دكتور محمد عبدالله
ليست كل الصور صالحة لأن تُعلّق على الجدران. بعضها يُلتقط ليبقى عالقاً في ذاكرة البشر، لا بوصفه صورة لشخص، بل بوصفه مرآة لعصر كامل. وفي عام 1863، بينما كانت الولايات المتحدة تمضي نحو أكثر حروبها الداخلية دموية، ظهرت صورة لرجل أسود مستعبد يدعى ويلسون تشين، صورة بدت كأنها تكشف الوجه الذي حاولت أمريكا طويلاً إخفاءه خلف شعارات الحرية والمساواة.
كان ويلسون تشين يقف أمام العدسة بصمت ثقيل. حول ساقيه قيود حديدية، وفي عنقه طوق معدني قاس ، أما جبهته فكانت تحمل أثر الكي بالنار، علامة حُفرت لتقول إن هذا الإنسان مِلك لغيره. لم تكن الصورة مجرد توثيق لعقوبة، بل شهادة دامغة على فكرة العبودية نفسها؛ الفكرة التي حوّلت الإنسان إلى متاع قابل للبيع والشراء.
غالباً ما يُروى تاريخ الرق في أمريكا بالأرقام: ملايين اقتُلعوا من أفريقيا، ومزارع شاسعة امتدت في الجنوب، وعقود طويلة من القوانين العنصرية. غير أن الأرقام، مهما بلغت دقتها، تبقى عاجزة عن نقل الفزع الحقيقي. فصورة رجل واحد قد تقول ما تعجز عنه كتب كاملة، لأن الألم حين يصبح مرئياً يفقد الناس قدرتهم على تجاهله.
كان اقتصاد الجنوب الأمريكي قائماً على عمل المستعبدين في حقول القطن وقصب السكر، لكن الأمر لم يكن اقتصادياً فقط. فقد نشأ نظام كامل يقوم على الإذلال الممنهج، لا لإجبار الإنسان على العمل فحسب، بل لتحطيم شعوره بكرامته. ولهذا أصبحت أدوات العقاب جزءاً من المشهد اليومي: السياط، والسلاسل، والأطواق الحديدية، والوسم بالنار. لم تكن تلك الوسائل مجرد عقوبات فردية، بل تعبيراً عن ثقافة ترى في العنف ضرورة لحماية النظام القائم.
المفارقة أن صورة ويلسون تشين، التي خرجت من قلب ذلك العالم القاسي، تحولت لاحقاً إلى دليل إدانة له. فقد انتشرت في صحف الشمال الأمريكي، وشاهدها أناس لم يروا العبودية عن قرب من قبل. وعندها لم تعد القضية مجرد نزاع سياسي بين ولايات متحاربة، بل أصبحت سؤالاً أخلاقياً مباشراً : كيف يمكن لأمة تتحدث باسم الحرية أن تسمح بهذا القدر من الإهانة المنظمة للإنسان؟
لقد امتلكت الصورة قوة لم تكن للخطب أو المقالات. فالكلمات يمكن تأويلها أو إنكارها، أما الصورة فتضع الحقيقة عارية أمام العين. ولهذا ظل وجه ويلسون تشين حاضراً في الذاكرة الأمريكية، لا باعتباره استثناءاً ، بل باعتباره صورة مكثفة لملايين البشر الذين عاشوا العبودية وماتوا بعيداً عن العدسات.
واليوم، بعد أكثر من قرن ونصف، لا تزال تلك الصورة تُستعاد كلما عاد النقاش حول العنصرية والتمييز وحقوق الإنسان. ليس لأنها تنتمي إلى الماضي وحده، بل لأنها تذكير دائم بما يمكن أن يفعله البشر حين يُختزل الإنسان إلى لون أو ملكية أو رقم. لقد أراد جلادوا ذلك الزمن أن يوثقوا سلطتهم على جسد رجل مستعبد، لكن الزمن فعل شيئاً آخر تمامًا: تركهم في ظلال النسيان، وأبقى ويلسون تشين شاهداً صامتًا على عصر حاول أن يسحق الإنسان، فانكشف أمام التاريخ.
muhammedbabiker@aol.co.uk
