومية مستدامة تستهدف الاعتناء بملف الرفق بالحيوان واثراء التنوع الحيوي وصيانة البيئة ودرء آثار التغير المناخي وتحقيق التنمية المستدامة ، وفي هذا فليعذرنا من سقط اسمه سهواً أو ورد اسمه منقوصاً ذلك أنه يتعذر علينا أن نوفي مختلف الشخصيات العاملة في هذا المجال الحيوي، من مختلف الاجيال والتخصصات، حظها اللائق من الذكر في هذا الحيز الضيق .
وينبغي الاشارة في هذا السياق ، ونحن نستحث خطي الجميع للانخراط في ركب الحملة القومية المشار اليها باعلاه، بأن آي الذكر الحكيم حفلت بالكثير من الآيات التي تتحدث عن الحيوان وتصف سلوكه مما يتسق مع ما بلغته البشرية من معارف يتم تضمينها فيما اصطلح علي تسميته بعلم سلوك الحييوان (ANIMAL HUSBANDRY)، الذي يدرس في عصرنا الحالي في كليات البيطرة والعلوم. ويتحدث القران الكريم باستضافة عن عالم الحيوان حيث وردت العديد من السور الكريمة وهي تحمل أسماء الخلائق والكائنات الحية كالنمل والنحل، فضلاً عن ذكر بقية الحيوانات كالخيل والبغال والحمير والانعام والحوت مروراً بالطيور والاسماك والضفادع مما يصلح مادة للتدبر في امر الخلائق التي سخرها الله لمصلحتنا وأنعم بها علينا عسانا نحسن الشكر علي أفضال الله ونعمائه التي لا تحصي بيد أن قليل من عباد الله الشكور.
ثم أن الحديث حول الحيوان لم يقتصر علي القرآن الكريم لوحده وإنما ورد في العديد من الاحاديث النبوية التي تحض علي الرفق بالحيوان والاعتناء به ، ويحضرنا هنا بعض الاحاديث التي وردت في هذا الشان:
عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «عُذِّبت امرأة في هِرَّة سَجَنَتْها حتى ماتت، فدخلت فيها النار، لا هي أطعمتها ولا سَقتها، إذ حبستها.
وعَنْ أبي هريرة  أنَّ رَسُول اللَّه ﷺ قَالَ: بَيْنمَا رَجُلٌ يَمْشِي بطَريقٍ اشْتَدَّ علَيْهِ الْعَطشُ، فَوجد بِئراً فَنزَلَ فِيهَا فَشَربَ، ثُمَّ خَرَجَ فإِذا كلْبٌ يلهثُ يَأْكُلُ الثَّرَى مِنَ الْعَطَشِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بلَغَ هَذَا الْكَلْبُ مِنَ العطشِ مِثْلَ الَّذِي كَانَ قَدْ بَلَغَ مِنِّي، فَنَزَلَ الْبِئْرَ فَملأَ خُفَّه مَاءً ثُمَّ أَمْسَكَه بِفيهِ، حتَّى رقِيَ فَسَقَى الْكَلْبَ، فَشَكَرَ اللَّهُ لَه فَغَفَرَ لَه. قَالُوا: يَا رسولَ اللَّه إِنَّ لَنَا في الْبَهَائِم أَجْراً؟ فَقَالَ: "في كُلِّ كَبِدٍ رَطْبةٍ أَجْرٌ متفقٌ عليه. وفي رواية للبخاري: فَشَكَر اللَّه لهُ فَغَفَرَ لَه، فَأدْخَلَه الْجنَّةَ.
والحال كذلك فما بالنا لا نطمع في دخول الجنة أو إتقاء النار عبر إطعام كلب أو إخلاء سبيل قطة لتأكل من خشاش الأرض وهذه هي الدروس المستخلصة التي يمكن الخروج من هذا الحديث الشريف ؟؟!!.
ونحن نتحدث عن أهمية الرفق بالحيوان والرافة به واحسان معاملته فلا بد لنا أن نستدعي تجربة الشعب التركي في هذا المجال باعتبارها تجربة فريدة قمينة بالشكر والاشادة ، وهنا نجد لزاماً علينا تسجيل شهادة مفادها بأنه يندر أن يصادف المرء هذا القدر من الاهتمام المتعاظم بالحيوان في سائر الشعوب الاسلامية اكثر من الشعب التركي. وقد اتاحت لي زيارة تركيا فرصة الوقوف علي تجربة الشعب التركي في الرفق بالحيوان والاعتناء بصحته ، ومن ثم فهذه دعوة صادقة لاقتباس التجربة التركية في الرفق بالحيوان.
وكل من اتيحت له الفرصة لزيارة تركيا والتجوال في طرقاتها يمكنه ان يلحظ بوضوح أعداداً ليست بالقليلة من الكلاب والقطط وهي تمرح بسلام في اتم عافية بحيث لا يجرؤ أحد علي التعرض لها أو يمسها بسوء فهي مرعية بالعناية بحكم الذوق العام ومحمية من الاذي بحكم القانون. وليس غريبا علي الجائل في حدائق استنبول ومتنزهاتها الجميلة أن يصادف بعض المواقع التي تم تخصيصها من قبل سلطات البلدية لايواء القطط والكلاب التي لا تجد لها مأوي حيث تنعم هذه الحيوانات بالوان الطعام والشراب الذي يحمله أهالي استنبول لمواقع سكن الحيوانات مع حرصهم علي اطعام القطط والكلاب بانفسهم للتاكد من ان الحيوانات قد تناولت وجبتها قبل ان ينصرفوا قافليم الي منازلهم، وكانما يتعهدون طفلاً بالعناية ؟؟.
وجدير بالذكر ان الكلاب والقطط في ذلك البلد الاسلامي الشقيق تتلقي رعاية خاصة في أوقات الشدة فما أن تشتد برودة الجو حتي يفتح أصحاب المحال التجارية ابوابهم لايواء الحيوانات التي تتخذ من هذه الامكنة التي تنعم بالتدفئة ملاذاً آمناً من البرد في عز الشتاء. ومن جملة الامور المعروفة التي تحفل بها الاخبار في تركيا قيام الجيش التركي بنفسه بعمليات اسقاط جوي لبعض المواد الغذائية علي سفوح الجبال في عز الشتاء حتي تنعم الدواب والطيور بشيئ من طعام تقتات به في ظروف مناخية بالغة القسوة.
في هذا السياق لا بد من الاشارة الي بعض ما ورد في حقبة العصر الجاهلي من مكارم الاخلاق وفق سيرة بن هشام والعصر الجاهلي ليس كله شر محض والا لما قال الرسول (ص) لقد جئت لأتمم مكارم الاخلاق ، حيث يذكر صديقنا الدكتور عادل عثمان نقلاً عن سيرة بن هشام بأن (عبد المطلب) جد الرسول محمد (ص) كان يقوم بنثر الطعام فوق سفوح جبال مكة وسهولها حتي تجد الدواب والطيور حظها من الطعام.
وهنا لا بد لي من انتهاز هذه السانحة لازجاء تحية خاصة للاخ الصديق الدكتور عادل عثمان الاحمر (عديلي) وأسرته الكريمة التي تتشاطر معنا الاقامة بصفة مؤقتة في اطراف الخرطوم الجنوبية الي حين انفراج الاوضاع الامنية ، ذلك أننا اضطررنا لمغادرة سكننا في الخرطوم بحري نسبة لقربه من مواقع الاشتباك، وهكذا اتاحت لنا الظروف التي التأم فيها شمل العديد من الاسر الممتدة فرصة مؤانسة عادل الأحمر الذي يعود له الفضل في تزويدنا ببعض ما ورد في هذا المقال من وقائع وأفكار مما يستلزم التنويه.
ومن عجائب التجربة التركية التي تدل علي التزام صارم بقانون الرفق بالحيوان ما قصه علي أحد الشباب من الاخوة السودانيين فقد حكي لي قصة واقعية اختبرها بنفسه يقول فيها بانه تعرض لكلب بالضرب في الطريق العام فما هي الا لحظات حتي وجد نفسه محاطاً بمجموعة من الاتراك تصادف مرورهم في تلك اللحظات ليوجهوا اليه نقداً لاذعاً علي فعلته تلك، وقد اصروا علي اقتياده الي مركز الشرطة لولا التوسلات التي بذلها وتعهده بعدم تكرار هذه الفعلة مرة أخري مما جعل الاتراك يخلوا سبيله في نهاية المطاف.
ونحن نستحضر هذه الوقائع الجديرة بالاحتفاء يحق لنا أن نتساءل حول موضع فضيلة الرفق بالحيوان في صلب القوانين الجنائية السودانية ، والسؤال قائم فيما إذا كانت هذه القوانين منصوص عليها في الاساس ؟؟، واذا كانت موجودة بالفعل فهل يجري العمل بها في حياتنا المعاشة ؟؟، ذلك اننا لم نسمع يوما بانه قد تم اقتياد مواطن سوداني للمثول امام القانون، أو أنه تم ايقاع عقوبة ما علي شخص بعينه ثبت في حقة اقتراف جرم مشهود يتعلق بانتهاك حقوق الحيوانات والاساءة اليها !!.
ورب قائل علي سبيل التهكم أو الاستغراب : لم يجهد الكاتب نفسه ، شخصنا المتواضع في هذه الحالة، باعداد مقال يسهب فيه بالحديث عن الحيوانات ويحض علي الرفق بها وإحسان معاملتها بينما يعاني الشعب السوداني قاطبة من أهوال جسام لم يألفها من قبل ولا قبل له بها مستهدفة أرواح الناس وممتلكاتهم لا بل وجودهم بالكامل، ومع ذلك يطنب البعض بالحديث عن الحيوان ؟؟!!.
وفي سياق الاجابة علي هذا التساؤل نقول _ الي جانب ما تقدم ذكره من شواهد واستدلالات مقتبسة من آي الذكر الحكيم والاحاديث النبوية الشريفة _ بأن للحيوان حقوقاً واجبة التقدير والاحترام في عرف الشرائع السماوية وفي مقدمتها شريعة الاسلام ، ويترتب علي الاخلال بهذه الشرائع والتعاليم الدخول الي النار والعياذ بالله كما جاء في الحديث الشريف ، فضلاً عن أن احترام هذه الحقوق وصيانتها من شأنه أن يفضي بالمرء الي الجنة باذن الله وفق نص الحديث.
وإذا كانت البشرية قد أفلحت في تطوير معاهدات تدعو الي مناهضة التعذيب علي اعتاب القرن العشرين وضمنتها في الشرعة الدولية لحقوق الانسان وفي مقدمتها اتفاقية مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللا إنسانية أو المهينة :
Convention Against Torture and Other Cruel, Inhuman or Degrading Treatment or Punishmen
فإن الشواهد والاشارات الواردة في القران الكريم والسنة النبوية المطهرة تحمل من المعاني والمضامين والتوجيهات ما يجعل منها منظومة متكاملة للرفق بالانسان والحيوان من حيث اكرامهما واحسان معاملتهما تحقيقا لمبدأ الكرامة الانسانية التي تحذر من توجيه الاهانة للاخرين باعتبارها نوعا من اللؤم..
ويمضي العلامة التونسي بن عاشور في تبيان دلالة قول الله تعالى {وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ مَا فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} [الْأَنْعَام: 38]، قائلاً: من طبيعة المماثلة بين الإنسان والدواب، والتنبيه على الرفق بالحيوان “والمماثلة في قوله (أَمْثالُكُمْ): التشابه في فصول الخاصات التي تميز كل نوع من غيره، وهي النظم الفطرية التي فطر الله عليها المخلوقات. “وفي الآية تنبيه للمسلمين على الرفق بالحيوان، فإن الإخبار بأنها أمم أمثالنا تنبيه على المشاركة في صفات الحيوانية كلها. (ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ) إلقاء للحذر من الاعتداء عليها بما نهى الشرع عنه من تعذيبها، وإذا كان يقتص لبعضها من بعض وهي غير مكلفة، فالاقتصاص من الإنسان لها أولى بالعدل.
وفي شأن النهي عن تعذيب الكائنات الحية جاء في الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي (ص) قال (نزل نبي من الانبياء تحت شجرة فلدغته نملة ، فأمر بجهازه فاخرج من تحتها ثم أمر ببيتها فأحرق بالنار فأوحي الله اليه فهلا نملة واحدة ). أي فهلا عاقبت نملة واحدة لانها الجانية اما غيرها فليس له جناية.
ونحن نستحضر أزمة الحيوانات الجائعة نخلص الي أن مظاهر الرفق بالحيوان في الإسلام تتمثل فيما يلي :
1) عدم تحميل الحيوانات ما لا تطيق.
2) عدم ضرب أو ايذاء الحيوانات.
3) النهي عن جعل الحيوانات هدفاً يرمي بالحجارة او استهدافها بالحراب او السهام كما يجري فيما يسمي برياضة مصارعة الثيران.
4) معالجة الحيوانات عند المرض أو الاصابة.
5) الاحسان الي الحيوان عند الذبح او القتل اذا ما اقتضت الضرورة.
وجدير بالتأكيد هنا أن الاشارة لهذه الشواهد من القران والسنة والاستدلال باقول العلماء لا يجئ من باب الوعظ او التزيد وانما يرد من باب التذكير والذكري تنفع الممؤمنين فالمرء السوي لا يملك الا ان يستشعر الالم البالغ وهو يري كلباً يرجم بالحجارة او قطة تزهق روحها أو حماراً يحمل فوق طاقته وهو يئن من وطأة الاثقال وعيرها من صنوف التعذيب التي لا يصح ان يقترفها انسان.ونسال الله أن يتلطف بنا جميعاً، ويرفق بنا أناسي وحيوانات يوم الحشر الاكبر ، ويشملنا بحسن رعايته وجزيل غفرانه...آمين...آمين...آمين،،،
الخرطوم في 9 مايو 2023 م
/////////////////////////////

 

آراء