تتملك كل عاقل الدهشة كلما يرى سياسياً يمنح التأييد أو الغطاء الأخلاقي لجماعة مسلحة أُتهمت بارتكاب انتهاكات جسيمة بحق المدنيين أو يتغافل عن معاناة الضحايا بينما ينشغل بتبرير أفعال الجناة، عندها يخطر بالبال ذلك القول المنسوب الى ألبرت اينشتاين:
A question that sometimes drives me hazy: Am I or are the others crazy?
سؤال كثيراً ما يوقعنيِ في الحيرة: أنا المجنون أم الآخرون؟
ولم أجد عبارة أبلغ من هذه كلما رأيت من يتسابق الى تبرير أو تأييد جماعة مسلحة، بينما تتوالى التقارير الدولية عن المآسي الإنسانية والانتهاكات الخطيرة التي طالت المدنيين في الفاشر وفي قرى الجزيرة والخرطوم والنيل الأزرق. فكيف يستقيم الضمير مع هذا المشهد؟ ومع ذلك يجد الجنجويد الغطاء السياسي والتأييد الصحفي ممن اغتصبت اخواتهم وشردت عائلاتهم ونهبت أموالهم وكأنما عالم النفس السياسي هارولد لاسويل قد عنى هؤلاء السياسيين في قوله ” ان بعض الفاعلين السياسيين قد يسعون الى السلطة بوصفها وسيلة لتعويض مشاعر النقص أو القلق أو الحاجة الى الاعتراف الاجتماعي. فتصبح المنافسة السياسية امتداداً لصراعات نفسية كامنة أكثر منها وسيلة لخدمة الصالح العام. كما ينظرون الى الاختلاف باعتباره تهديداً وجودياً لا مجرد اختلاف في الرأي، وباعتبار نجاح المنافس هزيمة شخصية يجب منعها بأي ثمن.
فما رأيهم في تقرير المفوضية السامية لحقوق الانسان الذي وثق هذه الانتهاكات المروعة ومما جاء فيه:
إنه استناداً الى المقابلات مع أكثر من 140 ضحية وشاهداً، أجريت في الولاية الشمالية بالسودان وشرق تشاد أواخر عام 2025 وثق المكتب أكثر من 6000 قتيل في الأيام الثلاثة الأولى من هجوم قوات الدعم السريع على المدينة، عاصمة ولاية شمال دارفور، بعد 18 شهراً من الحصار المتواصل.
وفي تقرير المكتب كذلك أن ما لا يقل عن 4400 شخص قتلوا داخل الفاشر خلال تلك الأيام القليلة، وأكثر من 1600 على طرق الخروج أثناء فرارهم، مشيراً الى أن العدد الفعلي للقتلى خلال الهجوم الذي استمر اسبوعاً أعلى بكثير.
وخلص التقرير الذي نشره المكتب الى أن قوات الدعم السريع والمليشيات العربية التابعة لها نفذت هجمات واسعة النطاق، شملت عمليات قتل جماعي واعدامات بإجراءات موجزة وعنف جنسي واختطافات مقابل فدية وتعذيب وسوء معاملة واعتقال واختفاء ونهب واستخدام الأطفال في الأعمال العدائية.
وأضاف أنه في كثير من الحالات استهدفت الهجمات المدنيين والأشخاص العاجزين عن القتال بناء على أصلهم العرقي وانتماءاتهم المزعومة. وأضاف المفوض السامي لحقوق الانسان فولكر تورك أن الحجم غير المسبوق وشدة ووحشية العنف الذي مورس أثناء الهجوم قد فاقم بشكل كبير الانتهاكات المروعة التي كان قد تعرض لها سكان الفاشر بالفعل خلال أشهر الحصار الطويلة، والأعمال العدائية والقصف المستمر. وأشار تورك الى زيارته الأخيرة الى السودان حيث استمع الى شهادات مباشرة من نازحين تظهر كيف استخدم العنف الجنسي بشكل منهجي كسلاح حرب. وأضاف تقرير أممي آخر أنماطاً مروعة من الانتهاكات ارتكبت خلال الهجوم على مخيم زمزم في دارفور. كما وثقت اللجنة الافريقية لحقوق الانسان والشعوب في الاتحاد الافريقي الكثير من الانتهاكات في أجزاء واسعة من السودان.
فمهما بلغت السياسة قسوتها، لا ينبغي أن تفقد بوصلتها الأخلاقية، فالخلافات السياسية يمكن أن تناقش والمواقف ممكن أن تتبدل، أما الاعتداء على المدنيين وسلب حقوقهم وترويعهم فهو أمر لا يجوز أن يتحول الى نظر أو مادة للمساومة.
وحين يبلغ الاستقطاب السياسي حداً يجعل بعض الناس يبررون كل فعل عن الطرف الذي يؤيدونه فإن الخطر لا يقتصر على تشويه الحقيقة، بل يمتد الى تشويه الضمير نفسه. فتصبح المواقف الأخلاقية رهينة للانتماءات. ويغدو المعيار ليس عدالة الفعل أو ظلمه وإنما هوية الفاعل.
إن المجتمعات لا تبنى بتبرير العنف، ولا يستقيم فيها ميزان العدالة إذا اختلف الحكم على الفعل الواحد باختلاف مرتكبيه، فالاعتداء على المدنيين أياً كان مرتكبه أو شعاره أو ادعاؤه، يظل اعتداءً مداناً لا يكتسب شرعية من السياسة ولا من الخطاب الإعلامي.
ولعل أكثر ما يثير الحيرة ليس وجود من يرتكب الانتهاكات، فذلك ما عرفته البشرية في مختلف العصور ومنذ فجر التاريخ، وانما وجود من يسعى الى تجميلها أو تبريرها أو التغاضي عنها، فحين يصبح الواضح موضع جدل والبديهي محل نزاع دعونا نردد مجدداً تساءل أينشتاين، أنا الذي أخطئ في رؤية الأمور أم أن بعض العقول قد غلب عليها الهوى حتى اختلطت لديها الحدود بين الحق والباطل؟ فالمبدأ الذي يتغير بتغير الأشخاص ليس مبدأ وإنما موقف عابر تمليه المصلحة والهوى.
قد يختلف الناس في البرامج السياسية وفي الرؤى والمصالح لكنهم لا ينبغي أن يختلفوا على قتل المدنيين وسلب أموالهم واغتصاب وسبي نسائهم فحين يحدث ذلك فإن القضية لم تعد خلافاً سياسياً بل أصبحت امتحاناً للضمير الإنساني.
إن السياسة التي تعجز عن إدانة الانتهاكات المروعة، التي تهز الضمير الإنساني، ليست سياسة بل هي انحيازاً أعمى يبدل المبادئ بتبدل المواقع. والمواقف التي تدين الجريمة إذا ارتكبها الخصم ثم تلتمس الأعذار إذا ارتكبها الحليف فهذه عقول استبدلت ميزان العدالة بميزان الولاء حتى غدا الدفاع عمن تنسب اليه الانتهاكات فضيلة والتعاطف مع الضحايا تهمة فهذه ليست مواقف مبدئية بل هي عاهات نفسية وعلل مرضية.
إن التاريخ لم يحفظ أسماء من برروا المآسي بل يحفظ أسماء من وقفوا مع الحقيقة ومن جعلوا كرامة الإنسان فوق كل حساب سياسي.
حسين إبراهيم علي جادين
alaaggean@outlook.com
