دكتور محمد عبدالله
لم يكن ظهور أحمد هارون، رئيس المؤتمر الوطني المحلول والمطلوب للمحكمة الجنائية الدولية، في حوار مصوّر عبر “السودان بودكاست” ، حدثاً إعلامياً عادياً. فالرجل الذي غادر سجن كوبر في الأيام الأولى للحرب، وظل بعيداً عن الظهور الإعلامي المباشر، اختار أن يعود إلى المجال العام في لحظة شديدة الحساسية، تتداخل فيها الحسابات العسكرية مع محاولات إعادة تشكيل المشهد السياسي السوداني.
تكمن أهمية هذا الظهور في توقيته، وفي طبيعة الرسائل التي حملها، أكثر مما تكمن في المعلومات التي كشفها عن سقوط نظام الإنقاذ أو خلافاته الداخلية.
أول ما يلفت الانتباه في حديث هارون محاولته رسم حدود العلاقة بين المؤتمر الوطني وقيادة الجيش، نافياً وجود علاقة تنظيمية أو ارتباط خاص بالفريق عبد الفتاح البرهان، ومقدماً العلاقة باعتبارها علاقة طبيعية بين رئيس الدولة وقوى سياسية. لكنه، في الوقت نفسه، لم يُخفِ أن ما يجمع الطرفين هو مواجهة ما وصفه باستهداف الدولة، وأن معركة الميدان تفرض التعاون بينهما.
هذه الصياغة تحمل رسالة سياسية تتجاوز مجرد نفي التحالف مع قيادة الجيش. فهي تسعى إلى تقديم الإسلاميين باعتبارهم طرفاً وطنياً يشارك في الدفاع عن الدولة، لا تنظيماً سياسياً يسعى إلى استعادة نفوذه الذي فقده بسقوط نظام البشير. كما أن حديثه عن اقتراب النصر، مع إقراره بأن الحروب لا تنتهي بالقتال وحده وأن التفاوض يظل محطتها الأخيرة، يكشف عن محاولة الجمع بين خطاب التعبئة العسكرية والاستعداد للمشاركة في ترتيبات ما بعد الحرب.
لكن هارون لم يكتفِ بالدفاع عن موقف حزبه من الحرب، بل كشف عن تصور سياسي لشكل الحكم في السودان مستقبلاً، يقوم على صيغة هجينة تجمع بين النظامين الرئاسي والبرلماني، مع اعتماد التمثيل النسبي في تشكيل البرلمان، وأن يكون رئيس الجمهورية من المؤسسة العسكرية، على أن يصل إلى المنصب عبر انتخاب أو استفتاء شعبي، أطلق عليه وصف “التفويض” .
قد تبدو هذه الصيغة، للوهلة الأولى، محاولة للتوفيق بين مطالب الحكم المدني وواقع المؤسسة العسكرية، لكنها عند تفكيك عناصرها تثير تساؤلات جوهرية حول طبيعة السلطة التي يراد تأسيسها، والجهة التي ستملك مفاتيحها الفعلية. فوجود رئيس من المؤسسة العسكرية، يستمد شرعيته من استفتاء يمنحه التفويض، مع برلمان يقوم على التمثيل النسبي، يفتح الباب أمام إعادة إنتاج المعادلة القديمة بأدوات جديدة.
والأخطر في هذه الصيغة أنها تتيح للإسلاميين فرصة البقاء داخل السلطة، أو العودة إليها، من دون تحمل الكلفة السياسية المباشرة للترشح إلى الحكم. فبدلاً من مواجهة الناخبين بوزنهم الحقيقي، يمكنهم الاحتماء خلف رئيس عسكري، والاستفادة من نظام التمثيل النسبي للحصول على حضور برلماني يتجاوز ما قد تسمح به شعبيتهم الفعلية. وهكذا يصبح الجيش واجهة السلطة التنفيذية، بينما تحتفظ القوى المنظمة، ومنها الإسلاميون، بمنافذ النفوذ والتأثير في مؤسسات الدولة.
إنها، في جوهرها، محاولة لتسويق عودة سياسية من الباب الخلفي، تحت لافتة التوافق بين العسكريين والمدنيين، ومن دون معالجة السؤال الأساسي: من فوّض هذه القوى للحديث باسم السودانيين، أو لرسم مستقبل نظامهم السياسي؟
ما يغيب عن حسابات هارون أن ثورة ديسمبر لم تكن مجرد احتجاج على شخص البشير أو على بعض ممارسات نظامه، وإنما كانت رفضاً لبنية كاملة من الحكم، ولتداخل الحزب بالدولة، ولتوظيف المؤسسة العسكرية في حماية مشروع سياسي بعينه. وقد عبّرت شعارات الثورة بوضوح عن مطلب الحكم المدني، ورفض الوصاية العسكرية، وإنهاء احتكار السلطة. ومن الصعب تصور أن يقبل السودانيون اليوم صيغة تعيد إنتاج تلك المعادلة، حتى وإن اختلفت مسمياتها الدستورية.
لقد مضى الزمن الذي كان فيه الإسلاميون يختبرون أفكارهم السياسية على حساب الدولة والمجتمع، ثم يفرضون نتائجها باعتبارها أمراً واقعاً. وما يطرحونه الآن لا يبدو استجابة لتحولات السودان، بقدر ما يبدو محاولة للتكيف معها من أجل استعادة نفوذهم. وبذلك فإنهم لا يقتربون من تسوية تاريخية مع المجتمع، بل يضعون أنفسهم مجدداً في مواجهة مع المطالب التي فجّرت ثورة ديسمبر، وهي مواجهة لا يبدو أنهم استوعبوا دروسها بعد.
ولعل الأكثر دلالة في الحوار هو حديثه عن سقوط نظام الإنقاذ، وانتقاداته لصلاح قوش، ومحاولته تفسير ما جرى من خلال عوامل داخلية وخارجية، بما فيها الإشارة إلى النموذج العراقي. وهي محاولة لإعادة قراءة سقوط النظام من زاوية لا تقف عند مسؤولية تجربته السياسية، بقدر ما تبحث عن أدوار الأطراف التي شاركت في نهايته.
لكن السؤال الأهم ليس ما إذا كان أحمد هارون قد قدم رواية جديدة لسقوط الإنقاذ، وإنما لماذا اختار المؤتمر الوطني أن يظهر من خلال أحد أبرز قادته في هذا التوقيت؟
الإجابة المحتملة أن قيادة الحزب المحلول تريد اختبار المجال العام، وقياس مدى استعداد السودانيين لقبول عودتها، وتقديم نفسها باعتبارها قوة سياسية لا يمكن تجاوزها في أي تسوية مقبلة. فالحركة الإسلامية تدرك أن الحرب أعادت ترتيب موازين القوى، وأن مشاركتها في مساندة الجيش ربما منحتها فرصة لاستعادة حضور فقدته بعد ثورة ديسمبر.
غير أن هذه الحسابات تصطدم بمشكلة أساسية: الذاكرة السياسية للسودانيين. فثلاثون عاماً من حكم الإنقاذ لا يمكن اختزالها في رواية سقوط النظام أو في الخلافات بين قادته. هناك سجل استثنائي من الحروب والانتهاكات، وتدهور مؤسسات الدولة، والتضييق على الحريات، ثم ثورة شعبية خرجت مطالبة بإنهاء ذلك الإرث. وليس من المرجح أن يؤدي ظهور إعلامي، مهما بلغت أهميته، إلى محو هذه الذاكرة أو تحويل القبول بالأمر الواقع العسكري إلى تفويض سياسي باستعادة الحكم.
ويكتسب الظهور بعداً قانونياً لا يقل أهمية عن دلالاته السياسية. فأحمد هارون مطلوب للمحكمة الجنائية الدولية بموجب مذكرة توقيف صدرت في أبريل 2007، على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في دارفور. ولذلك فإن ظهوره العلني يثير تساؤلات مشروعة حول مسؤولية سلطة الأمر الواقع عن التعامل مع وضعه القانوني، ومدى احترام التزامات العدالة الدولية.
أما القوى السياسية السودانية، فلا ينبغي أن تكتفي بإصدار بيانات الرفض والاستنكار. المطلوب موقف سياسي واضح يقوم على رفض عودة المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية إلى السلطة عبر بوابة الحرب، كما ينبغي فضح موقف سلطة الأمر الواقع من المطلوبين للعدالة الدولية، والتمسك بحل التنظيمات التي صدر قرار بحلها، ومنع استخدام المؤسسات العسكرية والأمنية لإعادة إنتاج نفوذ حزبي.
إن مواجهة عودة النظام السابق لا تكون بالشعارات وحدها، ولا بالرهان على استمرار الحرب، وإنما ببناء جبهة مدنية ديمقراطية واسعة، تتفق على إنهاء الحرب، واستعادة الحكم المدني، وإصلاح المؤسسة العسكرية، وإقامة دولة القانون.
فالسودان لا يحتاج إلى استعادة نظام سقط بثورة، ولا إلى شرعية تُستمد من فوهات البنادق ، أياً كان الطرف الذي يحملها. ما يحتاج إليه هو عقد سياسي جديد لا يحتكر فيه أحد الدولة، ولا تتحول فيه تضحيات السودانيين إلى رصيد انتخابي أو وسيلة للعودة إلى السلطة.
هل يريد المؤتمر الوطني المحلول أن يعود إلى حكم السودان، و بالتالى يريد العودة بالسودان إلى ما قبل ثورة ديسمبر؟
هذا هو السؤال الذي ينبغي ألا يغيب عن السودانيين وهم يتابعون عودة رموز النظام السابق إلى المنابر الإعلامية.
