أثر حرب الرسوم الجمركية على البيئة

فِكْرٌ وَتفْكُرُ
د. عمر محجوب محمد الحسين
أشعلت الحرب التجارية التي بدأها الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وخاصة من خلال فرض رسوم جمركية واسعة النطاق على عدد من الدول، موجة اضطرابات في الاقتصاد العالمي. فقد تضررت الأسواق المالية، واهتزّت ثقة المستهلك الأميركي، وتأثرت حركة الموانئ وسلاسل الإمداد، وارتبكت سياسات البنوك المركزية في محاولاتها لاحتواء التضخم.
تراجعت شحنات الحاويات في الولايات المتحدة بنسبة 43% في أواخر أبريل، ما أدى إلى فائض في خدمات النقل واللوجستيات، وهدّد آلاف الوظائف في قطاعات الشاحنات، والسكك الحديدية، والموانئ. وقد ارتفع متوسط معدل التعريفة الجمركية الفعلي إلى 28%، وهو الأعلى منذ عام 1901، مما أدى إلى ارتفاع أسعار المستهلك بنسبة 3%، وانخفاض استثمارات الشركات بنسبة 4.4% في عام 2025، وهو ما قد تكون له آثار سلبية عميقة على الصناعات الأميركية.
هذه الفوضى الاقتصادية لم تقف عند حدود الأسواق والمؤسسات الصناعية، بل امتدت آثارها إلى البيئة، من خلال عرقلة مشاريع الطاقة النظيفة وزيادة تكلفة التحول نحو اقتصاد منخفض الكربون. وعلى الرغم من ادعاء الرئيس ترامب أن الرسوم الجمركية ستعزز الإنتاج المحلي، يرى خبراء الطاقة أن العكس هو الصحيح، خاصة في ما يتعلق بصناعات الطاقة النظيفة التي تعتمد على واردات حيوية من الخارج.
يقول الدكتور بنتلي ألان، الأستاذ المشارك في جامعة جونز هوبكنز والمدير المشارك لمختبر سياسات الصناعة لتحقيق صافي انبعاثات صفرية: “من أجل تصنيع البطاريات، والألواح الشمسية، وتوربينات الرياح في الولايات المتحدة، نحتاج إلى مكونات ومواد خام دولية. هذه ليست أشياء يمكننا إنتاجها محليًا بالسرعة الكافية لتحقيق أهدافنا المناخية”.
بالتالي، فإن الرسوم الجمركية المتزايدة تشكّل تهديدًا مباشرًا لصناعات الطاقة المتجددة، وتؤدي إلى ارتفاع التكاليف، وتأخير المشاريع، وربما تعطيل التقدم المحرز حتى الآن.
إن التحول العالمي نحو السيارات الكهربائية والطاقة المتجددة زاد الطلب على بطاريات الليثيوم أيون. وتتألف سلسلة توريد هذه البطاريات من ثلاث مراحل: الأولى المنبع: تعدين واستخراج المواد الخام (مثل الليثيوم، والكوبالت، والنيكل، والمنغنيز). الثانية المنتصف: معالجة المواد وتحويلها إلى مكونات للبطاريات. الثالثة المصب: تصنيع الخلايا والحزم، وإعادة التدوير.
تسيطر الصين على مراحل حيوية في هذه السلسلة، وتُنتج أكثر من 80% من بطاريات العالم. في ديسمبر 2024 فقط، صدّرت الصين أكثر من 3.9 مليار بطارية ليثيوم أيون، منها ربع الشحنة تقريبًا إلى الولايات المتحدة بقيمة 1.9 مليار دولار.
تواجه هذه الصناعة رسومًا جمركية تقارب 65%، ويتوقع أن ترتفع إلى أكثر من 80% بحلول 2026. وقد أعلنت بعض الشركات الصينية، مثل Jiangsu Jiuwu Hi-Tech، وقف تصدير معدات معالجة الليثيوم، ما يزيد من تعقيد المشهد ويهدد المشاريع الأميركية التي كانت تخطط لإضافة 18.2 جيجاواط من الطاقة التخزينية إلى الشبكة بحلول 2025.
فرض الرسوم على الألواح الشمسية ومكوناتها أدى إلى ارتفاع التكاليف، ما أجبر الشركات على رفع الأسعار أو تحمّل عبء مالي أكبر. وعلى الرغم من أن بعض المصنعين الأميركيين قد يستفيدون من تقليل المنافسة الخارجية، إلا أن سلسلة التوريد المحلية غير مهيأة لتلبية الطلب المتزايد.
ويحذر الخبراء من أن هذا التعطيل قد يؤخر تحول الولايات المتحدة إلى مصادر طاقة نظيفة، ويزيد من الاعتماد على الوقود الأحفوري في المدى القريب. يقول الدكتور ألان: “حتى لو أردنا بناء سلسلة توريد متكاملة في الداخل، فإن الأمر يتطلب وقتًا طويلاً ومعرفة تقنية عميقة. صدمات كهذه في منتصف الطريق تؤدي فقط إلى إبطاء العملية وتعقيدها.”
فرضت إدارة ترامب رسومًا جمركية بنسبة 100% على السيارات الكهربائية المصنوعة في الصين، ما حظر دخولها فعليًا إلى السوق الأميركي، رغم انتشارها الواسع عالميًا. كما أن هذه السياسة جاءت متزامنة مع سياسات معاكسة لبرامج السيارات الكهربائية، ما يهدد الالتزام الذي وضعته إدارة بايدن بأن تكون نصف السيارات الجديدة المباعة كهربائية بحلول 2030.
حتى السيارات المنتَجة محليًا تعتمد على مكونات مستوردة، مثل المعادن الأساسية، والرقائق، والبوليسيليكون، التي ازدادت تكلفتها نتيجة الرسوم الجمركية، مما يزيد من التحديات التي تواجه المصنعين المحليين.
لم تقتصر تداعيات الرسوم الجمركية على الولايات المتحدة فقط، بل امتدت إلى أسواق مثل المملكة المتحدة وجنوب شرق آسيا، حيث تعتمد هذه الدول على الواردات لتطوير مشاريع الطاقة المتجددة. التعريفات الجديدة تعرقل هذه الخطط، وتؤخر مشاريع الطاقة الشمسية، وتؤثر على تكلفة الأجهزة المنزلية التي تعتمد على بطاريات الليثيوم.
وتواجه الشركات في كل مكان صعوبات في التنبؤ بتكاليفها وإدارة سلاسل الإمداد، مما يضعف ثقة المستثمرين ويقلل من الجاهزية المالية لتبني مشاريع طويلة الأجل.
نخلص إلى أنه في الوقت الذي يسعى فيه العالم لمواجهة تحديات التغير المناخي، تأتي السياسات التجارية الحمائية لتضيف مزيدًا من العراقيل. حرب الرسوم الجمركية التي بدأت تحت مبررات اقتصادية، تهدد الآن بتحجيم الطموحات البيئية، وعرقلة التحول العالمي إلى الطاقة النظيفة.
إن تجاهل البُعد البيئي في القرارات الاقتصادية قد يؤدي إلى نتائج عكسية، ليس فقط على صعيد المناخ، بل أيضًا على الأمن الاقتصادي والطاقة العالميين. ومن دون تعاون دولي منفتح، فإن التكاليف المستقبلية ستكون أعلى بكثير من أي مكاسب اقتصادية أو سياسية آنية.

omarmahjoub@gmail.com

عن عمر محجوب محمد

شاهد أيضاً

كلام ما ساكت… من المشنقة الي السقوط …. (رواية قيد الإصدار لهاشم كرار) .. بقلم: عمر محجوب محمد

ادهشنا هاشم مرة أخرى، ولطالما ادهشنا بكتابته التي لا يُمكن أن يكتبها الا،هو، هاشم… ذلك …