أقرب إلى القلب :
jamalim@yahoo.com
(1)
الرائي لمشهد العلاقات “السودانية الشمالية” / “السودانية الجنوبية” ، سيرى أيّ خلطٍ آلت إليه أوراق العلاقات بينهما، ناهيك عن ملفاتها والتي توصف عادة بأنها عالقة أوشائكة أوملتبسة. لعلّ السودان وقبل أن يتبدل حاله بعد استفتاء جنوب السودان، كان مصنفاً كحالة مرضية استعصت أدواؤها لعقود خلتْ ، وكان الظنّ أن الانفصال الذي وقع في يوليو 2011، سيكون النقطة الأخيرة ، بعدها سطر جديد يكتبه السودان الشمالي بقلم ، وبسطر مختلف وسيكتبه السودان الجنوبي بقلم آخر مختلف .
يتفق المحللون في النظر الموضوعي أن هذه ملفات جرى تجاوزها واستعجل الطرفان بعدها، القفز إلى إجراء الإستفتاء التزاماً بما قررته اتفاقية السلام الشامل، وكأن المقررات كلاما جاء وحياً من السماء ، لا يقبل مراجعة ولا تعديلا . مصائر الأمم لا تعالج بعجلة واستسهال بل وبإهمال، بمثل ما رأينا . إن الفترة التي استغرقها إعداد السودان بكامله للإستقلال كانت بطول فترة الحكم الثنائي بكامله ، إلى أن انتهت بما يعرف بـ”الاتفاق بين الحكومة المصرية وحكومة المملكة المتحدة لبريطانيا العظمى وشمال ايرلندا بشأن الحكم الذاتي وتقرير المصير للسودان” الذي أعد في 12 فبراير 1953. وبموجب ذلك الاتفاق أصدر الحاكم العام البريطاني “روبرت هاو” في 21 مارس 1953 ، قانون الحكم الذاتي الذي وضع الهيكل الأساسي الذي قامت عليه مؤسسات الدولة السودانية إلى ما بعد الإستقلال، بأجهزتها التنفيذية والقضائية والتشريعية . لم تكن المعالجة قسراً وابتسارا ، أو كما نقول في عاميتنا “أخنق فطّس”، وهو ما أراه الوصف الأصدق لما جرى وأفضى بمصائر البلاد إلى انشاء دولتين تتصارعان ، عِوض أن تستبصرا نعم التنوّع الذي حبانا به الرب في ثقافاتنا وألسنتنا وسحناتنا . حتى الطبيعة التي أعطتنا نعمة نهرين من أعظم أنهار الكون : النيل الأزرق والنيل الأبيض، لم نفطن لحكمتها، ولم نعِ درس تنوّع الطبيعة وحضارة وادي النيل قامت على سقيا هذين النهرين. .
( 2 )
انتهى المشهد إذاً إلى قيام دولتين ، ولكن ما نراه الآن يقف شاهداً يؤكد فشلاً في إدارة العلاقات بينهما، والاثنان يتحملان قدراً متساوياً من المسئولية في ذلك، يرغم وجود محرّضين حفلَ بهم المشهد. غير أنّ للخرطوم نصيباً كبيراً بلا شك، إذا جنحنا للتقييم المؤسسي للطرفين، فأحدهما تجاوز عمر بنيته الستين عاما والثاني يؤسس دولة لم يتجاوز عمرها العام بعد.
ولأن الثقة تبتنى وتتماسك بإرادة الطرفين، فإن جسورها ملأى بثقوب خلفتها ممارسات ما قبل نيفاشا، وأيضا بعد نيفاشا.
1/ لم تكن حكومة الوحدة الوطنية التي أفرزتها اتفاقية السلام الشامل (2005)، إلا عنقاء مغربِ، فهي إسمٌ ولافتة لشيء غائب ولم يحسّ بفعاليته ولا بوجوده أهلنا في البلدين. . !
2/ لم تنفذ كافة بنود الاتفاق بجدية مطلوبة ، فالمفوضيات التي نصَّتْ الاتفاقية على تأسيسها، تباطأ الطرفان في تشكيلها . يكفي أن نسمع أن مفوضيتي حقوق الإنسان والخدمة المدنية ، شكلتا بعد انقضاء أجل اتفاقية السلام الشامل بشهور عديدة . والتزاما بما ورد في اتفاقية السلام الشامل لعام 2005 ، فقد تضمن الدستور الانتقالي نصوص إنشاء مفوضية الخدمة المدنية، والتي من أولى مهامها أن تراعي تخصيص ما نسبته 20% أو أكثر، من الوظائف القيادية في الدولة لمواطني جنوب السودان، وذلك خلال الثلاثة أعوام الأولى من بدء تنفيذ الاتفاقية. ونعرف جميعا أنه لم يتحقق شيء من ذلك إلى تاريخ قيام الاستفتاء في يناير 2011. أما مفوضية حقوق الانسان، فقد شكلتها الخرطوم بعد قيام دولة السودان الجنوبي بستة أشهر، وجرى تشكيل مفوضية الخدمة المدنيـة قبلهـا بقليل .
3/ فيما كان المتوقع والمأمول، أن تجري معالجة القضايا العالقة – بغضِّ النظر عن مآلات الاستفتاء- تحت مظلة حكومة الوحدة الوطنية، وهي السلطة التنفيذية التي تملك أن تشكل اللجان الفنية للبت في هذه الملفات، وهي تحديداً وحسبما ورد في نصوص قانون الإستفتاء لجنوب السودان (2009)، عشرة ملفات هيَ :
( أ) الجنسية
( ب) العملة
(جـ) الخدمة العامة
(د ) وضع الوحدات المشتركة المدمجة والأمن الوطني والمخابرات
( هـ) الاتفاقيات والمعاهدات الدولية
( و) الأصول والديون
( ز) حقول النفط وانتاجه وترحيله وتصديره
( حـ) العقود والبيئة في حقول النفط
( ط) المياه
( ي) الملكية
(ك) أي مسائل أخرى يتفق عليها الطرفان.
4/ ها نحن وقد قامت دولة منفصلة مستقلة في الجنوب ، نشاهد الملفات العالقة معلقة تمد لسانها باتجاه الجميع ، وبمن فيهم أولئك الذين مهروا توقيعاتهم شهوداً على اتفاقية السلام الشامل، من منظمات دولية ودول ذات بأسٍ في مجلس الأمن ، وتُرك الأمر لرجل دولة سابق لا تسنده مرجعيات قوية تعطي لوساطته بين الطرفين وزناً مطلوبا، يمكنه من اختراق التنازع المستمر حـول الملفات العشـرة العالقة . ذلكم هو الرّجل الطيّب “تابو مبيكي” .
( 3 )
من المَشاهد المُحزنة في الساحة السياسية في الخرطوم هذه الآونة، أن ترى القائمين على أمر البلاد يرتبكون ارتباكاً كبيراً إزاء معضلة العلاقات السودانية الأمريكية . مضى عقدان من الزمان ونحن ندلف إلى العقد الثالث، ولكنا ما زلنا نستجهل دور المعاقل التي تتبلور عبرها القرارات والمواقف الأمريكية، وما للإنتخابات من تأثير بالغ على بقاء الرئيس الأمريكي : أيبقى رئيسا يجدد له لفترة ثانية أم يذهب ؟
ثمّ الكونجرس بمجلسي شيوخه ونوابه : هل تلين مواقفه تجاه البيت الأبيض أم تتحرك الضغوط باتجاهات معارضة ، ؟
ثم هنالك جماعات الضغط الرسمي في وزارة الدفاع ، وفي وزارة الخارجية، وفي أجهزة المخابرات بأذرعها المتعددة والمتصارعة، هل تتفهّم تعقيدات أحوال الصراع السوداني مع تباين منطلقاتها ، إذ فيها من يرى السودان من زاوية محاربة الإرهاب الدولي ، ومنها من يراه من زاوية انتهاكات حقوق الإنسان والحريات ، ومنها من لا يرى غير “إبادة جماعية ” في دارفور يجتهد للعمل على “إنقاذ” أهل دارفور منها ؟
وأيضاً جماعات الضغط غير الرسمي، فيما الانتخابات تلوح في الأفق، والجمهوريون يتحفزون للإنقضاض، والديموقراطيون يلهثون للحفاظ على الغنيمة : من يحرك جماعات الضغط غير الرسمي هذه، ومن يشدّ المهاميز على ظهور خيولهــا ، ومن يفتح أبواب المشهد على مصارعه للبارعين في التمثيل أبطال الشاشة الفضية الذين تضيء نجوميتهم في سماء دارفور من أمثال “كلوني”. .؟
أسئلة تبحث ، ليس عن إجابات، بل ربما عن “مؤلف” حصيف. . !
لصديقنا السفير الكبير أحمد عبد الوهاب رأي حول معضلة علاقات السودان مع الولايات المتحدة لا نملك إلا أن نشاركه فيه ، ونقول معه، ما أكثر حاجة الأجهزة الرسمية في الدولة الآن لنصح الناصحين، ولعقل العاقلين، يدفع برصانة الحكمة لا بقعقعة السلاح ، ينطق بالحسنى ولا يهدر بالشِّدة ، إذ البلاد على شفا جرفٍ هار. ولعل من تكرار القول ونافلته، أن نشير إلى أن السودان ما زال في وجدان بنيه ، سواءاً أقاموا هنا أو هناك. افتحوا باب التناصح يا قوم أو الخسران الكبير في المنعطف !
( 4 )
ثم لا يقف المشهد السوداني على لسانٍ واحد ينطق بالرأي حول طبيعة النزاع المسلح والوفاق الأمني بين الدولتين يكتب ثم يمزق كل حين، فيما التنازع يتفاقم حول الملفات العالقة حيال أفق مسدود تماماً، بل إنك تسمع ألسنة شتى تنطق عن أفئدة شتى ، بل وأكثر من ذلك، عن “أجندات” شتى فيما لو فجَرَ حاملوها، فنحن بلا شك إلى خبال مطبق وإلى خسران مبين. وإني، ومن عينٍ حادبة على دبلوماسية أعرفها، أقول يحزنني الذي أرى من استجهالٍ للدبلوماسية السودانية في شأنٍ، أرى وزارة الخارجية، وبحكم الاختصاص وطبيعة الصلاحيات، أحقّ قبل كل الأجهزة والمؤسسات الأخرى بالتصدي لملفاته ، تداولاً ومعالجة وبحثا. سمعتُ وقرأتُ، وقد أنكرتْ أذناي ما سمعتْ وعيناي ما قرأتْ، عن تصريحٍ لرأسٍ من الرؤوس الكبيرة في البرلمان ، ينادي بالصوت الجهير لاستدعاء القائم بأعمال السفارة الأمريكية في الخرطوم ، بغرض استجوابه بأغلظ العبارات عن صبر السودان الذي نفد تجاه الوعود الأمريكية لتطبيع العلاقات مع السودان، وكأني به ينشد إنشاد معتوه خارج الشبكة: “أن أمريكا قد دنا عذابها”. . !
ما أحزنني أكثر، أنّ الرجل لم يستبن دوره ودور السلطة التي يدير جانباً كبيراً منها، أنها “سلطة تشريعية” ولا ينبغي أن يتجاوز برلمانه، تلك الصلاحيات التي عرفتها دساتير الأمم، منذ “مونتسكيو” الفيلسوف الذي قال بذلك قبل نحو ثلاثة قرون، وهي نصوص جاءتْ في بديهيات يعرفها من له أقلّ معرفة بمادة التاريخ أوعلوم السياسة، وتوافقتْ على الفصل بين السلطات الثلاث: التشريعية والقضائية والتنفيذية .
للسلطة التشريعية وفق الدستور، أن تحاسب أوتستجوب سلطتها التنفيذية ممثلة بوزير الخارجية أو من ينوب عنه، في أي شأن يتصل بعلاقات الدولة الخارجية، ولها حقّ سحب الثقة منه أو حتى التوصية بإعفائه، لو ثبت ما يستوجب ذلك. أما القائم بالأعمال الأمريكي فلا يتعامل إلا مع الجهة التي اعتمدته ممثلاً لدولته في الخرطوم، وهي رئاسة الجمهورية نظرياً، ووزارة الخارجية فعلياً. يا برلمان السودان : لك أن تستجوب وزراءك وسفراءك، ولك أن تعفيهم أو حتى تحيلهم للصالح العام، أما السفراء الأجانب فإن حكوماتهم هي التي تستجوبهم أوتحيلهم “للصالح العام”، إن تخيرنا قولاً بلغة يفهمها أهلنا في السودان. . !
( 5 )
حفلتْ الأيام القليلة الماضية بسيولٍ من تصريحات صدرتْ عن مسئولين في وزارة الدفاع وآخرين في وزارة الداخلية، وأيضاً من وزارة الإعلام. وما فات على الناس أن يلاحظوا أن وزارة الخارجية، كانت آخر المصرّحين في شأن التصعيد الذي أوشك أن يفضي إلى حرب طاحنة بين دولتي “السودان الشمالي” و”السودان الجنوبي”. لا يخفى على الجميع، أننا نتحدث عن نزاع بين دولتين، لا نزاع بين شمالٍ وجنوب في بلد واحد. غرابة الأمر أنّ بعض أطراف هنا في الخرطوم وأخرى في جوبا، لم تبرح ذهنيتها ذلك الواقع القديم الذي شهد حرباً أهلية امتدت لعقود طويلة ودامية، وذهب ثلثُ البلد إلى دولة جديدة عاصمتها جوبا . ولن تكون “جوبا مالك عليّا” تبعا لذلك ، محض أغنية على لسان المغنّي الراحل “محمد أحمد عوض”، بل هي شكوى فعلية يرفعها مندوب السودان الدائم في الأمم المتحدة إلى نظر مجلس الأمن بكامل عضويته. . !
دعني أقول على محمل الجدّ: فيما لو استطار الشرُّ واندلعتْ الحرب بين الطرفين، فلن تكون “حرباً أهلية ” بالمواصفات القديمة للحروبات الأهلية التي مرّت بالسودان، ولكنها ستكون “حرباً إقليمية” بين دولتين، وقد يمتد لهيبها ليحرق أطرافاً من دول جوار البلدين. ذلك واقع يستوجب فهماً جديدا لطبيعة الخلافات الماثلة، ومعالجات جديدة لن تقتصر على تحليل عوامل داخلية محضة ، بل ستمتد لتستصحب عوامل تتصل بدول الجوار، ولها تبعاتها على استقرار المنطقة بكاملها. ظلّ الصراع القديم بطبيعته داخل حدود الوطن المعترف بها إقليمياً ودولياً حتى قبل يوليو 2011 ، وقد كانت لوزارة الدفاع فيه اليد الطولى، ولوزارة الداخلية والأمن دوراً مهماً، أما وزارة الخارجية فكان صوتها خفيضا ، وما ارتفع إلا بعد أن سعى من سعى لجعل الصراع الداخلي همَّاً من هموم المنطقة ، ثم جرى تدويله على أوسع نطاق، فصار من الواجب على صوت دبلوماسية الخرطوم أن يعلو، ويكون هو الصوت الرئيس والمعبّر عن السياسات . ولكن مع علو ذلك الصوت فما اعترف بقوته من أزمع التفاوض ، وغلبتْ ويا للحسرة، ذهنية أخرى على الذهنية الدبلوماسية. .
( 6 )
لعل أضعف مظاهر اتفاقية “نيفاشا” وبروتوكولاتها، أنّ الخرطوم جلستْ إلى التفاوض بذهنية “الحرب الأهلية” التي تقع بين “طرفين في بلد واحد” ، فيما جلس الطرف الآخر بذهنية “دولة ضد دولة”. وما “حق تقرير المصير” إلامظهراً جلياً من مظاهر رجحان كفة الذهنية الثانية وغلبتها على الأولى. في خاتمة القصة كان طبيعياً أن تظفر الذهنية الغالبة على استفرادها- وعبر استفتاء عجل- بدولة جديدة خرجت من ضلع السودان القديم ، بما يشبه عملية بتر رأسين من جسد واحد! كان واضحا خلال جولات التفاوض الطويل في نيفاشا، أن المفاوض القادم من الخرطوم بدا مفاوضاً “داخلياً” ، وكان للدبلوماسية تبعاً لذلك، وجوداً ضعيفا لا يكاد يرى، فيما جلس في الجانب الآخر، مستشارون وخبراء في الدبلوماسية والعلاقات الخارجية، امتهنوها ممارسة وفكرا. يكفي أن ندلل على ذلك بوجود د.منصور خالد في جانبٍ من مائدة التفاوض في نيفاشا.
الذي غاب عند أصحاب التصريحات وقد تكاثروا- إناثاً وذكورا – في الخرطوم، أنّ أمر النزاع الحالي مع جوبا، هو ملف جديد ينبغي أن تقوم بمعالجته وزارة الخارجية مع الطرف الخارجي المعنيِّ، باستصحاب أهل الرأي والمشورة في وزارة الدفاع ووزارة الداخلية وجهاز المخابرات، بعد تمرين داخلي وتحضيري مسبق لسبك المواقف التفاوضية. أما التفاوض الذي يجري في اثيوبيا فكان ينبغي أن يمهد له بمثل هذه المشاورات الداخلية (في الخرطوم وفي جوبا ) ، ثم من بعد يجلس الطرفان لتفاوض دبلوماسي وسياسي بين دولتين، يصدر عن مواقف متماسكة وبينة الملامح، تنفتح بعدها قنواتٌ لوسطاء فاعلين، وفق ما نصتْ عليه اتفاقية السلام الشامل، ووفق ما جاء في قانون الإستفتاء المنبثق عنها، على مثل هذه الرعاية من طرف شهود الإتفاق في “نيفاشا”، دولاً ومنظمات . مشاركة مسئولين من وزارة الداخلية أو الأمن أو حتى من رئاسة الجمهورية، في مفاوضات أديس أبابا الدائرة الآن، ينطوي – حسب تقديري – على تجاوز لدور يفترض أن تتولاه وزارة الخارجية بحكم الاختصاص . لو تم ذلك قبل ممارسة حق تقرير المصير وما أفضى إليه الاستفتاء ، لقلنا ذلك من مقتضيات اتفاق بين طرفين داخل بلد واحد، ولكن نحن أمام مظهر جديد لصراع تحول من نزاع داخلي إلى نزاع بين دولتين .
ولكن متى تحفظ العين الشمولية ودّاً للمؤسسية . . ؟
( 7 )
يزعجني ويزعج كثيرين من أصحاب النظر الموضوعي، أن أجهزة الإعلام الرسمية وممّا أسمعه في نشرات الأنباء في بعض قنواتنا الفضائية والإذاعية، وممّا أقرأه من مانشيتات تُصاغ على عجل في بعض صحفنا ، لا تقف على وصفٍ موضوعي لدولة “جنوب السودان” أو “السودان الجنوبي” الوليدة، إذ تقرأ وتسمع عن “الجنوب قال وفعل” ، أو “الجنوبيين قالوا وفعلوا” ، إنْ هيَ إلا افرازات ذهنٍ لم يهضم بعد واقعاً جديدا بعد التاسع من يوليو 2011، ولا يحرص على تعديل اللغة والتعبير بما يعكس ذلك الواقع .
تقع على الصحافة وعلى القنوات الفضائية، بل ولبيوت الله وقد اقتحم أئمتها وملاليها الجدد ملفات السياسة الخارجية، إشاعة الإشارات الموضوعية عن الواقع السياسي الجديد بألفاظٍ جديدة، تقرأ المشهد الماثل ولا تستوهم ما صار مثل الأطلال أمام بصر شاعر جاهلي . أقول ذلك برغم قناعتنا عن وحدانية الوجدان، إذ أن علاقات الدول تعالج على مستوىً أعلى ، يخضع لعوامل تتصل بتفاعل الدول وفق مصالحها ومنافعها وأجنداتها. نقول مع القائلين ، في مثلٍ ذي دلالات : “أكلو اخوان وتحاسبو تجار ” . .
لكننا أردنا أن نأكل ونحنُ على عداء، ونتاجر ونحن على عداء، وفي ذلك بؤس لا يماثله بؤس. ما ينقص في المشهد الماثل في نظري ونظر الأغلبية العاقلة، هو الإرادة الحقيقية لبناء جسور الثقة من جديد . .
الخرطوم – أول أبريل 2012
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم