محمد صالح عبدالله يس
هو من أسرة عرفت منذ عقودٍ طويلة بالعلم والتعلّم فكان بيتها منارة للمعرفة ودوحةً للثقافة والأدب ومنتدي معقود لواؤه علي مدار اليوم فقد خرج من هذه الأسرة شعراء مجيدون، ولغويون وفقهاء تركوا بصماتهم في ميادين الفكر والفقه والسياسة كما كان لأبنائها حضور فاعل في الحياة العامة وفي فضاءات الثقافة والسياسة السودانية مساهمين في تشكيل الوعي الوطني والاجتماعي في دارفور والسودان وقد وضعت هذه الأسرة لبناتٍ عظيمة في مسيرة مدينة الفاشر وأهل دارفور فارتبط اسمها بالعطاء وبخدمة المجتمع وبنشر قيم العلم والتنوير والاستنارة ويسعدنا اليوم أن نلتقي بعميد مدينة الفاشر وأحد أبنائها الذين أسهموا في نهضتها الثقافية والاجتماعية، فكان شاهدا على مراحل مهمة من تاريخها ومشاركا في صناعة نهضتها الحديثة وعلى امتداد أكثر من سبعة عقود ظل هذا الرجل حاضرا في المشهد السياسي السوداني حضورا استثنائيا قل أن يتكرر عبر أزمنة متباينة وأنظمة متعاقبة وتمحولات عاصفة بقي اسم العميد يوسف محمد نور جزءا من الذاكرة السياسية والثقافية الوطنية لمدينةالفاشرز فخاض غمار السياسة بكل ما فيها من تعقيدات وسار في أوحالها وأطيانها دون أن يغادر ساحة الفعل العام وكان يملك ناصية اللغة العربية فهو قس ساعدها وامير بيانها وسيد فحولها فهو امير عكاظها وزياد بن ابيها وفارس كندتها الذي وقف يناجي محبوبته في ( خبائها ) بسقط اللوي بين الدخول فحومل تحدثت اليه فكان فصيحا يتكلم بلسان قريش الذرب وضادها القديم ينثر بين ثنايا حديثة اجود وانضر ما انتجته لسان العرب ويومها ادركت لماذا اصبح عالم عباس شاعرا ملأ الدنيا وانشغل الناس بشعره واحتفوا معه برائعته سوميت بنات درجيل وهي تزغرد لخيول المهدي وهي تعبر النيل الابيض في طريقها لقصر غردون
العميد يوسف جلس علي ركبتيه في ندوة العقاد بالقاهرة وناقش الزياد وطه حسين ونجيب محفوظ وزاحم بكتفيه عمالقة الادب والثقافة بالازهر الشريف الذي جاءه طالبا في اوائل خمسينات القرن الماضي مع ثلة من ابناء دارفور وكان العميد يحتفظ بذاكرة عميقة فهو رجل ذو قلب عقول ولسان قؤول تتنزل من ذاكرته الاحداث كما يتنزل المزن الهطول علي الارض الجرز فتحيي العصف الماكول فعندما يطلق العنان لذاكرته تتكني الا يسكت فكثيرون هم الذين بلغو سن المائة لكنهم فقدوا ذاكرتهم واختلطت لديهم الاحداث وتداخلت ولكن العميد والان قارب المئة عام لا تنقصه منها سوي العامين لكنه يستحضر الاحداث ويفككها امامك كانها شريط سينمائي فقد تبقي من جيله القليل منهم البروفيسور علي شمو متعه الله بالصحة والعافية والعميد يشبه علي شمو في كثير من صفاته ولكن القاسم المشترك الاعظم بينهم هو حبهم للفنانة ام كلثوم وفريد الاطرش
عارض العميد يوسف الحكومات حين اقتضى الموقف المعارضة وصالح حين رأى في المصالحة مصلحة للوطن وائتلف مع القوى السياسية حين جمعتها القضايا الكبرى واختلف معها حين تباينت الرؤى والاتجاهات عرف دروب السلطة كما عرف مقاعد المعارضة وعاشر الأحزاب بمختلف ألوانها الفكرية فاقترب منها حينا وابتعد عنها حينا آخر لكنه ظلّ في جميع الأحوال فاعلا لا متفرجا ومشاركا لا شاهدا من بعيد.

لقد شهد هذا الرجل ميلاد أجيال سياسية ورحيل أخرى وعايش بين محطات مفصلية صنعت تاريخ السودان الحديث حتى غدا جزءا من ذلك التاريخ نفسه. وبين نجاحات وإخفاقات، وانتصارات وانتكاسات بقي حضوره ممتدا في الفضاء السياسي السوداني كأحد الوجوه التي لا يمكن قراءة تاريخ البلاد السياسي المعاصر دون التوقف عند تجربته وتأملات مسيرته ومنجزه الانساني ومن العسير أن يختزل عمر سياسي امتد لأكثر من تسعون عاما في كلمات قليلة ويصعب علي المرء ان يتحدث ويروي عن سيرة رجل ظل حاضر وفاعلا في ذاكرة المكان شاهدة على الفصول المتعاقبة والعواصف العابرة ومواسم الخصب السياسي والجفاف فقد عبر العميد أزمنة متباعدة وتقلب بين عهود وأنظمة وحكومات حتى أصبح جزءا من نسيج الحكاية السودانية نفسها وواحدا من وجوهها التي استعصت على الغياب
خاض السياسة كما يخوض البحارة المتمرسون لجج البحر عارفا بأمواجه العاتية وسكونه الخادع وطئت قدماه أوحالها وأطيانها ولامست يداه جمرها ورمادها، فلم يكن يوما من أهل المقاعد الوثيرة أو المتفرجين من وراء الستار بل كان فاعلا في صناعة الأحداث
كنا ونحن صغار في امكدادة شهدنا لاول مرة الشوارع المضاءة وعرفنا يوها ان العميد يوسف كان هو المشرف السياسي لمدينة امكدادة وهو الذي ادخل الكهرباء فيها كان ذلك في منتصف سبعينات القرن الماضي ابتهجت المدينة في تلك الامسية من شهر يناير احتفلت المدينة في تلك الايام بافتتاح استاد امكدادة الرياضي والذي مازال شامخا رغم التحولات ورجوع الزمن القهقري لكن انجازات العميد ظلت واقفة وحاضرة وحتي يوم الناس هذا تقف اعمدة الشوارع شامخة تتحدي الزمن ومازالت مواسير المياه موجودة داخل المنازل وانغام عبدالعزيز محمد داؤود وعلي ابراهيم ومحمد ميرغني تتردد صداها في اذان ذلك الجيل العتيد
لقدعاصر العميد أجيالا تصعد إلى المسرح السياسي بعضها بمشروعية وبعضها بغير ذلك وراي أحزابا تولد وأخرى تذبل وشهد انقلابات وانتفاضات ومصالحات وتحولات كبرى حتى غدا هو نفسه شاهدا ومشهودا عليه في آن واحد وحين كان كثيرون يغادرون الساحة طوعا أو كرها
قبل ان اختم هذه التقدمة لابد لي ان اشكر الاستاذ محمد النجيب عبدالله حسن استاذ الرياضيات بن جامعة الخرطوم والذي يعود الفضل له ان جمعني بالعميد يوسف الصندوق الاسود للذاكرة السودانية الان يانجيب فقط ايقنت ان الرياضيات لا تصنع المعادلات وتعني بحساب الزمن والتاريخ فالرياضيات حركة الحياة بلغة الأرقا فيصنع للمكان ذاكرة رياضية تحفظ أبعاده وتحولاته عبر الزمن فالرياضيات ليست علوم حسابية فحسب بل أداة للتدوين والتوثيق إذ تُسجَّل بها التواريخ والمسافات والإحصاءات، لتتحول الوقائع والأماكن إلى معرفة دقيقة قابلة للحفظ والاسترجاع وحفظها وربط حلقاتها المبعثرة وساواصل مع العميد ونشر افاداته في حلقات صوتية ومكتوبة علها تزيد ايامنا جمالا وفخامة
ms.yaseen5@gmail.com
