الحِراك المتسارع بين بعض الدول العربية ، مثل السعودية ومصر نحو السودان ، وما قابله من السودان ، لهو خير دليل على حوجة تلك البلدان لبعضها ، وخير دليل على أزلية العلاقات بينهم ، العلاقات التي من المفترض أن تكون قبل هذا بعشرات السنين إن لم تك فروضا ثابتا ودائماً وراسخا تمليه عوامل الدين والتأريخ والأخوة والجغرافيا والعرق ومصالح وأشواق الشعوب المشتركة .
بالنسبة للمواقف السعودية الجديدة في ظل الملك سلمان أيّده الله ، المواقف الإسلامية العربية القوية التي تفآءلنا بها من أول يوم من مقدمه ، بل وفي أول عشرة ساعات ، من أن هذا المليك سيعيد للسعودية سيرتها الأولى أيام الفيصل وخالد ، قوة ووعيا وصلاحا ، يرفع به رأس بلاده عاليا ويرفع به رأية الإسلام عالية ويرفع به رأس العروبة عالية ، متخذا وعي الحكيم مع أشقائه من البلدان العربية نصحاً وتقارباً وتقريباً لوجهات النظر ، وحلا للمشاكل والخلافات المؤسفة العالقة ، وما أفرزه الحراك العربي العربي في الآونة الأخيرة كفيل بأن يكشف ما بين سطور الأيام القادمات ، وعلى الرغم من غتامة الرؤية وتشابك الآمور في المنطقة والذي أعقب ضربة سبتمبر وفورة الفوضى الخلاقة ، والفتن التي أحدثها عدونا المشترك في المنطقة ، فتن بين الشيعة والسنة ، علمانيين وأخوان ، حروب متداخلة ، داخلية وبينية ، إلا أن المملكة العربية السعودية بقياداتها الرشيدة الحالية ، فعلا إستطاعت أن تخرج للعالم وللعرب في ثوبها الجديد وفكرها الجديد ومواقفها الجديدة التي تمايز بين حقوق العالم في المنطقة وحقوق كل دول في المنطقة ، ولكنها لا تغفل الخطر الداهم من الشيعة والذي كاد أن يحيط بها وبنا من كل الجوانب ، وما تقوم به المملكة الآن من دفاع عن نفسها وعن الحرمين الشريفين ودفع تهديدات هؤلاء الغوغائيين من الحوثيين والشيعة في المنطقة لهو حق مكفول ، حق إلهي ، وشرعي ، ووطني ، وعربي لا يقبل التجزئة و لا يقبل التأويل والتباطؤ .
لذا وجب على السودان الوقوف بجانب الحق ، بقوة وعزيمة وبغض النظر عن حال السودان ومواقف السودان ومشاكله الداخلية والإقليمية والدولية والإقتصادية فالأمر آكبر من ذلك ، وهنا أحسنت يا ريس .
بالنسبة للموقف المصري ، وما أملته عليه من ظروفه الداخلية بعد الربيع العربي ، ومهما كان من أخطاءه في شأنه الداخلي ، فإن التقارب معه في هذه المرحلة الحرجة جداً ، التي فرضها واجب الرد على الزحف الشيعي في المنطقة ، لهو واجب وفرض تمليه حقوق الوطن ، وتمليه حقوق المنطقة وحال المنطقة وحال العرب ، وواجب بل فرضية يمليها واجب الدفاع عن المملكة العربية والخليج ، والإسلام والحرمين والعروبة ، ، وتمليه أيضاً وشائج العلاقات التاريخية والاجتماعية والدينية والمصالح الإقتصادية والجغرافية بين البلدين ، وبغض النظر عن إختلاف وجهات نظر القيادتين ، وقد أحسنت القيادتان هنا في التغاضي الخلافات في هذا الوقت ، وهنا أحسنت أيضاً يا ريس .
فيما يخص المشاركة في الحملة الموفقة على الحوثيين في اليمن ، هؤلاء الذين عاثوا في البلاد ، يهدمون بناء اليمن ودين اليمن ، ليغيروا وجهه ووجهته واتجاهه ، ويسببون كارثة حقيقة جديدة للخليج ، والمملكة العربية السعودية بلاد الله المقدسة ، تضاف لكوارثهم الآخرى في المنطقة ، فهو أفضل ما أحسنت القيام به ، الآمر الذي أرجع للسودان فهمه ومواقفه الحقيقة التي ينشدها شعبه ويرضاها ربه مع الأشقاء ، وهؤلاء أكثر من أشقاء ، وما يمكن أن يعيد للسودان مكانته العربية والإسلامية والإقليمية وما يكشف عن وجهه الحقيقي المفروض أن يظهر به ، ويزيل عن أخوتنا في الخليج وخصوصا السعودية ، الغبش في سوء الفهم ، والغبن الموروث من مواقف سودانية أخرى ، ويعمل على زيادة اللحمة والحمية والإخاء ، وانها آحسنت بغض النظر عما سيقوله المخذلون في الداخل ، من إطالة لعمر النظام ، أو تحقيق لأغراض إقتصادية ، ومهما تكن الأهداف منه ، فنحن نحتاج للخليج ، أخوة صادقة ومدافعة ودفاع ، ونحتاج للخليج مصالح مشتركة ، والسودان غير الخليج لا معنى له في العروبة والعرق والدين والتأريخ ، فلا يصدنك عما تفعل لأجل ذلك ، صاد ، أو لائم أو مُخذِّل ، يريد للسودان القطيعة عن جذوره الحقيقية وعن إخوته ويريد له الخبال والودار والإنحطاط.
ولكن …
ما نريده لهذا الموقف أن يكون موقفا صادقا وموقفا إستراتيجيا وليس مرحلي ، لا تكتيك فيه ، لا تسوية حسابات داخلية ، لا موازنات مصلحية فقط فيه ، نريده موقفا ثابتا قويا ، لا ممالأة فيه لإيران ، لا لعب أوراق فيه ، ونريده موقفا واضحا يزيل الغشاوة في العلاقات بين كل الأشقاء في المنطقة وبيننا ، إن لم يكن بالدين والرحم ، فبحسن الجوار ، والمصلحة المشتركة .
بالنسبة لليمن ، (مغبرة الغزاة ) كما يسميها أهلها ، والتي خبرنا كل مناطقها وجغرافيتها ، من صنعاء عمران وريدة ، إلى صعدة إلى حجة إلى حدود السعودية من الجانب، نجران وجيزان وظهران الجنوب ومناطق جبال فيفا ، فإني أحذر كمواطن سوداني يهمه آمر شعبه ووطنه وجيهة ، أحذر من مغبة الولوج في إرسال جزء من الجيش السوداني للدخول في مواجهة أرضية مع اليمن مهما زاد عدد جنوده ومهما تطور عتاده ، وذلك لأسباب كثيرة منها طبيعة المنطقة المتشابكة من الجبال الشاهقة والمنحوتة من جانب اليمن في شكل طابيات وكهوف ، يمكن لعدد قليل من الحوثيين أن يهزموا جيشا كاملا ، وقد جرب ذلك قبلك جمال عبدالناصر ، والمقابر المصرية التي تركها بعده ، تحمل آلافا من جنوده في اليمن لهي خير دليل لفشل تلك التجربة ، وكمية المجانين من الجيش المصري الذين وجدناهم في اليمن حتى أوائل الثمانينات يمشون عرايا بين الناس لهي خير دليل أيضاً على خبال وجنون تجربة المواجهات الأرضية ، في أرض اليمن ، فاليمن لا يملك أرضا إنما يملك جبالا سامقات وليس أرضًا مسطحة كما إعتاد عليها جيشنا ، والأمر مشابه في كل أرس اليمن وبصورة دائرية من عدن وتعز والحديدة والبيضاء وإب وكل المناطق ، فلا تدخل في مثل هكذا تجربة خاسرة ، وترمي بجيشنا إلى التهلكة ، ويجب ألا نرسل جنودنا كمبارس في معركة أرضية ، خاسرة ، إلا إذا كنا وسط من ذهبنا أن ندافع عنهم من إخوتنا الخليجيين ، والمصريين ، الذين هم أعرف منا بتلك البقاع وشاهقات الجبال التي لم يتعود عليها جيشنا ، فجيشنا ليس للبيع وما أظنك بائعه.
نحن نعي أن رقعة النرد التي حددها لنا عدونا المشترك في لعب أدوار معينة في أوقات معينة ، مرسومة ومحددة بدقة ، وقلنا في ذلك الكثير ، لبث الوعي عند الشيعة ومن شايعهم في أن الحق ألا نكون أعداء إذا كنتم فعلا تدينون بالإسلام الذي نعرف ، ولكن إذا كان الأمر تقية وهدم دين وإحاطة بأوطان ونوايا خبيثة نحو بلداننا فالأمر منكم ومن الصهيونية التي تدّعون حربها سيآن ، والأولى أن ندافع ونرافع عن بلداننا مما ينخر فيها وداخلها، وهذا هو الوعي الصحيح والمواقف الصحيحة والضرورة القصوى التي تقتضي مثل هذه المواقف .
أسأل الله العلي القدير أن يحفظ الله بلداننا وأن يحفظ قيادة المملكة العربية السعودية الجديدة ، أن يحفظها من الغل ومن الخيانة ، ومن كيد الأعداء الذين يتربصون بنا الدوائر ، كل ما ظهر فينا حكيم يلم شملنا ويرفع رأسنا كادوا له كيدهم ، منذ عمر وعثمان وعلي والحسين وفيصل وخالد ، وأسأل الله العلي القدير أن يكون الآخوة في المملكة العربية السعودية والخليج من التماسك والوعي الداخلي ما يفوتوا على كل حاقد وكل كائد حقده ومكيدته ، حسما وحزما وعزيمة ووعيا.
اللهم بلغت فأشهد
الرفيع بشير الشفيع
جنوب أفريقيا
rafeibashir@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم