{وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ} صَدَقَ الله العَظِيمْ
علاء خيراوي
لم يكن إعلان وزارة الخارجية الأمريكية تصنيف جماعة الإخوان المسلمين، أو ما يُعرف بالحركة الإسلامية في السودان، منظمة إرهابية خطوةً عابرة في سجل الأخبار اليومية، بل لحظة كاشفة في مسار تاريخ طويل من التواطؤ مع الوهم. فالتاريخ لا يتحرك بالضجيج ولا بالشعارات، بل بالوقائع التي تتراكم حتى تبلغ لحظة الانكشاف الكبرى. وما حدث اليوم ليس إلا تلك اللحظة التي يضطر فيها العالم، بعد عقود من التردد والمساومات، إلى تسمية الأشياء بأسمائها.
لقد حاولت الحركة الإسلامية السودانية طويلاً أن تختبئ خلف أسماء متعددة؛ حزب، حركة، دعوة، مشروع حضاري، دولة الرسالة. لكنها في جوهرها لم تكن سوى سلطة أيديولوجية مغلقة، قامت منذ انقلاب ١٩٨٩ على فكرة احتكار الحقيقة، وعلى تحويل الدولة إلى أداة في يد تنظيم سري لا يعترف إلا بذاته. ومنذ تلك اللحظة، دخل السودان في تجربة سياسية شديدة القسوة، حيث امتزجت العقيدة بالسلطة، واختلطت الدولة بالتنظيم، وتحوّل الوطن إلى ساحة اختبار لمشروع أيديولوجي لم يكن يرى في المجتمع سوى مادة للتشكيل القسري.
لم يكن العنف كاداة مختارة، في تجربة الإسلاميين السودانيين حادثاً طارئاً، بل جزءاً من بنية المشروع ذاته. فالدولة التي تبدأ انقلابها بتعليق الدستور، وبناء بيوت الأشباح، وإقصاء المجتمع، لا يمكن أن تنتهي إلا إلى العنف المنظم. ولعل مأساة السودان خلال العقود الماضية، من دارفور إلى جبال النوبة إلى الخرطوم نفسها، لم تكن سوى تعبير متكرر عن هذا المنطق السياسي الذي يرى في القوة بديلاً عن الشرعية، وفي الإقصاء بديلاً عن التعدد.
غير أن ما جرى بعد حرب أبريل ٢٠٢٣ كشف الوجه الأخير لهذا المشروع. فحين انهارت الدولة التي صنعها الإسلاميون بأيديهم، لم يتجهوا إلى مراجعة التجربة، بل عادوا إلى السلاح. وهنا خرجت من الظل التشكيلات التي طالما أنكرت الحركة الإسلامية وجودها،؛ كتائب أيديولوجية، ميليشيات عقائدية، وأجنحة مسلحة تحارب باسم الدين، لكنها في الحقيقة تدافع عن بقاء السلطة التي فقدت شرعيتها منذ زمن بعيد.
ولذلك لم يكن مفاجئاً أن تشير واشنطن إلى أن هذه الجماعات تستخدم العنف غير المقيد ضد المدنيين وتقوّض أي مسار لإنهاء الحرب. فالعالم، الذي ظل لسنوات يتعامل مع الإسلاميين السودانيين باعتبارهم طرفاً سياسياً تقليدياً، بدأ أخيراً يدرك أن المسألة ليست مجرد حزب سياسي، بل شبكة أيديولوجية مسلحة تشكلت داخل الدولة نفسها، واستمدت قوتها من اختلاط الأمن بالعقيدة، والجيش بالتنظيم.
لكن الأهمية الحقيقية لهذا القرار لا تكمن فقط في البعد القانوني للتصنيف، بل في معناه السياسي العميق. فحين تُدرج دولة كبرى تنظيماً ما ضمن منظومة الإرهاب الدولي، فإنها لا تعاقب مجموعة بعينها فحسب، بل تعلن أيضاً أن هذا المشروع فقد شرعيته في النظام الدولي المعاصر. وهذا بالضبط ما حدث اليوم للحركة الإسلامية السودانية؛ فقد انتقلت، في نظر العالم، من كونها لاعباً سياسياً مثيراً للجدل إلى كونها مشكلة أمنية عابرة للحدود. وقد جاءت تصريحات مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، لتكشف بوضوح الإطار الاستراتيجي الذي تنظر من خلاله واشنطن إلى القرار. فالرجل لم يضع الخطوة في سياق الأزمة السودانية وحدها، بل ربطها مباشرة بما سماه مواجهة “النفوذ الإيراني”. وهذا التعبير يكشف أن الولايات المتحدة لا تقرأ الحرب في السودان باعتبارها نزاعاً داخلياً فحسب، بل كجزء من شبكة أوسع من التنافس الجيوسياسي في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي.
وبهذا المعنى يصبح التصنيف أداة ضمن منظومة الضغط الاستراتيجي التي تستخدمها واشنطن، من العقوبات المالية إلى العزلة السياسية، لإضعاف أي بنية تنظيمية ترى أنها توفر غطاءً لامتدادات إقليمية مرتبطة بإيران أو بغيرها من القوى المناوئة لمصالحها. وفي الوقت نفسه، فإن دعوة بولس إلى هدنة إنسانية ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات تحمل رسالة مزدوجة؛ أن واشنطن لن تتعامل مع الحرب السودانية بوصفها صراعاً مشروعاً على السلطة، وأن الطريق إلى أي تسوية سياسية لن يكون مفتوحاً أمام القوى المرتبطة بتنظيمات أُدرجت في منظومة الإرهاب الدولي.
ومن هنا يصبح مفهوماً لماذا قد يكون هذا القرار أخطر تحول سياسي في الحرب السودانية منذ اندلاعها. فهذه الحرب ظلت تُقدَّم في كثير من السرديات الدولية بوصفها صراعاً بين قوتين عسكريتين داخل الدولة؛ الجيش وقوات الدعم السريع . غير أن التصنيف الجديد يفتح باباً مختلفاً تماماً لفهم طبيعة الصراع، إذ يضع أحد المكونات الأيديولوجية الفاعلة في هذه الحرب داخل دائرة الإرهاب الدولي. وبذلك لم تعد الحرب تُقرأ فقط كصراع على السلطة، بل كجزء من شبكة أوسع من التنظيمات المسلحة والأيديولوجية التي تهدد الاستقرار الإقليمي. فحين يتغير تعريف المشكلة، تتغير بالضرورة أدوات التعامل معها. وإذا ترسخت في العواصم الكبرى فكرة أن جزءاً من القوة السياسية والعسكرية المؤثرة في المشهد السوداني مرتبط بتنظيم مصنف إرهابياً، فإن ذلك سيؤثر مباشرة على طريقة تعامل المجتمع الدولي مع السلطة القائمة، ومع مسار التفاوض، ومع مستقبل الدولة السودانية نفسها.
أما بالنسبة للجيش السوداني، فإن القرار يضع المؤسسة العسكرية أمام معضلة سياسية وأخلاقية شديدة التعقيد. فقيادة الجيش الحالية تضم شخصيات ارتبطت تاريخياً بالحركة الإسلامية التي حكمت البلاد منذ انقلاب ١٩٨٩. ولذلك فإن تصنيف الجماعة كتنظيم إرهابي يضع القيادة العسكرية أمام خيارين لا ثالث لهما؛ إما النأي بالمؤسسة العسكرية عن ذلك الإرث التنظيمي، عبر تفكيك شبكات النفوذ الأيديولوجي داخل الجيش وإعادة تقديمه كجيش وطني مستقل، وإما الاستمرار في العلاقة العضوية القديمة مع التيار الإسلامي، وهو خيار يحمل مخاطر كبيرة في البيئة الدولية الجديدة.
ففي عالم تحكمه منظومات مكافحة الإرهاب العابرة للحدود، فإن أي مؤسسة عسكرية يُنظر إليها باعتبارها مظلة أو حليفاً لتنظيم مصنف إرهابياً قد تجد نفسها تدريجياً تحت ضغط دبلوماسي واقتصادي متزايد، بل وربما تحت طائلة العقوبات والعزلة الدولية. ومن هنا فإن رد الفعل الحقيقي داخل الجيش لن يكون بياناً سياسياً، بل صراعاً صامتاً بين تيارين؛ تيار يدرك أن بقاء المؤسسة العسكرية يقتضي فك الارتباط مع المشروع الأيديولوجي القديم، وتيار يرى في تلك اللحظة تهديداً مباشراً لنفوذه الذي تشكل داخل الدولة طوال ثلاثة عقود.
أما على الصعيد الإقليمي والدولي، فقد جاء صدى القرار سريعاً وكاشفاً لطبيعة التحولات الجارية في النظرة إلى الأزمة السودانية. فالعواصم التي خاضت طوال العقد الماضي صراعاً مفتوحاً مع تنظيمات الإسلام السياسي قرأت الخطوة الأمريكية بوصفها تصحيحاً متأخراً لمسار طويل من التساهل الدولي مع مشروع أيديولوجي أثبتت التجارب أنه لا يتعايش مع الدولة الحديثة. وفي المقابل، لم يخفِ خصوم القرار في بعض الأوساط الإسلامية والإعلامية القريبة من الجماعة رفضهم له، واعتبروه جزءاً من صراع سياسي إقليمي يتجاوز السودان نفسه. غير أن الأهم في ردود الفعل لم يكن الضجيج الإعلامي، بل الصمت الحذر في مؤسسات دولية كبرى مثل الإتحاد الأوروبي ومجلس الامن. فهذا الصمت، في العادة، يعني انتظار تشكل موقف دولي أوسع داخل منظومة مكافحة الإرهاب العالمية. والتجربة السياسية المعاصرة تعلمنا أن القرارات الأمريكية في هذا المجال نادراً ما تبقى معزولة؛ إذ سرعان ما تتحول إلى مرجعية قانونية وأمنية تتبناها شبكات دولية أوسع، تبدأ بتقييد حركة التنظيمات وتمويلها وتنتهي بإعادة رسم موقعها في النظام الدولي.
أما إقليمياً ودولياً، فإن ما ينتظر الجماعة بعد هذا القرار يتجاوز حدود السودان بكثير. فالتصنيف لا يبقى محصوراً داخل النظام القانوني الأمريكي، بل يتحول عادة إلى مرجعية تتبناها مؤسسات دولية عديدة وشبكات مكافحة تمويل الإرهاب. وهذا يعني عملياً مرحلة من التضييق المالي والسياسي غير المسبوق؛ تجفيف تدريجي لمصادر التمويل، مراقبة صارمة للحوالات والشركات المرتبطة بها، تضييق في حركة القيادات بين الدول، وازدياد الضغط على الحكومات التي كانت تسمح لها بالتحرك أو العمل السياسي. وفي عالم ما بعد الحادي عشر من سبتمبر، حيث أصبحت منظومة مكافحة الإرهاب شبكة دولية مترابطة، فإن أي تنظيم يُدفع إلى هذه الدائرة يجد نفسه معزولاً تدريجياً، ليس فقط عن المؤسسات الرسمية للدول، بل حتى عن المجال العام الذي كان يتحرك فيه سابقاً تحت عناوين السياسة أو الدعوة. وبذلك تدخل الجماعة طوراً جديداً من تاريخها؛ طور الانكماش الدولي، حيث تتحول من لاعب سياسي يسعى إلى السلطة إلى تنظيم مطارد يحاول الحفاظ على ما تبقى من شبكاته ونفوذه.
ومع ذلك، فإن الخطأ الأكبر سيكون الاعتقاد بأن قراراً دولياً، مهما كان قوياً، قادر وحده على إنهاء الأزمة السودانية. فالتاريخ يعلمنا أن الأيديولوجيات لا تموت بقرار إداري، بل حين يفقد المجتمع ثقته بها. لقد سقطت الفاشية في أوروبا لا لأن الحلفاء هزموها عسكرياً فقط، بل لأن الشعوب الأوروبية نفسها أدركت الكارثة التي قادتها إليها تلك الأيديولوجيا. وسقطت أنظمة شمولية كثيرة في القرن العشرين حين اكتشف المجتمع أن الدولة التي وعدته بالخلاص لم تمنحه سوى الخوف والفقر. والسودان اليوم يقف أمام لحظة مشابهة. فهذه الحرب المدمرة لم تكن مجرد صراع بين جنرالين، كما حاول البعض تبسيطها، بل انفجاراً تاريخياً لنظام كامل عاش على احتكار السلطة وتفكيك المجتمع. ومن هنا فإن تصنيف الحركة الإسلامية اليوم ليس سوى إشارة دولية إلى ما أدركه السودانيون منذ سنوات؛ أن المشروع الذي حكم البلاد باسم الدين انتهى عملياً إلى دولة بلا دولة، وجيش بلا عقيدة وطنية، ومجتمع ممزق بين الخوف والهجرة.
غير أن التاريخ لا يقف عند لحظة السقوط. فالأمم، مهما بلغت مآسيها، قادرة على إعادة بناء نفسها حين تستعيد فكرة الدولة بوصفها عقداً بين المواطنين لا غنيمة بيد تنظيم. والسودان، الذي أنجب ثورة ديسمبر بكل ما حملته من حلم مدني، لا يزال يمتلك في أعماقه تلك القدرة على النهوض. فإن سقوط الأيديولوجيات ليس نهاية التاريخ، بل بدايته. وما حدث اليوم قد يكون أحد المؤشرات الأولى على أن السودان بدأ أخيراً يخرج من ظل تلك الحقبة الطويلة التي حكمته فيها التنظيمات السرية أكثر مما حكمته الدولة. فالأوطان لا تُبنى بالبيانات العقائدية، ولا تحميها الميليشيات الأيديولوجية. الأوطان تُبنى حين يدرك المجتمع أن الدولة ليست ملكاً لفكرة واحدة، ولا لحزب واحد، ولا لجنرال واحد، بل هي ملك لمواطنيها جميعاً.
وحين يصل السودان إلى هذه الحقيقة البسيطة، التي دفعت شعوب كثيرة أثماناً باهظة لاكتشافها، فإن صفحة كاملة من تاريخه ستُطوى، لا بقرار خارجي، بل بوعي داخلي يستعيد الوطن من قبضة الأيديولوجيا إلى رحابة السياسة.
أما إذا ضاعت هذه الفرصة أيضاً، فإن التاريخ سيضيف فصلاً آخر إلى سجل الفرص التي مرت بالسودان ولم تجد من يلتقطها.
khirawi@hotmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم