كيف لا
لم أتوقع إبان تعاقدي مع قسم الإعلام بوزارة الداخلية 2003م ،أن تسير الأمور بشكلها الدرامي الذي تبدى مؤخراً . كنت كلما نمر معاً بالممر الرئيس في قلب الوزارة دخولاً أو خروجاً أجد النقيب احتفال حسن أحمد تشوب خطواتها الحذر الممزوج بالهلع حين تنظر سريعاً إلى بعض المكاتب التي تتخذ مداخل غير منظورة في الاتجاه المعاكس . امتثلت لحذرها ذاك ، ورغم إلحاحي لمعرفة السبب ومن يقبع داخل هذه المكاتب الساكنة طوال اليوم إلا أن النقيب احتفال وبإشارة العسكر الرافضة ، قطعت قطعاً تاماً ألا تزودني بما يشفي الغليل. وبما أنها قطعت علي سبل محاولاتي للإحاطة ببعض التفاصيل من باب العلم بالشيء ، خاصة وأنه مكان عمل ينبغي أن تكون الحُجُب فيه مرفوعة وغير متوارية المكاتب وشخوصها ، إلا أنني لم أظفر بشيء. ولما لم أجد من يدلني على معلومة صغيرة أو كبيرة ، صرفت اهتمامي إلى ما وجدته من مشاغل ومشاكل العمل وهمومه وقلت لنفسي وأنا أغالب فضولي ، ما دمنا في قسم منفصل يشمل دائرة الإعلام بالإضافة للمكتب الصحفي فليس لزاماً علي أن أعرف شيئاً عن دهاليز الوزارة التي لا تعنيني ولا تُعينني في عملي.
علمت بعد تركي العمل بوزارة الداخلية لظروف أشد تعقيداً أن الممر موضع الغمز يطل على مكتبي وزيري الدولة : أحمد هارون ووزير دولة آخر نمسك عن ذكر اسمه لأنه حسب بعض متطوعي التدوين هذه الأيام أدركت أنه قد يكون سبباً آخر يستوجب الحذر.استغربت للتعتيم الذي ضُرب على وزيري الدولة ومكتبهما حينها ، فلم يرد ذكر أي منهما في تلك الفترة بأي إشارة خير أو شر. وبالرغم من عدم ظهوره على الملأ وعدم مشاركته في مناشط الوزارة المختلفة إلا أنني لم ألحظ أي تصريحات أو تلميحات موجبة أو سالبة بحق أحمد هارون وزير الدولة آنذاك من قبل موظفي ومنتسبي الوزارة. ولكن بعد 2003م وبعد أن التفتت أنظار العالم إلى فظائع الحرب في دارفور وكثرت إدانته عالمياً ، ارتفع معدل مدحه داخلياً ، فمنتسبي الوزارة أثنوا على سيرته الحسنة وكريم تعاونه.
لا أدري كيف تستقيم هذه الأمور ، لكن أوكامبو يدري ، ويدري معه ضحايا حرب دارفور . الضحايا الحقيقيون وليس ضحايا الإعلام .أحمد هارون منسق عام الشرطة الشعبية ، لا تكف وكالة سونا للأنباء أن تدعوه “بمولانا” في صدر نشراتها الإخبارية الموزعة على وسائل الإعلام الأخرى . والمعروف أن “مولانا” المطلوب القبض عليه بقرار من محكمة الجنايات الدولية منذ مايو 2007م، قد ترك سلك القضاء من زمن ليس بقريب وذلك لاختياره ليعمل وزيراً للشؤون الاجتماعية في ولاية جنوب كردفان.
تم تعيين هارون بعدها وزيراً للدولة بوزارة الشؤون الإنسانية في سبتمبر 2005 م في حكومة الوحدة الوطنية . والآن تمت ترقيته ليصبح والياً لولاية جنوب كردفان ، ليعد فيما يعد بتحقيق السلام الاجتماعي في ذاك الجزء الملتهب وذلك بالمصالحات وفض النزاعات.
عمل شاق وطويل ينتظر “مولانا” الذي صرح بأنه لم يسمع قريباً بالجنائية الدولية كما قال أنها لا تعنيه.ولكنه مهما أنجز من عمل فإن حل نزاعات السودان كله حتى لو تنزلت عليه كرامات الصالحين فإنها لا تجبّ ماقبلها من ذنوب إن ثبتت.
“مولانا” يبحث عن مخرج من ورطة ، ونحن نبحث عن حقيقة غير مشوشة . هو يريد صناعة مجد اللحظة قبل الأخيرة ، ونحن نفكر في مستقبل بلد ممزقة خاصرته التي عهد بها إليه ، ليقودها بأمل قعقعة الروح إلى سبيل التنمية . بلدي تراجيديته نارية ، يتفنن في تجاهل المعلوم بالضرورة ، يزود كل من هو موضع شبهة بحقائب وزارية ومفاتيح ولائية . بلدي عجيب ، المدان فيه يرفل تحت ترف السلطة ، والشريف يقرأ التاريخ جيداً ولكنه لا يستطيع تدوين الحاضر .
هذا المقال منعته الرقابة الأمنية من النشر في صحيفة “الأحداث“
moaney [moaney15@yahoo.com]
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم