و…..”طَيِّبٌ” نادرٌ على طريقته

منى عبد الفتاح
moaney15@yahoo.com
قبل أيام تناهت إلى مسامعي همهمة تُنذر ، أما من أحد يخبرنا إلى أين نسير في هذا الأتون الموحش بلا هادٍ، وقد خفت نور عظمائنا واحداً بعد الآخر.لم أقو على النظر نحو مصدر الهمهمة حتى تجلت أمامي صورة “الطيّب” مشتملاً في جلسته في ذلك اللقاء اليتيم الذي أجراه معه تلفزيون جمهورية السودان عام 2005م وخرطومه عاصمة للثقافة العربية ، ذات الخرطوم التي تترك مثل الطيب صالح ساعياً في رحلة استشفائه ما بين الإمارات وبريطانيا بينما تحتفي هي “بديانا كروزان” في فنادقها الفخمة.
 ربما كان تجلي الطيب صالح  أكبر ممن يحيطون به ،الصائحون بصوتهم المتهدج يسألونه عن البقاء  وعدم اللحاق بمن سبقوه إلى بوابات الضفة الأخرى ، بينما يرشحونه بعد فوات الأوان لجائزة نوبل بعد احتفاء العرب والعجم به وتكريمه شرقاً وغرباً ولا جائزة سودانية واحدة جديرة بذكرها في حضرته. لا شك أنه زمن تساقط القمم ، فَقْدٌ يدير رأس البلد 360 درجة في الفراغ.
 ليت المسألة كانت عن فكرة الحياة والموت ، الفكرة التي شغلت جميع الأمم والحضارات القديمة ، لكان الأمر امتثال بالمحتوم منذ بدء الخليقة  وحتى فناء الدنيا ومن عليها ، ولكنها فينا نحن وفي كيف نميت مبدعينا وهم في أوج نضارتهم وفي أشد حاجتنا إليهم . وليت السبب كان ذلك الحس الرهيف والشعور الإنساني ، تجاه مبدع بعُد دون أن يحيط نفسه بجدران العزلة ودون أن يعتكف وإنما حكى عن بلده بويلاتها وجناتها ، بأبعادها الاجتماعية والسياسية دون أن يخضب يديه بلون النضال  ليلوح بهما حتى يراه الناس ، ودون أن تتلبسه حمى الوطنية ، وإنما كان وطنياً في طبعه وفي هدوئه الجميل. 
 حتى كتابتي الآن تشعرني بالخجل لأنني لم أتمنى أن يجيء يوم وأكتب عن الطيب صالح في فقده العظيم ، وبينما هو موجود عز الوفاء والاعتراف بما حققه من إبداع محلي ووطني وإنساني وعالمي . أحس الآن وكأنني أكتب على شاهدة قبره كان …. وما قد كان.حقّ للأوراق أن ترتجف لأن صوت حاديها قد خبا ، وحق للحبر أن يجف وثورة تعليمنا العليا تواصل في تمنعها ومنعها لروايته من تدريسها بالجامعات، ولو تراجعت الآن عن قراراها فلن يكون وفاءً طازجاً بحجم عطائه وباسمه الذي حين يذكر في أي من أصقاع الدنيا فهو يعني ذلك الشقي “السودان”. حق للطيب الوفاء وهو من كتب عن صديقه “منسيٌ” أجمل وفاء.
 نعم الطيب صالح كان ضمير الأدب المحلي ومرآته نحو العالمية ، ولن يجرؤ أحد أن يتنكر لهذا الضمير من أدباء السودان . وبمحليته تلألأ نجمه عالمياً وصرنا نسمع عنه مع الناس بدلاً من أن نُسمع العالم به .سألتني أم زكي – الطباخة المصرية- وهي تعرض مقدراتها الخاصة في صنع الطعام الشهي سؤالاً مباشراً كان عبارة عن دعاية لما تجيده:”تعرفي الطيب صالح؟ كان يسكن هذه الشقة اللي فوقك .” أخبرتني أنه كان يحب الملوخية. ووعدتني بطبخة ملوكية لم تتح لي قصر إقامتي في القاهرة أن أتذوق ما كان يحبه الطيّب ، ولو فعلت لعرفت ما كان يخبئه من أسرار حتى في طعامه .
 موسم الهجرة إلى الشمال، أول درب قرأت فيه ، وآخر طريق نعود إليه ، إلى ما بعد فراغ الكتابات وضجيجها . وكل من قابلته قارئاً لها يذكر لي أنه يقرؤها كل ستة أشهر ، حتى تزيل أدراناً علقت بالذوق ، فهي فاعلة في النقل من عالم الغيبوبة الأدبية ، إلى عالم البصيص المؤتلق . هي أمام أعين أدبائنا الحاليين ، وعلى هداها يسيرون اليوم ، متعلقة كتبهم المشتولة بأهداب ثوبها في محاولة أن تقف ولو إلى بعض حين،  تتكشف السر وتقتنص بصيص الحكاية ، إلا أنني أكاد أشك في أن مثل “الموسم” يولد مرتين.
عن صحيفة “الأحداث”


 

عن منى عبد الفتاح

Avatar

شاهد أيضاً

الصحفي أمين حسن عمر وصويحبات يُوسف .. بقلم: منى عبد الفتاح

اترك تعليقاً