زهير عثمان حمد
أحمد هارون والجنائية الدولية.. الوقاحة السياسية حين تُشرعنها فوضى السلطة!
من منبر الإعلام إلى مهزلة الدولة- كيف أصبحت العدالة في السودان وجهة نظر؟
لم يكن الظهور الإعلامي المطوّل لأحمد هارون عبر حواره مع ربعي سراج مجرد حدث صحفي يحمل في طياته تنوع الآراء، أو فرصة لاستعراض تاريخ أحد رموز (الإنقاذ ) بل كان مجاهرة صارخة ومستفزة تكرّس حالة العبث الشامل وتفضح الهوان الذي آلت إليه الاوضاع
أن يجلس رجل صادر بحقه قرار توقيف من المحكمة الجنائية الدولية منذ أبريل 2007، بجرائم تقشعر لها الأبدان—من قتل واغتصاب وتطهير عرق وتشريد قسري في دارفور—ليتحدث لساعات بأريحية تامة عن تصوراته للمستقبل وعن موقفه السياسي، هو ليس مجرد اختبار للعدالة، بل هو صفعة صريحة في وجه كل ضحايا تلك الجرائم، وإعلان رسمي بتأسيس دولة الإفلات الممنهج من العقاب
نحن لا نتحدث هنا عن اتهامات سياسية مرسلة، ولا عن خصومة بين أحزاب، بل عن ملفات قضائية دولية تتضمن جرائم ضد الإنسانية، لم يقف صاحبها أمام القضاء حتى اللحظة، ليرى الشعب كيف تتحول دماء الضحايا إلى مجرد مادة للحوار الإعلامي وتلميع الوجوه!
من قاع السجن إلى المنصات.. التطبيع مع الفوضى
إن السؤال الحقوقي والأخلاقي الأساسي لا يتعلق بحق الرجل في التعبير—فالحريات لا تُمنح كغطاء للفرار من العدالة—بل يتعلق بكيف يتجول مطلوب دولي بحجم أحمد هارون في المساحات العامة، يستعيد نفوذه الإعلامي ويقدّم نفسه كلاعب سياسي، في ظل صمت مريب وعجز فاضح من مؤسسات الدولة السودانية!
خرج هارون من سجن كوبر عقب اندلاع حرب أبريل 2023 في ظروف مريبة، ومنذ ذلك الحين تظاهرت المؤسسات الرسمية والأمنية بالعمى التنظيمي. هذه ليست مجرد “مفارقة” كما يحلو للبعض تسميتها، بل هي تواطؤ ضمني وفشل مؤسسي يُسقط عن السلطة القائمة أي ادعاء بشرعية سيادة القانون. كيف تُطالب الدولة المواطن بالالتزام بالقانون، بينما يمارس المطلوبون دولياً أنشطتهم السياسية تحت عين أجهزتها وبحمايتها؟
الحرب كمسرح لإعادة التدوير وترتيب الأوراق
لا يمكن فصل هذا الظهور المستفز عن المناخ العام الذي أفرزته الحرب؛ مناخ الفراغ السياسي الذي استغلته شبكات النظام البائد ورموز المؤتمر الوطني للتسلل مجدداً إلى المشهد، وتقديم أنفسهم كأوصياء على البلاد أو حلفاء فرضتهم ضرورة المعركة
لقد أنتجت الحرب حالة من التعايش غير الأخلاقي بين السلطة الحاكمة ورموز النظام القديم، حيث تُقاس الأمور بمنطق الاستفادة التنظيمية والسياسية على حساب مبادئ العدالة والتغيير
إن هذا الصمت الرسمي والغياب التام لتحريك ملفات التوقيف والمساءلة يسلط الضوء على تساؤل مرير – هل تحولت العدالة إلى سلعة تباع وتُشترى في سوق التحالفات السياسية ومقتضيات الحرب؟ وهل أصبح المطلوبون للجنائية أوراقاً تُوظف لإدارة الأزمة بدلاً من تقديمهم للمحاكمة؟
العدالة ليست ملفاً للاستثمار السياسوي
إن خطورة هذا المشهد تضاعفها محاولات البعض اختزال قضية أحمد هارون في تسوية حسابات بين التيارات السياسية، أو استغلالها كأداة للمناكاكة الحزبية. العدالة الحقيقية لا تتجزأ ولا تُصمم على مقاس خصم دون آخر
إذا كان هارون مطلوباً للمحكمة الجنائية الدولية بموجب قرار مجلس الأمن 1593 لعام 2005، فإن الجرائم والانتهاكات التي تُرتكب اليوم في حرب أبريل من كافة الأطراف تقع في نفس الخانة الإجرامية وتستوجب المحاسبة
إن تحويل العدالة إلى انتقاء سياسي هو ما يُشرعن الفوضى، ويجعل من الإفلات من العقاب امتيازاً يُمنح لمن يملك السلاح أو النفوذ السياسوي
سقوط الدولة أمام الامتحان الأخير
إن قضية أحمد هارون اليوم لا تختبر شخصاً بعينه، بل تضع مفهوم الدولة في السودان أمام تشريح حاد. إنها تتجاوز مسألة إعتقال رجل مطلوب إلى الكشف عن هشاشة المؤسسات، وغياب الإرادة المستقلة للعدالة، وتداخل الأجندات الأمنية والسياسية بشكل يُلغي دولة القانون
لا يمكن لأي سلطة أن تتشدق بشعارات الهيبة أو الوطنية وهي تقف عاجزة—أو متغاضية—عن تطبيق القانون على من صدرت بحقهم مذكرات توقيف دولية
الدولة لا تُبنى بالتهاون مع الفوضى، ولا باستعادة وجوه تسببت كارثيتها في ما وصل إليه السودان اليوم
إن الشارع السوداني الذي قدم التضحيات من أجل شعار حرية، سلام، وعدالة لن يتقبل إعادة إنتاج المنظومة ذاتها بوجوهها القديمة والجديدة تحت ذريعة ظروف الحرب والمطلوب الآن ليس بيانات إنشائية ولا حوارات إعلامية تلميعية، بل موقف قانوني حاسم يتسق مع التزامات السودان الدولية، ويكسر دائر التطبيع مع الفوضى، ويضع الجميع تحت طائلة القانون بلا استثناء.
