ألقى يحي العوض عصا الترحال الطويل وترجل

 


 

 

عــفو الخاطــر:
لا فرق يا مولاي
بين العاشقين الكاظمين الوجد والأسرى
فانهض فديتك مثل النهر في المجرى
واشبع بلادك من اشعارها شعرا
"علي عبد القيوم"

كان مخرجو الموجة الجديدة في السينما الفرنسية في فترة خمسينيات وستينيات القرن العشرين مثل فرانسوا ترفو وشابرول وجان لوك غودار الذي اخرج فيلم هيروشيما حبيبتي ليحدث ضجة فنية وسياسية واسعة حينئذ وغيرهم من السينمائيين قد بهروا رواد الشاشة الفضية في كثير من انحاء العالم وكذلك المترددين على دور السينما من النخبة والمتعلمين في السودان. الامر لم يقتصر على المخرجين الفرنسيين فحسب بل تعداهم الى السينمائيين اليساريين والحالمين الاغريق؛ فعرف الناس المخرج اليوناني كوستا غافراس بعد مشاهدتهم لفيلم "زد" عن المقاومة اليونانية لانقلاب الجنرالات الاغريق واستيلائهم على السلطة بالقوة في مهد الديموقراطية، كما عرفوا مخرجي السينما الايطاليين ومن بينهم فيليني وانطونيني وفيتوريو دي سيكا وآخرين ممن لمع اسمهم في تلك الحقبة فأصبح هؤلاء السودانيين يرددون أسماءهم في أماكن عملهم وسهراتهم الحميمة ولياليهم المعتمة وحتى في بيوت المتعة الخافتة الاضواء، دلالة على المعرفة و"الثقافة". الا أن المخرج الفرنسي كلود ليلوش (لولوش) لم يكن من بين مخرجي الموجة الجديدة وإن الحقه النقاد بهم فنياً. أحدث فيلمه "رجل وامرأة" دوياً هائلاً في تلك الأوساط فأمسى اسمه يتردد بمناسبة وبغير مناسبة بين الصفوة. كان في الخرطوم نادي للسينما يعرض أفلاماً طليعية، حديثة وكلاسيكية، في جامعة الخرطوم، وكان للنادي أعضاء يقتصر عليهم وعلى ضيوفهم حضور تلك العروض. فكان يحي العوض من بين أعضاء النادي المداومين.
ظل يحي العوض يردد اسم لولوش وفيلمه البديع في لقاءتنا اليومية، فانتهز الزميل الناقد والروائي محمود محمد مدني الفرصة السانحة ليطلق عليه لقب لولوش ثم يختصره الى لوش وبعد ذلك الى أبو اللوش! كان محمود مدني مغرماً بنحت الألقاب واطلاقها على الزملاء وغير الزملاء واشاعتها بين الدائرة الضيقة حتى لا يعرف الغرباء، ممن كانوا حاضرين جلسة ما، عمن نتحدث. تقبل يحي العوض اللقب بصدر رحب والتصق به منذ تلك اللحظة، نناديه به فيجيب ونسأل عنه باسمه الجديد فيأتينا الرد.
كان يحي صحافياً متمرساً مخضرماً وكاتباً جذل العبارة، واضح المعني، أنيق المبني. عمل في الصحافة المكتوبة بكل ضروبها من وكالات أنباء وصحف سيارة ومجلات، بل أصدر بعضها ورأس تحريرها في السودان والمهجر. عرفته وانا أتلمس أولى خطواتي في بلاط صاحبة الجلالة الصحافة حينما التحقت بالسودان الجديد وستينيات القرن الماضي في ربعها الأخير. كان مديراً للتحرير في جريدة أصدرها أبو الصحف السودانية الحديثة، أحمد يوسف هاشم، التي كان يرأس تحريرها فضل بشير. كان لماماً ما يأتي الى مقر الجريدة وإن أتى فهو في عجلة من أمره يقف أمامنا ليحدثنا عن رحلاته في بلاد "الفرنجة"، بينما نحن غارقين أما في كتابة زاوية أو خبر طويل أو البحث عن مصدر لابد من الحديث معه في شأن استجد من شؤون السياسة السودانية كان لزاماً علينا ملاحقته. كنا لا نطيق صبرا وهو يروي ما رأى وسمع في لندن وبرلين – وبعضها سمعناه من قبل - فملامح وجوهنا كانت تعبر عن ذلك، الا يحي الذي كان ينصت اليه ويبادل ابتساماته وتعليقاته بضحكات وتعليقات مماثلة، رغم اننا نعرف ان أبا اللوش يتحرق شوقاً للحظة مغادرة رئيس التحرير مبني الجريدة لكي نتفرغ لأعمالنا.
كانت هنالك أعمدة راتبة في الصحيفة، أحدها عمود الزميل صديق محيسي "نحن أيضاً لنا كلمة" الذي كنت استولي عليه أحياناً، وعمود محمود محمد مدني "مشوار"، الا أن عمود رئيس التحرير، فضل بشير، "ما لهم وما عليهم بعدالة" لم يكن راتباً. كان يحي يهتم بكلمة التحرير التي كانت تعبر أيما تعبير عن رأي وتوجهات الفرسان الأربعة، يحي العوض وصديق محيسي ومحمود محمد مدني وعمر جعفر السوري. غير أن حصافة ودربة يحي كانت تغطي على أي شطط قد يرد في عمود من الاعمدة.
في يوم 20 أغسطس العام 1968 اهتزت العاصمة والاقاليم بمواكب عمالية هادرة لم يسبق لها مثيل عبرت عن القوة الحقيقية للطبقة العاملة وللشعب الرافض لسياسات الحكومة ومماحكات الطبقة السياسية وتوجهاتهم لفرض الدستور الإسلامي. دعا لتلك المسيرات الاتحاد العام لنقابات عمال السودان وسار في طليعة موكب الخرطوم قيادة الاتحاد وعلى رأـسهم الشفيع أحمد الشيخ والحاج عبدالرحمن. في ذلك اليوم هبطت بدون مظلة الى عمود صديق محيسي بضراوة ونزق الشباب لدعم ومساندة العمال ومطالبهم العادلة، لكن كلمة يحي، وإن كانت في ذات المعنى، خففت من حدة ما كتبت. كان يحي سموحاً مرناً، لا يقطع شعرة معاوية مع مخالفيه في الرأي أو خصومه في السياسة أو الادب أو الفن أو الثقافة. كان أيضاً بمثابة جمعيتنا الخيرية وهلالنا الأحمر. فثلاثتنا لم نكن نتلقى رواتباً منتظمة أو مشاهرة يعتمد عليها، فكان يحي يتولى الصرف على وجباتنا الفقيرة في غالب الأحيان ثم يختم اليوم بدعوتنا لسهرة في احدى الحدائق حيث الشواء، لا الفول والعدس، وسمك البلطي الحار. كان أبو اللوش في وضع أفضل من بقية "الشلة" يتقاضى مرتبات منتظمة من وكالات انباء أجنبية، إذ كان مراسلا في مكتب وكالة تاس الى جانب عمله في الجريدة، ثم ضم الى ذلك وكالة انباء المانيا الديموقراطية (أ.د.ن.)، ولذلك كان وضعه المادي مريحاً حيث امتلك سيارة فوكسهول زرقاء اللون، جعلته ينتمي الى صفوف كبار الصحافيين والميسورين، يأخذنا فيها حيث يشاء وأحياناً حيثما نشاء. لكنه لم يستمر مراسلاً في مكتب وكالة شنخوا الصينية الا أياماً معدودات، فقد بلغ الخلاف السوفيتي - الصيني أوجه في تلك الايام، لذلك حسم مكتب شنخوا أمره واستغني عن خدمات يحي.
درج يحي على إقامة علاقات طيبة، وفي بعض الأحيان حميمة، مع مختلف الاتجاهات الفكرية والسياسية وحتى الطرق الصوفية، يشارك في حولياتها واحتفالاتها دون التخلي عن توجهاته وأفكاره. كان هو لولب رابطة الصحافيين الاشتراكيين الذي لا يكل ولا يمل، وهي رابطة معروفة بين أعضائها يعرف بعضهم بعضاً وإن كان يساور الآخرين الشكوك حول وجودها. كانت الرابطة تضم لفيفاً من الصحافيين الشيوعيين واليساريين والديموقراطيين بينهم عبدالرحمن أحمد فضل الله، مدير مكتب وكالة نوفستي السوفيتية ومدير تحرير جريدة أخبار الأسبوع لصاحبها عوض برير، التي صدرت لتحل محل جريدة الميدان الناطقة بلسان الحزب الشيوعي السوداني بعد أن احتجبت قسراً ومن بعد أن انفكت الرابطة بين جريدة صالح عرابي، التلغراف، وهيئة تحرير الميدان. كان عبد الرحمن أحمد رئيس التحرير الفعلي للجريدة ويحي سكرتيراً للتحرير مما أكسب الجريدة قراء كثر لا يمتون للحزب الشيوعي بصلة ولا الفكر اليساري. كانت الجريدة تغطي أخبار الثورة الارترية، وهي ثورة لم تنل حتى ذلك الوقت رضى الحزب الشيوعي الكامل، وكان يحي هو من يغطي تلك الاخبار ويجري المقابلات الصحافية المطولة مع الفارين من صفوف النظام الاثيوبي عسكريين كانوا أو مدنيين.
ذات يوم أخبرنا أبو اللوش أنه قرر ترك السودان الجديد وتأسيس وكالة انباء تضاهي وتبز وكالات الانباء السودانية العاملة في الساحة. تداولنا ذلك القرار وحاولنا ثنيه عن هذه المغامرة إذ ان في السوق أربع وكالات أنباء محلية تحاول الاستمرار بشق الانفس، لكنه كان قد اتخذ قراره، فعرفنا أن وراء الاكمة ما وراءها، استشف ما يدور في أذهاننا فضحك. كنت حينئذ أعمل في وكالة أخبار الخرطوم لصاحبها الصحافي النبيل، سعد أحمد الشيخ؛ وفي ذات الوقت كنت مسؤولاً عن القسم الاقتصادي في مكتب وكالة الانباء الإقليمية (رويتر) التي تولى ادارة مكتبها ومراسلتها سعد بعد مغادرة محمد ميرغني موقعه للالتحاق بالأمم المتحدة مديراً لمكتب المنظمة الاممية الإعلامي في القاهرة. كان مسؤول القسم الاقتصادي، الزميل محمد عبد العال، قد قرر ترك وكالة الانباء الإقليمية والالتحاق بعمل آخر في شركة تجارية. العمل الرئيس للقسم الاقتصادي هو تغطية أسعار واخبار المنتجات الزراعية السودانية من اقطان متعددة الأصناف والسمسم والفول وما الى ذلك.
سرت الشائعات كالنار في الهشيم عن أن السوفيت قرروا انشاء وكالة انباء للترويج لأخبارهم وأخبار حلفائهم في منافسة مع وكالة أنباء أفريقيا الجديدة التي ظن الكثيرون أن الأميركان وراءها لأن صاحبها الزميل عمر كرار هو مراسل وكالة اسوشيتدبرس الاميركية. كانت تلك الشائعات من بنات أفكار من يدعون أنهم عالمون ببواطن الأمور. لم تكن تلك سواء بنات أفكار ما قبل منتصف الليل في حدائق الخرطوم والمقرن وامدرمان. في يوم من الأيام كنت ويحي العوض وصديق محيسي نتناول الإفطار بدعوة من أبي اللوش في مقصف الجمعية التأسيسية حينما انضم الينا الراحل محمد مكي (الناس)، وما أدراك ما محمد مكي الناس! قال ليحي بلهجته المصرية: "بص يا يحي يا ابني إذا كان الرفاق بقششوك بشوية روبلات، أحسن لك تحطهم في مشروع تجاري وسيبك من وكالة انباء وصحافة ووجع الدماغ." انفجرنا بالضحك. لم يرد عليه يحي ولكنه تناول موضوعاً آخراً. لم يكن للسوفيت أو الروس أي علاقة بمشروع "وكالة الانباء الوطنية (واو)". كان مشروعاً سودانياً خالصاً. كان التمويل سيأتي من الدكتور سيد أحمد عبد الهادي، قطب الحزب الاتحادي الديموقراطي ووزير التربية والتعليم في حكومة المحجوب الاخيرة. كان هناك صراع خفي يدور بين أجنحة الحزب، وكان عبد الهادي مهتماً بدور الاعلام إذ يتصل بي وبمحمود محمد مدني في السودان الجديد ليسأل عن آخر الاخبار "غير المنشورة" أو خلفيات خبر منشور، وأظنه كان يفعل ذات الشيء مع وسائل إعلامية أخرى. كذلك لم يكن يحظى بتغطية إعلامية لأنشطته واخبار وزارته الا فيما ندر. أراد منافسة وزير المالية، الشريف حسن الهندي، الذي ربطته صلة مهنية خاصة مع الزميل الراحل ادريس حسن ومؤسسته الصحافية، وكالة الانباء المحلية. صدرت من وكالة الانباء الوطنية أو كما أطلق عليها البعض (الواو الضكر) أربعة اعداد فقط، حيث انقلب العقيد جعفر نميري وزمرته في الخامس والعشرين من مايو العام 1969 على النظام الديموقراطي في نسخته الثانية.
حينما انقطع حبل الود بين اليسار وجعفر نميري، لا سيما بعد حركة 19 يوليو 1971، رأى لوش انه سيكون مطاردا وضحية لنظام متوحش فقرر مغادرة البلاد. اتجه يحي الى دول الخليج التي كانت ترحب بالكفاءات الصحافية السودانية. كانت صحافة الخليج يومئذ يصدرها العرب من مصريين واردنيين وفلسطينيين وقلة من السودانيين، أما صحافة الخليج باللغة الإنجليزية فقد استولى عليها الباكستانيون والهنود. تنقل يحي بين دور صحف الخليج، وحينما التقيته في العاصمة الارترية، اسمرا، كان في مهمة صحافية لجريدة الشروق القطرية. لم ينس الارتريون ليحي صنيعه معهم إبان الثورة فساعدوه واسرته على الهجرة الى الدنمارك، الا أن يحي لم يطق زمهرير اسكندنافيا فعاد مجددا الى حر الخليج ورطوبته التي تكتم الانفاس، لولا أجهزة التكييف! ثم رجع الى اسمرا مرة أخرى صحبة صديق محيسي ليضعا اللمسات الأخيرة على مشروع صحيفة يمولها الارتريون لصالح المعارضة الديموقراطية السودانية تصدر من لندن. حزم الاثنان حقائبهما ويمما صوب عاصمة الضباب فأصدرا جريدة الفجر التي رأس تحريرها أبو اللوش. كانت الصحيفة تصدر اسبوعياً باللغة العربية على ثمانية أعمدة بينها أربع صفحات باللغة الإنجليزية (...) ترجمة لما يحتويه العدد بالعربية. اتصل بي يحي من هناك ودعاني لكتابة عمود راتب فكتبت زاوية تحت عنوان (نظرة) تنشر في الصفحة الثانية من الجريدة. كانت نظرة عنواناً لعمود يومي كتبه جعفر السّوْري في جريدة السودان الجديد في خمسينيات القرن الماضي. الا ان الفجر أغلقت أبوابها فعاد الفارسان الى الخليج مرة أخرى، ولم يغادره يحي بعد ذلك.
كان يحي صحافياً حداثياً بكل ما تحمل الكلمة من معاني، وصحافياً عتيقاً بكل ما تشير اليه من دلائل. وداعاً يحي العوض، وداعاً أبواللوش!

elsouri1@yahoo.com
/////////////////////////

 

آراء