بقلم د. طبيب عبدالمنعم عبدالمحمود العربي
مقدمة:
هذه الحرب اللعينة القائمة ناهيك عن ما فعلته من خراب البنية التحتية قد أثرت سلبياتها على كل سوداني “أطفالا ، نساءً ورجالا” داخل وخارج الوطن. آثارها النفسية والاجتماعية والمادية على المواطنين لا حدود لها. فجل السودانيين حسب خبرتي المهنية الإنسانية ، يحتاجون اليوم إلى دعم معنوي ومالي بل حتى العلاج الطبي من إختصاصيي الأمراض النفسية والعقلية . تقرير عن الأمم المتحدة أن إثنين من كل ثلاثة سودانيين يحتاجون إلى عون. للأسف بعض السلوكيات السلبية التي ظهرت فيديوهاتها و كتب كثيرون عنها أو ذكرت في مواقع التواصل الإجتماعي هي بدون أدنى شك من تأثير هذه الحرب المؤلمة وجائرة. إنها لا تليق بسودانويتنا ومثل ديننا وعاداتنا وتقاليدنا الرائعة
عودة للعنوان أعلاه :
قبل ثورة العلم الرقمية وتطور وسائل التواصل الإجتماعي الذي نستمتع به اليوم على نطاق العالم كان تواصلنا مع الآخرين المباشر قد تم عبر التيليفون والتليغراف والإستماع إلى الراديو وعبر الرسائل الصوتية أو الرسائل المكتوبة بخط اليد عبر البريد. وأنا في المراحل المتوسطة والثانوية كنت أتابع عبر الراديو إرسال برامج الإذاعة البريطانية من لندن وكانت تصلني بإنتظام عبر البريد مجلة هنا لندن. كان من ضمن برنامج ندوة المستمعين فقرة لأصدقاء التواصل الإجتماعي والتعرف عن طريق القلم. Pen friends عبر ذلك البرنامج وأصدقائه من جميع الدول العربية . هكذا تكونت لي صداقات مع من كانوا في عمري من الأردن والبحرين والكويت . وكنا نتراسل ونتبادل الصور وتعلمنا من بعضنا كثيرا بل تبادلنا حتى كروت التهاني بالأعياد زمن البريد الجميل المنظم المضمون لا فرق مصدره إن كان داخل السودان أو من بلاد بعيدة فهو بدقة متناهية يحمل ويستقبل رسائل البريد والطرود عبر قارات العالم. كنا نحتفل بوصول تلك الرسائل، رسمية أو خلافها، نعيد قراءتها، بل نحتفظ بها لنعود لمراجعتها، وإذا احتاجت رداً فدائما ما يكون بعد تريث وتفكير في اختيار ما يناسب الموضوع وأسلوب الكاتب . التواد والتراحم كان أكثر شيوعا في ذلك الزمن مقارنة بما أفرزته لنا حضارة اليوم من عنف وكراهة سادت.
اليوم نحن ننعم في عصر النهضة الجديدة بحدوث الثورة الخوارزمية التي صارت فوائدها علينا مثل أوكسجين الحياة الذي نتنفسه. “نغم الحياة” المتسارع أستفاد من سرعة الحاسوب الذي صار يصحبنا في أيدينا في هيئة الموبايل الصغير فسهل لنا الكثير من صعوبات الحياة ووسائل حلها. من ضمن هذه التطبيقات وسائل التعلم والبيع والشراء ولوازم السياحة و السفر والتواصل الإجتماعي بمختلف أنواعها مثل الواتس ساب والفيس بوك والإنستغرام واليوتيوب وتويتر ومنصات البحوث والمواقع الإلكترونية بكل ما تحتويه من كم هائل من المعلومات التي تهم البشرية.
الخوارزميات والجراح: بالرغم من هذه التكنولوجيا المتاحة لماذا نختلف و لم نعد نفهم بعضنا البعض؟
هذا سؤال مهم للغاية يجب على كل عاقل التفكر فيه.
موضوعي هنا يخص جزئية “تبادل التواصل” عبر الواتساب أو الإيميل أو الصحافة الرقمية وتداعياتها الإجتماعية التي نلاحظها تزدحم بها قنوات اليوتيوب أو أطروحات بعض الصحف الرقمية. الملاحظ أن تبادل الرأي والرأي الآخر كثيرا ما يؤدي إلي سوء الفهم الذي ينتهي بما يؤسف له من غضب وعنف من البعض تجاه الآخرين والأسباب في هذا المجال تتعدد. منها بل أهمها في إعتقادي الشخصي “السرعة” وعدم التركيز لفهم محتوى الموضوع أو الكتاب أو النقاش ثم التأني في تحليله كلمة كلمة و من ثم الخوض في معناه لكي يتم الوصول إلى المقصد الحقيقي من وراء ما كتب . هذا التأني ومراجعة أي نص بالتروي يجنب الإنسان من كبوة الإسراع في إتخاذ رد لا يليق في معناه أو مضمونه فيثبته حقيقة لا وجود لها أصلا . التسرع بإرسال “طلقة رصاص في الحلق” لا يليق بمكانة وثقافة المتحاورين وخبرتهم العلمية من مؤسسات علمية محترمة أو حتى من مدرسة الحياة العريضة المتاحة للجميع من الذين لهم عقل يفهم ويفكر ويخطط ويقرر. صحيح رغم أن المتحاورين قد يتكلمون ويكتبون بنفس اللغة وهي لغتهم الأم لكن برغم ذلك قد يقع سوء الفهم وهكذا يتم الخلاف والشجارات اللفظية التي لا تليق. ايضا العقد النفسية المبنية على خلفية إثنية وعرقية وجهوية أو دينية وغيرها من حزبية السياسة التي تفرق، كلها قد تشعل نار الخلافات من تحت الرماد وإن كانت تبدو ساكنة. عدم الفهم نتيجة التسرع هو المشكلة الأساسية في نظري miscommunication and misunderstanding التي تظل متلازمة يصعب علاجها “حتى في أرقى المستشفيات”
تبادل الآراء في حد ذاته حق مشروع والمفروض أن يكون ظاهرة صحية إذا حسنت النيات و أساليب التعبير ، لكن بيئة الوسائل الاجتماعية غالباً ما تحوّله إلى ساحة صراع لأسباب كثيرة أمثلة منها :
- طبيعة التصميم الخوارزمي
كما نشاهده في عناوين وشكل قنوات اليوتيوب والتيكتوك. الخوارزميات مصممة لتعزيز المحتوى المثير (الغضب، الصدمة، الجدل، الدعاية ) لأنه يحقق أعلى تفاعل حتى وإن كان المحتوى للأسف من النوع الهابط في محتواه ومعناه
الخوارزمية تخلق “غرف الصدى” حيث يرى المستخدم فقط الآراء الموافقة لرأيه فيعتقد أن رأيه هو “الحقيقة المطلقة” وأن الرأي الآخر نوع من الشذوذ
غياب سياق الكلام. 2
أعني بذلك الحوار المباشر وجهًا لوجه، لأننا نرى تعبيرات الوجه، نبرة الصوت، لغة الجسد التعبيرية التي تنقل حرارة وصدق المشاعر والنوايا. في الوسائل الاجتماعية بتعليقاتها المكتوبة ، يُفقد هذا السياق، فيُقرأ التعليق البريء حتى و إن كان صادقا على أنه هجوم، وتُفقد النبرة المرحة أو المتسائلة
ديناميكية الجمهور .3
عندما يتم الحديث مع شخص ما في الخاص، فالهدف هو الفهم والوصول للحقيقة. و عندما يكون الحوار “علناً ” أمام آلاف المتابعين، فالهدف قد يصبح “الفوز” في النقاش، أو حماية الصورة العامة، وإحراج الخصم وليس بالضرورة في بعض الأحيان البحث عن الحقيقة. فالكرامة و السمعة تصبح هي خط أحمر (تجربة برنامج الإتجاه المعاكس على قناة الجزيرة، مثلا).
. الإستقطاب والهوية 4
على مر التاريخ الآراء التي لها قيمة لم تعد مجرد أفكار تموت حبراً على ورق، بل أصبحت جزءًا من الهوية الشخصية (الهوية الليبرالية، المحافظة، الدينية، إلخ)· انتقاد الرأي قد يُفسر على أنه هجوم على الهوية والجماعة التي ينتمي إليها الشخص المعني ، مما يثير ردود فعل عاطفية وعنيفة
السرعة وعدم التروي 5.
الطبيعة السريعة للمنصات لا تشجع على التفكير المتعمق. يتم التفاعل بسرعة رد فعل عاطفي، بدلاً من أخذ وقت كافي للتفكر والتأمل ثم الرد بطريقة عقلانية. مرة أخرى بدلا من أن يكون ذلك التطور الرقمي وسيطًا للتفاهم السليم ، تتحول منصات التواصل فيه إلى ساحة معركة حيث يكون:
· التفكير الثنائي المحدد (أبيض/أسود) يسود، ولا مكان للتفاصيل أو المنطقة الرمادية
· التشهير والاستقطاب بدلاً من الحوار البناء
الغضب يصبح العملة السائدة للتفاعل.
المشكلة ليست في “تبادل الآراء” بحد ذاتها إن كانت صالحة للنقاش ، بل كما أسلفت في البيئة السامة التي صممتها وسائل التواصل الاجتماعي، والتي تشجع على الصراع بدلاً من الفهم. الحوار الحقيقي يتطلب مساحة آمنة، واستماعًا حقيقيًا، ونية للتفاهم وليس للانتصار وهذه كلها أشياء تفتقر إليها كثير من منصات التواصل في شكلها
عودة إلى “سوء الفهم” (Miscommunication) و “سوء التفسير” (Misinterpretation) هما القلب النابض في خلق كل هذه الصراعات. فالمشكلة ليست فقط في اختلاف الآراء، بل كما ذكرت في الآلية المعطلة التي نتواصل من خلالها رغم إيماننا بأن لغتنا واحدة وثقافتنا واحدة وديننا واحدا .
مزيدا من التوضيح في هذا السياق يجدر أن لا ننسي حقائق نعيشها أو مؤثرات أخري:
- الوهم البصري في التواصل (The Illusion of Communication):
نحن نعتقد أننا نتواصل بوضوح لأننا نستخدم نفس الكلمات، لكننا ننسى أن كل واحد منا في كثير من الأحيان يربط هذه الكلمات بمكتبة كاملة من التجارب الشخصية، الثقافة، التاريخ، والآلام الخاصة به.
كلمة مثل “حرية” أو “عدالة” أو “تقاليد” قد تحمل معاني مختلفة تماماً لدى شخص نشأ في بيئة محافظة عنها لدى شخص نشأ في بيئة ليبرالية. الجميع يتصارع على تعريف المفردات نفسها. - العبء النفسي غير المرئي (The Invisible Emomtional Burden ):
هنا لابد من ذكر نقطة في غاية الأهمية: “العقد النفسية المبنيّة على خلفية إثنية وعرقية وجهوية”. هذه العقد هي المرشحات (Filters) التي نرى من خلالها كلام الطرف الآخر. فعندما يكتب شخص ما تعليقاً، فهو يكتب من خلال مرشح تجاربه. وعندما نقرأ نحن ذلك التعليق، نستقبله من خلال مرشح تجاربنا. النتيجة غالباً هي حوار بين شخصين غير مرئيين هما “الأنا المتورمة” لكل منا. - الجرح والهوية (Wound & Identity):
كثير من النقاشات نجدها ليست نقاشاً حول الفكرة ذاتها، بل هي رد فعل ربما يكون مبنيا على جرح قديم. مثلا النقاش حول سياسة ما قد يتحول سريعاً إلى اتهامات لأن أحد الطرفين يشعر أن الطرف الآخر “لا يحترم” تاريخه أو معاناته “سيناريوهات التهميش عندنا في مناطق من السودان ” أو إن لم تكن معنا فأنت لست منا وأنت عدونا . الخطورة الكبرى في عدم الفهم أن يترجم “انتقاد الرأي” كما عندنا في السودان ودول مجاورة على أنه “هجوم على الهوية”. عندما تصبح الأفكار جزءاً من هويتنا، يصبح انتقادها كأنه انتقاد لوجودنا. في هذه الحالة للأسف لا غرابة أن يتحارب أبناء الوطن الواحد مع بعضهم البعض ليس فقط بالكلام بل بالسلاح القاتل ومدمر، ونار الحرب القائمة اليوم قد أشعلتها الحرب الكلامية
الحل ليس في أن يتفق كل الجميع في موضوع نقاش حر، بل في الآتي:
فن الفهم أولا وليس فن التهجم، أو أنا الأفضل . الإختلاف ربما يكون ظاهرة صحية لتبنى سبل الإصلاح
التمهل كما قلت، السرعة وعدم التركيز لفهم المقصود ” هي العدو”. نحتاج إلى “تمهل تفسيري” نقرأ فيه الكلمة ثم نتساءل: “ماذا قصد هذا الشخص حقاً؟ ما المعنى المحتمل الذي أراه أنا؟ وهل أنا على صواب أم هو “
جعل مساحة للفضول وحسن النية “بدلاً من الاتهام” هي كالمصل الوقائي ضد الفيروس القاتل ، مثلا في تحويل النقاش من “كيف تجرؤ على قول هذا؟” إلى “لماذا” ياترى يخاطبنا هذا الشخص بهذه الطريقة؟ ماذا مرّت به من تجارب ودروس حتى وصل إلى هذه القناعة أو هذا الطرح؟.
الاعتراف بإنسانية ومكانة الطرف الآخر: لابد أن نتذكّر أن هناك من على البعد إنساناً حقيقياً behind the screen، لديه مكانته، أحلامه، مشاعره، مخاوفه، وجروحه فلنتحاور معه إلتزاما بأدب الخطاب .
المختصر في مجمل القول: حقيقة المشكلة كما أسلفت ليست في الاختلاف فقط الذي هو حق مشروع ، بل في البيئة السامة كما سبق ذكر ذلك و الآلية المعطلة للتواصل بها كما يجب. علينا أن نعلم أن التكنولوجيا المتاحة هي أداة، وقيمتنا تكمن في كيف نستخدمها و أكرر”عدم الفهم” نتيجة التسرع هو الجمرة الخفية تحت رماد الصمت التي تشعل ناراً ، فالحوار المثالي هو الذي ينبني على كيف ما يمكن أن يكون تبادل الآراء ثرياً مفيداً للطرفين عندما يكون النقاش بهدوء، ورغبة حقيقية في الفهم والإستفادة العلمية أو الشخصية من تجارب الآخرين. علينا أن ننتقل بأنفسنا من ثقافة “الفوز” في النقاش إلى ثقافة “الفهم”، فالحقيقة ليست ملكًا لأحد، لكن طريقة حوارنا هي التي تمثل قيمتنا الإنسانية. لا لأنا أفضل منك. لا يصح مثلاً بتر قدّم معطوبة “بالقدوم؛، الأولى أن تحال إلى طبيب “الحكيم” المختصّ “الجراح” الذي يعرف واجبات وحدود متطلبات مهنته.
تحياتي
ملحوظة؛ قديما كتبت على سودانايل “الواتساب رغم فوائده سلاح ذو حدين”، ومنذ تسعة سنوات أغلقت حسابي
©Alarabi AA & Sudanile 14/11/ 2025
aa76@me.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم