أحبُّ انتمائي
1 مارس, 2009
منى عبد الفتاح
54 زيارة
منى عبد الفتاح
moaney15@yahoo.com
آخر وصف سمعته عن السوداني في الخارج هو :”أن السوداني مثل زجاجة البيبسي ، لا ترجّه وإلا حيفور في وجهك” .وهذا يعني أنك ستكون في مأمن ما دمت تتعامل معه بالحسنى ، أما إذا بادرت بالاعتداء عليه فلن تسلم منه.على أن أي وصف مهما يكن يتبعه وصف آخر وهو أن السوداني “طيّب”. “لا يكفي أن تسمع عن السوداني وإنما عايشه لتعرف طباعه الأصيلة” . وهذا قولٌ آخر كثيراً ما نسمعه ، ومرده إلى أنه مهما قيل في هذا “الزول” فلن تتخيل أن شخصاً عاقلاً يمكن أن يؤثرك على نفسه ويقدم لك أغلى ما عنده لا لشيء ولا لغرض في نفسه إلا لفيض كرمه.وهذا الإيثار الكبير دعا بعض المغتربين هنا يحاولون تغيير هذه الخصلة ، ليس لطبع سيء فيهم ولكن لأنهم يرونها تهضم بعض حقوقهم التي ينتزعها بقية أفراد الجاليات الأخرى بقوة العين والفهلوة والشطارة ، فآلمني وصفاً ظهر مؤخراً بين السودانيين يصفون بعضهم بأن الواحد منهم هو “المغفل النافع”.
ظلمنا التاريخ فلم نستفد من مصيبة الاستعمار البريطاني مثلما استفادت الهند مثلاً ، فبريطانيا ومنذ استقلال الهند تدفع فاتورة ظلمها للشعب الهندي على المستويات الرسمية والثقافية والاجتماعية . كانت آخر فاتورة حصدها طفلين من الأحياء الفقيرة في مدينة مومباي حيث نالا مع طاقم الفيلم البريطاني الشهير “المليونير المتشرد” الذي حاز على ثمانية جوائز أوسكار في حفل الأوسكار الأخير أمس الأول.وسار الطفلان على البساط الأحمر مع مشاهير السينما العالمية في هوليوود.لن يحدث هذا في السودان أبداً ، فلو جاء مثل هذا المخرج البريطاني واختار طفلين من السكن العشوائي في ضواحي الخرطوم أو من أي قرية من قرى السودان وأغلب قراه تتوشح بالفقر ويشرب أهاليها “بكيزان الطلِس” – على حد قول الأستاذ مصطفى البطل حين أراد ذكر قرية “المسعودية”- فماذا سيكون رد الفعل الرسمي ، متوقعٌ أن تهب عاصفة تقول أن هؤلاء القوم جاءوا ليكشفوا سوءات البلد ويوجهوا إهانة لأهلها لفقرهم، هذا إن لم تصنف المحاولة على أنها مؤامرة غربية إسرائيلية .
وظلمنا المؤرخون قبل ظلم الاستعمار ، فابن بطوطة في كتابه “تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار” ذكر أن أهل السودان كرماء ولكنهم على شيء من الحمق .بعض انصاف في مثل شيمة الكرم أظنه كافٍ. ولكن انظر إلى ما قاله ابن خلدون من أن الحر هو الذي استولى على أمزجتنا وفي أصل تكويننا أن نسبة الحرارة في أرواحنا أشد بالقياس إلى أرواح الأقاليم المجاورة ، وما ذكره من شدة الفرح والانبساط والطيش وبعض صفات تحتفي بها عن جهل بعض المدونات السودانية.
تتهلل أساريري بعد النظر في ضفتي دجلة والفرات لما كتبه الجاحظ عن رسائله في “فخر السودان على البيضان”.وانتشي بمثل “حرارة” المزاج السوداني حين يعدد الجاحظ بأن لقمان الحكيم منا، وعنترة بن شداد ،وبلال بن رباح وسعيد بن جبير وغيرهم من فصحاء الشعر . وتزوج منا كما ذكر الجاحظ سيدنا “ابراهيم” الخليل وانجب من زوجته السودانية “اسماعيل “عليهما السلام ، كما كان الفرزدق يفضل زوجته السودانية على بقية زوجاته. “وانبسط” في غير ما طيش حينما يصل بي الجاحظ معدداً مفاخرنا في قوله:”ليس في الأرض عود أحسن خشباً ولا أغلى ثمناً ولا أثقل وزناً من الأبنوس ، والإنسان أحسن ما يكون في العين ما دام أسودالشعر، وأكرم ما في الإنسان حدقتاه وهما سوداوان ، وأكرم الكحل الأثمد وهو أسود”.
أحب هذا الانتماء وأكاد أجهش بالبكاء مرتين ، مرة لسيرتنا الطيبة بين الشعوب وأخرى لحظنا العاثر وضيق ذات وسائلنا ، فللسودانيين موهبة وأفق واسع يستطيع أن يصنع الإبداع في مجالات شتى ولكن نعجز عن إيصاله إلى الناس.
عن صحيفة “الأحداث”