ghamedalneil@gmail.com
ونحن نقول ( كنا نياما وانتبهنا عندما رحل صالح !!..
الفيلسوف اوجستين قال : ( ملكت العالم عندما لم أشتهي شيئا ولم اخاف أحدا ) !!..
هكذا كان صالح الذي رحل في غرة شهر رجب الخيرات الموافق للحادي والعشرين من شهر ديسمبر للعام ٢٠٢٥ .
لم يكن صالحا يحتاج أن ينافق أحدا أو يتجمل من اجل منفعة يصيبها لانه بخصاله الفريدة ظل في خدمة الآخرين والتفاني في ذلك ولم يكن يوما ينتظر كلمة ثناء أو شكر أو عرفان من الذين يخدمهم لانه ببساطة وكما فهمنا بعد رحيله أن هذا الذي يقوم به كان واجباً عليه ولم يصرح بذلك ابدا ولم يتباهي وقد حباه الله سبحانه وتعالى بنعمة الصمت وحسن الاستماع وكثرة البذل والعمل الدؤوب من غير كلل أو ملل وقلة الكلام الا فيما يفيد أو في ماقل ودل !!..
اعجب كيف ندعي أننا نعرفه وهو بيننا ونحن نخوض في اللت والعجن والسجالات المفضية للطرق المسدودة في دنيا السياسة التي نتعاطاها من غير عقال ودنيا الرياضة التي نضيع أثمن أوقاتنا في سجالاتها الخالية من كل مضمون … وكان صالح يجلس في الرصيف ولا يلحظه أحد وهو يتأمل ويكاد الالم يعتصره وهو يري القطارات الطالعةوالنازلة تحمل في جوفها الآلاف من البشر والكل مشغول بنفسه هم كل منهم أن يحقق مبتغاه ولسان حاله يقول ( ومن بعدي الطوفان لا يهم ) !!..
لم يشاهده أحد في جوف احدي تلك القطارات مسافراً الي هنا او هنالك فكثرة التسفار والاسهاب في الكلام لم يكونا من شؤونه الشخصية ولم تكن له حقيبة يحملها معه عبر المحطات والمطارات وكان يكفيه ( كيس بلاستيك متوسط الحجم ) يحمل عليه قطعة أو بالكثير قطعتين من الملابس ) وهذا كل ما يهتم به من غيار وهو في مشوار لن يطول من أجل أداء واجب لا يتحمل التأخير ولا ينسي أن يكون بالكيس عددا من الصحف والمجلات !!..
لم يكن كثير الظهور وكان الاختفاء عملا ظنه البعض هو نوع من الابتعاد عنهم وما دري هؤلاء المساكين الطيبون أنه يغيب عن المشهد ليؤدي عملا هم تركوه من زمان لأن الدنيا شغلتهم فصاروا في سباق مع الزمن يلهثون ويقتلون أنفسهم لجني الأموال ولو علي حساب صحتهم وحساب تنشئة الأبناء الذين ينتظرون عودتهم فلا يصلوا البيت الي في منتصف الليل ويغادروه في الصباح الباكر اعتقادا منهم أن توفير المال الغزير هو تأمين للأسرة من مصائب الزمان !!…
كان صالح يستثمر وقته ومن غير ضجة أو اعلام في مواصلة ارحامه ويسعدون به ويسعد بهم لأن الزيارة اصلا كانت لواجب ديني عميق غفل عنه معظم الناس واستبدلوا هذا الواجب الذي يبارك في العمر ويوسع من الرزق ويزيد الأهل والعشيرة محبة علي محبة … استبدلوا هذا الرباط المقدس بالموبايلات وما بها من ترهات ودردشات كلها تحمل القيل والقال وتناول اعراض الناس ونشر الرزيلة والفجور والأحاديث الممجوجة وكل هذا يتم مع سبق الاصرار والترصد وقد خرج الحياء ولم يعد ومعظم هذه الحرب اللعينة العبثية المنسية احد أسلحتها الفتاكة ليس المسيرات ولا الدانات والصواريخ بل غرف الإعلام لهذا الطرف أو ذاك وكل فريق يجعل نفسه من القديسيين ويشيطن الطرف الآخر والكل حائر من نصدق والي متي هذا القتل والدمار الذي ليس له من سبب غير الجشع وحب الدنيا والطمع والعنصرية والقبلية وعدم احترام الآخر والاستعلاء الذي يمارسه الطرف القوي علي الضعفاء وغياب الحرية وكلمة الحق والعدل الذي ينبغي أن يطبق علي الجميع.
صالح عاش بينكم زمانا مثل الطيف والنسمة الرقيقة وكان يلفت انظاركم بحياته البسيطة الخالية من أي نوع من الزهو والخيلاء … وقد انتبهتم جميعا عند رحيله ومنذ للوهلة الاولى جاءكم شريط حياته التي قضاها بينكم وهو يحنو عليكم ويخدمكم بكل حب وكرامة ولسان حاله يقول ( لا اريد منكم شيئا !!..
كم لفت نظركم بلسان الحال وليس بلسان المقال طالبا منكم مواصلة الارحام وعدم التشبس بهذه الدنيا الفانية وكونوا صبورين مثل الجبال الراسيات ومثل الجمال وتحملوا مشقة الحياة بجلد وصبر وعدم الشكوي لأن الشكوي لغير الله سبحانه وتعالى مذلة … كونوا مساكين مهما كانت لكم القناطير المقنطرة من الذهب والفضة واعلموا أن هذا المال هو مال الله سبحانه وتعالى وانتم مستخلفون فيه !!..
فهمنا الرسالة أخانا صالح بعد رحيلك أن هذه الحرب اللعينة العبثية المنسية لن تتوقف إلا إذا وصلنا ارحامنا ورمينا بالجشع وراء ظهورنا وان نترك التعالي وحب الذات وأن يقوم كل فرد منا بواجبه من الوزير الي الغفير بكل سماحة نفس وطهارة قلب وإياكم من الرشوة والاختلاس والفساد ما ظهر منه وما بطن والتنافس غير الشريف فالرزق إن شاء الله مقسوم عند الله سبحانه وتعالى ولن تموت نفس إلا إذا استوفت رزقها … فلماذا هذا الخوف والجذع وظلم الناس !!..
اخونا صالح غفر الله سبحانه وتعالى له وجعل قبره روضة من رياض الجنة .
و ( إنا لله و إنا إليه راجعون ) .
وصلي اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى اله وصحبه اجمعين .
حمد النيل فضل المولي عبد الرحمن قرشي .
معلم مخضرم . المسلمية ودنوة وبيت المال ام درمان.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم