ما حدث مؤخرا في أبيي ثم جنوب كردفان فالنيل الأزرق، يؤكد بما لا يدع مجالا للشك أن مخاض ما يسمى بالجمهورية الثانية سيشهد نوعا جديدا من التوظيف المتهور لمصادر قوة البلاد، المتمثلة في الجيش الذي صار بالفعل حركة مسلحة للمؤتمر الوطني، والمتمثلة أيضا في أجهزة الأمن والإعلام التي تطيع رغبات الحكوميين في قمع الأصوات الوطنية. وبرغم أن الأمل في أخذ العبرة من الجمهورية الأولى التي وظف فيها عتاد الجيش بكل سلبية ما يزال حيا إلا أن آمالنا السياسية أكبر من الواقع. ولهذا يبدو أن تراكما من الفشل المستقبلي سيعقب هذا التوظيف الجديد لتهور قوة، أو قوة تهور، الجمهوية الثانية التي لم يستهل مؤسسوها بإستخلاص العبر، والدروس.
لقد أهرق الكتاب الوطنيون بسخاء حبرا كثيفا في محاولتهم لتأكيد فشل حتمي لسلطة القوة منذ مثول الإنقاذ، وما يزال العقلاء الذين يتخذون مواقف وسطى يطالبون بتحكيم صوت العقل بالنسبة لكل الفرقاء، ومع ذلك تتباعد المسافة عند كل صباح بين الرغبات الوطنية الصادقة لمعالجة قضايا البلاد والواقع على الأرض، وهل لا تسيطر عليه عسكريا، وإقتصاديا، وإعلاميا، إلا فئة محدودة تقول هي صوت الله، وهي السودان وما عداها هو الكفر، والتآمر، والعمالة؟.
إن أحداث الدمازين الأخيرة، والتي أوجدها المؤتمر الوطني بسياسة السلطة المتهورة بغية الإنتصار على خصم عنيد، وشرس، لسياسته كان لا بد أن تبرز إلى السطح. فلم يكن هناك ما يمنع إعادة الإصطدام، يوما، بين الحركة الشعبية، قطاع الشمال، والحزب الحاكم ما دام أنهما طرفان نقيضان بمرجعية نظر كل منهما إلى الآخر، وإلى قضايا السودان، وإلى كيفيات حلولها. ومن هنا لايمكن للمراقبين إدانة أحد الطرفين دون معرفة الخلفيات التي إرتبطت بتفكيرهما، وكذلك الملفات العالقة بينهما، والتي لم تحسم بعد، ومنها وضعية الحركة الشعبية كتنظيم في شقه الشمالي الباقي، له ما له من حقوق وواجبات كما للقوى السياسية الأخرى.
وفق سياسة التهور كان من السهل جدا للحكومة أن تحمل الحركة الشعبية، بقطاعيها الجنوبي والشمالي، مسؤولية ما حدث ويسندها في ذلك إعلام قائم على إتباع السلطة بالتلفيق والكذب عوضا عن إبراز الحقائق وإعمال النقد. ولقد أعادنا الإعلام الحكومي والخاص التابع إلى الحكومة إلى أجواء حرب الجنوب، حيث آنذاك تم إهدار طاقات الإعلاميين الحكوميين في توصيف الحركة الشعبية كتنظيم يتلقى دعمه من إسرائيل ومجلس الكنائس في معركته ضد صيف العبور وتلك الحملات التي راح ضحيتها شباب سوداني من الطرفين، ومع ذلك لم تتنتصر (الأمة) في حربها، بل وتم التنازل، في خاتم المطاف، عن جزء عزيز من الوطن.
المعارضون مثلنا، وهم قانعون برؤاهم الموضوعية حيال الأزمة الوطنية، لا يجدون مهما بحثوا عن جذور هذا الإضطراب في الاقاليم المهمشة في القرار السيادي، إلا فرص التنديد بسياسات المؤتمر الوطني المعهودة، والتي لا تجلب إلا أعمال العنف، والأخرى المضادة على مستوى حجمها او تتضاعف. والحقيقة أن هذا الشكل من التنديد لم يكن وليد اليوم فحسب، وإنما هو إجراء راتب للكتاب، والمحللين، والذين يصرحون للصحف والقنوات الفضائية من أقطاب الأحزاب، والإستقلالية.
وإذا كانت هذه النشاطات المعارضة تثمر لأمكن للبلاد تلافي المخاطر التي تحدق بها، غير أنه ليس بإمكان الحكومة، وهي سادرة في ديكتاتوريتها، أن تفعل باحسن مما فعلت. وليس في مقدور الناقدين المعارضين والناصحين أن يتحولوا بضربة لاذب من مرحلة التنديد إلى مرحلة الإسهام بالفعل السياسي المؤثر، وبالتالي خلق الفعل الحكومي ورده حالة من إهدار طاقات الحاكمين والمحكومين.
ما يلحظ في أعمال العنف التي شهدتها مدن أبيي، وكادقلي، والدمازين، هو أن إستخدام جيش البلاد، المفترض فيه القومية، كان لا يختلف عن إستخدامه في حربي الجنوب ودارفور، ولعل هذا الأمر طبيعي بالنسبة للمؤتمر الوطني. فهو قد تمكن حزبيا من تحويل المؤسسات القومية إلى حظائر حزبية تدعم كوادر الحزب في مخططاتهم الرامية إلى تمكين آيديلوجيا الجبهة القومية الإسلامية سابقا.
ولكل هذا ليس هناك ما يثبت أن إختلافا كبيرا بين الحركات المسلحة والقوات المسلحة، إذ أن الأولى تستخدم قواتها لهزيمة المؤتمر الوطني الحاكم، بينما يوظف المؤتمر الوطني القوات المسلحة للحفاظ على وجود الحزب وليس السودان، كما يشاع. ولسنا في حاجة للقناعة بأن تسريح جيش قطاع الشمال وبقية الجيوش سيجلب الإستقرار، والسلام، في ظل سحق المؤتمر الوطني لمعارضيه بواسطة القوات المسلحة، والأمن.
ورغم أن هذا التوظيف السلبي لجيش البلاد من ما يؤسف له إلا أن تحول الجيش إلى ضيعة إسلاموية الآن يستند على ماضي حكوماتنا. فتاريخنا السياسي يدل على أن الجيش مثله مثل الخدمة المدنية، بما فيها من مؤسسات إقتصادية، وتربوية، وإعلامية، ولذلك يسير وفق هوى القوى السياسية المسيطرة، وليس بناء على دور متفق عليه دستوريا. ولعل النخبة العسكرية قد عرفت هذا السر فوجدتها تحتاز على إمتيازاتها في ثكناتها مقابل غض الطرف عن الأخطاء السياسية التي يدركها عامة المواطنين، فما بالك بالذين هم في مرتبة الملازم وما فوق.
إن المؤتمر الوطني، وهو قد سيطر على عوامل قوة الدولة، قد وضع كوادر الأحزاب الحريصة على البلاد في موقف محرج ولم يصبح امامهم إلا تحشيد الناس إلى الإنتفاض على غرار إكتوبر وأبريل، أو الرضا بمنازلته عسكريا كما تفعل الحركات، أو القبول بمراوغاته الحوارية بشأن التحول دستوريا من جمهورية سيئة التاريخ إلى أخرى ستكون أسوأ إذا إستمرت سياسة الديكتاتورية. وللاسف أن الخيارات الثلاثة مكلفة للغاية، ويبقى الاسهل منها هو الصمت والرهان على الزمن، وهذا ما توصلت إليه مجاميع معتبرة من النخبة السودانية. يقال إن المضطر يركب الصعب.
على كل، لا يحسب المرء أنه سيكون لمادة هذا المقال إعتبارا عند السلطة، مهما تدثرت الأفكار بحكمة مظنونة، وذلك في وقت يرى فيه الحكوميون أن الإستماع إلى الرأي الآخر يمثل ضربا من الغباء السياسي الذي يؤثر على تلك السيطرة الحكومية التي أجادها الذين ينفرون خفافا وثقالا لتحقيق التمكين الإسلاموي. فمنذ متى إستمع الإنقاذيون إلى الآخر حتى يتغير واقع سلطة التهور إلى سلطة جماعية يشارك فيها السودانيون لتدارك المخاطر التي تحيط بالوطن من كل حدب، وصوب، وأولها وسببها التمكين الذي إبتدرته الحركة الإسلامية ثم أوردتنا لاحقا إلى هذه الخيبة الوطنية.
الأمل، كل الأمل، أن يستجيب السيد الصادق إلى نداء الاستاذة رباح، وعاش أبو هاشم، وخالص تمنياتنا بالشفاء للحاج نقد، وكذلك للحاج نقد الله.
salah shuaib <salshua7@maktoob.com>
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم