أبيي تغرق في خضم المزايدات السياسية .. بقلم: أ.د.الطيب زين العابدين
يبدو أننا مقبلون على أسوأ السيناريوهات في ما يتعلق بمشكلة أبيي المعقدة أصلاً، ويأبى السياسيون في الحركة الشعبية والمؤتمر الوطني إلا أن يزيدوا النار اشتعالاً بمزايدات فارغة غير قابلة للتنفيذ في ظل الوضع على الأرض، وفي ظل الاتفاقيات المعقودة بين المؤتمر والحركة والتحكيم الدولي حول القضية والشهود الدوليين. وبدأت المزايدة من قبل الحركة الشعبية حين نصَّت في مسودة دستور جنوب السودان على أن حدود جمهورية جنوب السودان تضم بجانب الاستوائية وبحر الغزال وأعالي النيل «منطقة أبيي بحدود مشيخات دينكا نقوك التسع التي تم نقلها من بحر الغزال إلى كردفان في عام 1905م، كما عرفها قرار لجنة التحكيم الدولية في يوليو 2009م». والحركة تعلم أن ضم المنطقة إلى الشمال أو الجنوب حسب اتفاقية السلام الشامل يخضع إلى استفتاء أهل المنطقة «الدينكا والسودانيون الآخرون المقيمين فيها»، ورغم الحقيقة السياسية التي تقول إن غالبية الدينكا في المنطقة يريدون الانضمام إلى الجنوب، وأن النزاع أساساً يتعلق بهم وبمنطقتهم التي تحولوا منها في 1905م، إلا أن حل القضية لا يمكن أن يفرض بقرار آحادي من حكومة الجنوب التي حاولت من قبل إغراء حكومة السودان بضم المنطقة إلى الجنوب مقابل دعم اقتصادي مقدر فلم تفلح، وحاولت فرض حل عسكري على الأرض فلم تنجح، وعليه فإن تضمين النص السابق في دستور الجنوب لا يخلو من استفزاز لحكومة الشمال. والسبب ليس تعنت الحكومة أو تراجعها عن مواثيقها، ولكن لأن هناك مشكلة حقيقية لا تريد الحركة الشعبية الاعتراف بها أو تقديم حل لها، وهي حقوق قبائل المسيرية التي تقطن المنطقة منذ عقود طويلة، وتريد الحركة حرمانهم من حق المواطنة فيها بحجة أنهم رحل لا يقيمون بها طيلة أيام السنة. وعلى كل فإن تضمين منطقة أبيي في مشروع دستور الجنوب لا يستحق الزوبعة التي أثارها رئيس المؤتمر الوطني في مخاطبة أهالي المجلد يوم الأربعاء الماضي «27/4»، لأنها زادت المشهد توتراً. وقد جاءت المخاطبة في سياق دعم مرشحي المؤتمر الوطني في انتخابات والي ومجلس تشريعي جنوب كردفان، والسياسيون عادة ما يفتحون معيار الخطابة الساخنة حتى نهايته بالوعود والتهديد والهجوم على الآخر في المواسم الانتخابية، خاصة إذا اشتدت فيها المنافسة وكانت الساحة في حساسية جنوب كردفان، وينسون ما قالوه بنهاية المباراة الانتخابية! ولكن الخلط جاء أن مزايدات الوطني وردت على لسان رئيس الحزب الذي هو نفسه رئيس الجمهورية، وما ورد على لسانه لا يليق بمسؤولية رئيس الجمهورية تجاه كل مواطنيه ولا تجاه المجتمع الدولي الذي يمثل بلاده أمامه. ولا عجب أن جاء أول رد فعل لخطاب الرئيس في اليوم الثاني من وكيل وزارة الخارجية الأمريكية جوني كارسون الذي قال إن «هذه التعليقات لا تساعد على الإطلاق ولن تؤدي سوى لإذكاء وتصعيد التوترات». وهذه لغة دبلوماسية مهذبة لكن «المقصود» أكثر من ذلك! ولا يملك المرء إلا أن يتفق مع هذا النقد «الموزون» مهما كان حسن ظنه بالبشير وسوء ظنه بالإدارة الأمريكية. وعندما يصدر القول الشاطح من رئيس الحزب لا تملك كل قيادات الوطني إلا الصمت المطبق أو التبرير الخجول! ماذا نأخذ على قول الرئيس؟
لا توجد تعليقات
