أستاذي علي عزت بيغوفيتش: أن نكفر بإله المجتمع (1-3) .. بقلم: محمود المعتصم
سأحاول أن أحكي عن تجربتي مع مفكّر أعتقد أنه يمثّل هذه البداية. سأبدأ أولاً بتقديم نتاج تجربتي مع الأصولية، ثم في الجزء الثاني سأتطرق إلى الأفق الفني والفكري الذي فتحه علي عزّت أمامي، سأختم بمقال عن الحرية الجذرية التي يمثل علي عزت إحدى البدايات الممكنة لها كذلك.
كل شيء بدأ بالصدفة. أعتقد أنني كنت قد بلغت العشرين من عمري للتو، لا أذكر جيّداً، إلا أن الحياة كانت قد تفتّحت أمامي لأول مرة: عرفت ما هو الحب، وأردت أن أصبح شيئاً ما. وفي أزمة عدم تمكني من التأقلم مع الدور الذي كان يجب أن أتأقلم معه، في أن أكون طبيباً، ظهر لي لوهلة أن كل شيء في هذه الحياة ممكن. عليّ فقط أن أقرأ عن الأشخاص الجيدين. ذهبت لـ«الدار السودانية للكتب»، وبرفقتي إنسان كان قد أكمل لتوّه تغيير حياتي إلى الأبد. وبينما كنت أبحث في الرفوف، وقعت عيني على اسم كتاب «هروبي إلى الحرية»… كل شيء بعدها أصبح واضحاً: لا يمكنني إلا أن أقرأ هذا الكتاب.
لكن كيف تضمن «الأصولية» لبعض الفئات في المجتمع أن تحافظ على مواقع «القوّة» لمصلحتها؟ إذا أخذنا مجتمعنا السوداني كمثال، فإنه يمكن الإشارة لمراكز القوّة بذكر أربع «رموز» اجتماعية: الذكر (الرجل كصاحب قوة على المرأة)، والسياسي (الدولة كآلة هيمنة على الناس)، والرأسمالي (الطبقة التي تعمل على تركيز الثروة بأخذها من عامة الناس)، والشمالي (النخب النيلية التي تستعلي ثقافياً على أهل الهوامش في الغرب والجنوب، وبالتالي تكسب امتياز قوة ثقافي كفرض لغتها على بقية الناس مثلاً).
على سبيل المثال، في الولايات المتحدة هنالك طائفة دينية أصولية تدعى طائفة «الآميش». تعيش هذه الطائفة خارج المجتمع الأميركي بالكامل، في قرى متخلفة بكل ما للكلمة من معنى. هذه الطائفة لا تستعمل إلا الحد الأدنى من التكنولوجيا، وتعيش كأسر تقليدية جداً، حيث ينجب عدد كبير من الأطفال، ويكون للرجل سيطرة كاملة. لهذه الطائفة «طقس» غريب جداً، تسمح للشباب اليافعين بأن يخرجوا منها لفترة محدودة ليعيشوا الحياة الأميركية العادية، وبعد نهاية هذه الفترة يقرر الشاب إذا ما أراد المواصلة «كآميش» مدى الحياة أو أراد الخروج. الآن، أعتقد أنه أصبح من السهل للقارئ أن يتوقع النتيجة: يختار جميع الشباب، تقريباً، المواصلة داخل الطائفة. ما يكتشفه شباب «الآميش»، أننا نعيش في مجتمع يصعب فيه أن تكون «حرّاً».
لا توجد تعليقات
